يقدم “الصمت” الذي هو “أقوى أسلحة السلطة” بتعبير شارل ديغول، فضاء مفتوحًