تفاصيل التحاق المنامة بمسار التطبيع، تشير إلى وجود علاقات سرية منذ فترة طويلة، بين إسرائيل والبحرين، حيث استغرقت اتفاقية التأسيس الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدن 29 يومًا فقط.
الدوحة ـ”القدس العربي”: مُباركة جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي وصهره، لقرار امتناع الجامعة العربية إدانة اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، واعتباره أحد أشكال التحول الهامة في المنطقة، فضحت علناً خطط أبو ظبي، وجنوحها نحو شق الصف العربي، حيث لم تمر سوى ساعات حتى صار خبر لحاق المنامة بجارتها علنياً.
توالي المعلومات من مقر الجامعة الواقع في قلب العاصمة المصرية القاهرة، عن التحركات الإماراتية، والحلف المحسوب على التقارب مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يعكس عملياً ما يحدث في المنطقة من تحولات، ومعها المواقف من تطورات الأحداث في المنطقة، خصوصاً وأن ما قامت به الإمارات، اعتبرت سابقة في تاريخ الجامعة التي تلفظ أنفاسها، واعتبر اجتماعها الأخير، لقاء تصديق وفاتها رسمياً.
وبدأت التحركات التي قامت بها المنامة علناً، ومن خلفها أبو ظبي، تفتضح للعامة، مع خروج عدد من المسؤولين، وكشفهم ما حدث، على غرار توجيه مهند العكلوك السفير الفلسطيني لدى جامعة الدول العربية، أصابع الاتهام للدولتين، لإسقاط مشروع قرار السلطة في اجتماع وزراء الخارجية، المدين لاتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل.
وتشير العديد من المعطيات أن الإمارات تناور في الكواليس، وتمكنت حتى الآن من سحب عاصمة عربية، واحدة المنامة، لتسبح في فلك خطتها، والتوقعات تشير إلى مزيد من العواصم، مراهنة على جعل العلاقة مع إسرائيل أمراً طبيعياً، وليس مستهجناً. تجلى الأمر بشكله الواضح، لما تحركت آلتها وسابقت الزمن لتطبع أولى أحرف المباركة للتطبيع البحريني، وتقديم التهنئة للحاقها بركب الهرولة نحو تل أبيب، وتسويغه كاتفاق تاريخي.
صبت في هذا السياق تأكيدات دبلوماسيين فلسطينيين أنهم فوجؤوا بعدم التزام بعض الدول العربية، (إشارة إلى أبو ظبي والمنامة) بالنص المتوافق عليه، وتدعمه التسريبات التي أكدت محاولة تلك العواصم إضافة بنود تضفي الشرعية على اتفاق التطبيع بين أبو ظبي وتل أبيب.
كواليس ما حدث في مبنى الجامعة العربية التي تعالت أصوات طالبت لتحويله لقاعة أفراح، عبر عن بعض تفاصيلها، صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وتأكيده إن هناك العديد من الدول العربية عارضت في اجتماع وزراء الخارجية، ما قامت به الإمارات. مستطرداً أن معرفة مؤيدي أبو ظبي، حقيقة ستظهر من خلال مشاركتهم في احتفال توقيع الاتفاق في واشنطن، وهو ما اتضح مع المنامة.
المسؤول الفلسطيني ترك واجب التحفظ، ولخّص ما حدث بالتأكيد أن “ما قامت به الإمارات، ليس شيئاً بسيطاً، بل هو خروج واضح عن المبادرة العربية، وضربة قوية”.
وتشير القراءات، أن الإمارات تسعى للتعجيل بخطوات التطبيع، وتسابق الزمن لترسيخ الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، مع خلق ضغط على العواصم المترددة لتتبع نهجها.
ولم يكن أمر إقناع جارتها التي تلقب بـ”مملكة الرتويت” مهمة صعبة، أو تطلب جهداً ومثابرة لتحقيق هدف محمد بن زايد الذي يراهن على تزعم حلف المطبعين وقيادته نحو خدمة أجنداته في المنطقة.
وتكشفت معلومات من واشنطن أشارت إلى تواصل مسؤولين بحرينيين مع نظراء لهم في البيت الأبيض، وطلبوا أن تكون بلادهم الدولة التالية بعد الإمارات في تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
فبعد ساعات من توصل الإمارات وإسرائيل لاتفاق التطبيع، قام مسؤولون بحرينيون رفيعو المستوى بالتواصل مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صهره جاريد كوشنر، والممثل الخاص للبيت الأبيض للمفاوضات الدولية آفي بيركوفيتش.
المسؤولون البحرينيون كانوا واضحين ومباشرين، وأكدوا بلغة لا تحمل أي تأويل: “نريد أن نكون الدولة التالية في التطبيع مع إسرائيل”.
وتواترت تعليقات حول المنامة، من أنها تحولت إلى ريتويت بعد أبو ظبي، بعدما كانت تابعة في مواقفها للرياض.
وتفاصيل التحاقها بمسار التطبيع، تشير إلى وجود “علاقات سرية” تسير خلف الأبواب الموصدة منذ فترة طويلة، بين إسرائيل والبحرين، حيث استغرقت اتفاقية التأسيس الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدن 29 يومًا فقط.
ولم تعد كلاً من أبو ظبي والمنامة تجدان حرجاً من إعلان لهفتهما لترسيخ العلاقة، وهو ما تفاخر به أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، وتأكيده إن بلاده تريد أن تنجز التطبيع مع إسرائيل في أسرع وقت ممكن.
واستطرد قرقاش صراحة، أن الإمارات لا تريد عملية بطيئة وتدريجية، بل إن فكرتها هي المضي قدماً في هذه العملية.
وبقدر لهفة أبو ظبي والمنامة للتطبيع، تقابل سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسار بنفس الدرجة من الود، لتحقيقها اختراقاً لم تكن تتوقعه يوماً، واعتبرت مكافأة لا تقدر بثمن.
لهفة لخصها بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بتأكيده أنه يتشرف بالسفر إلى واشنطن للمشاركة فيما وصفها المراسم التاريخية التي تقام في البيت الأبيض، لترسيخ اتفاقية السلام بين إسرائيل ودولتين من مجلس التعاون الخليجي.
بعيداً في مسار التطبيع
تذهب الإمارات والبحرين، خلافاً للأردن ومصر، بعيداً في التطبيع مع إسرائيل، على المستويين الرسمي والشعبي، إلى حد لفت انتباه المراقبين حتى الغربيين، وهذا بادعاءات مختلفة حول دوافع معلنة تتضمن التعاون المشترك في الجوانب العلمية والاقتصادية والثقافية، وغيرها.
ولم يسبق أن تحقق لتل أبيب الكثير في استراتيجيتها بعيدة المدى، التي تتشارك فيها مع الولايات المتحدة الأمريكية، لإدماج إسرائيل في المنطقة على المستويين المجتمعي والرسمي، طيلة عقود من توقيع اتفاقيتي السلام مع مصر (1979) والأردن (1994) مثلما يحدث لها الآن.
وعملت آلة الدعاية الإماراتية، أولاً، ثم البحرينية لاحقاً، منذ الإعلان عن التوصل لاتفاقهما الذي رعته الولايات المتحدة، على تسويقه داخلياً وخارجياً، وعلى شكل حملة مكثفة، بمختلف الوسائل.
وقادت الجهود التي بذلتها القيادة الإماراتية تحديداً للترويج للتطبيع، إلى انتشاره على شبكات ودوائر مقربة من السلطة، مع تحرك الذباب الإلكتروني والإيحاء أن جموع الإماراتيين والخليجيين تؤيد المسعى، مع التكثيف من هجومهم على الفلسطينيين عموماً، محملين إياهم مسؤولية إضاعة فرصة تاريخية. وتعالت الأصوات المنددة بإقحام حتى الأطفال في مسار التطبيع، ودفعهم نحو معترك خطط آل زايد وآل خليفة.
وتناضل آلة الدعاية الإماراتية تحديداً ومن بعدها البحرينية، حتى الآن لتسويق فكرة، فحواها أن خطوتهما التطبيعية، هدفها خدمة القضية الفلسطينية، وإحلال السلام. ولا يزال يدور حديث في أوساط إعلامية وسياسية مقربة من حكام أبو ظبي، والمنامة، عن أن الإمارات ومن بعدها البحرين نجحتا في مقايضة التطبيع بوقف خطة الضم، مع أن الحقيقة مختلفة، وأن لا صحة للأمر، طالما أن إسرائيل قد “أجلت” أو “علقت مؤقتا” عملية الضم قبل أشهر من المسار.
وعشية الإعلان عن الاتفاق، كان نتنياهو أكثر وضوحاً، حين قال إن خطة الضم لا تزال مطروحة، وإنه استجاب لطلب ترامب بالوقف “المؤقت” للخطة في إطار الصفقة الإماراتية.
وتفيد تصريحات القادة الإسرائيليين بأن السقف الأعلى هو “تعليق مؤقت” لضم الأراضي، وليس كما يصرح مسؤولون إماراتيون، بأن الاتفاق على التطبيع نجح في “وقف” عملية الضم. وتستهدف التصريحات الإماراتية تسويغ خطوة التطبيع لدى الشارعين العربي والإسلامي، اللذين يرفضان أي خطوات إجرائية باتجاه إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل قبل أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه التاريخية المشروعة في إقامة دولته المستقلة بسقفها الأدنى، الذي تمثله مبادرة السلام العربية لعام 2002 والتي ترعاها السعودية، ولا تزال تتمسك بها في المواقف الرسمية المعلنة.
وهذا ما دعا علماء الأمة العربية والإسلامية من مختلف الأقطار والمذاهب والنحل، إلى إصدار فتوى تحرم الخطوة الإماراتية، وتؤكد أنها تهدف لشق الصف العربي، وتفرط في مصالح الفلسطينيين.
تنسيق أمني استخباراتي
فضحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي العواصم المطبعة، ودحضت مزاعمها حول أسباب تطبيع العلاقات، ما جعل الأنظار تتجه نحو النبش في الدوافع الحقيقية، للمسار، وخلفياته، والنتائج المرجوة منها.
وإذا كانت الدوافع البحرينية من التطبيع، غير تتبع مسار أبو ظبي واضحة، وجلية، فإنها لسابقتها ليست كذلك. وكشفت وثيقة رسمية إسرائيلية، أن اتفاق تل أبيب وأبو ظبي على التطبيع، يمهد الطريق لتكثيف التعاون العسكري بينهما في البحر الأحمر.
وقالت مصادر مقربة من سلطات الاحتلال، إن وثيقة صادرة عن وزارة الاستخبارات الإسرائيلية تحدد مجالات التعاون المحتمل مع الإمارات، وأضافت أن تل أبيب مهتمة بتوسيع التعاون الأمني.
وبحسب الوثيقة، فإن التعاون في مجال الأمن، يتصدر الأولويات، واتفاق التطبيع يجعل من الممكن تعزيز تحالف عسكري بين دول الخليج، فضلاً عن تكثيف التعاون بشأن أمن البحر الأحمر.
ويذهب مراقبون إلى أن إسرائيل تتحرك بكثافة، لا سيما عبر دول في منطقة القرن الأفريقي أبرزها إثيوبيا، لمنع تحول البحر الأحمر إلى بحيرة عربية أو إسلامية.
وفي الوقت نفسه، تسعى شركات الأسلحة الإسرائيلية جاهدة لزيادة صادراتها الدفاعية إلى دول الخليج، مع تحول العلاقات إلى علنية ورسمية، خصوصاً مع أبو ظبي والمنامة رفيقتها في سباق التطبيع، ثم السعودية لاحقاً.
واحتفت الإمارات رسمياً بهبوط طائرة يوسي كوهين رئيس جهاز الموساد، في مطار أبو ظبي، قادمة من تل أبيب، في رحلة مباشرة، وهذا لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات. رحلة مسؤول الموساد، لن تكون الأخيرة في الخليج، ويتوقع أن تحط مجدداً في المنامة، وسيكون هناك احتفاء بهذه الزيارة.
التصريح الرسمي بكون الزيارة تهدف لوضع اللمسات لاتفاق التطبيع، لا تكشف حقائق غير معلنة، تتعلق بمفاوضات ونقاشات وخطوات عملية، لتعزيز التعاون والتنسيق الأمني والاستخباراتي.
وتهدف سلطات الاحتلال الحصول على أكبر قدر من المعلومات عن الحركات الثورية، والإسلامية، في المنطقة، التي تملك أبو ظبي سجلاً غنياً بمعطيات، جمعتها في إطار خطواتها لعرقلة المسارات الديمقراطية في المنطقة، خصوصاً وأنها تعتبر مصدر الثورات المضادة في عدد من الدول. وسيكون على البحرينيين مهمة تزويد سلطات الاحتلال بمعلومات وافية عن جارتها طهران، التي تتهمها بتأليب المواطنين الشيعة ضد النظام الحاكم.
وتعيش سلطات الاحتلال زهواً بعد توالي الأنباء عن شق الصف العربي، منذ قررت أبو ظبي الهرولة نحو تل أبيب، وسحب العواصم الأخرى، ولحقت بها المنامة، والتطبيع مجاناً ومن دون مقابل، أو تحقيق أي هدف معلن، يخدم القضية الفلسطينية.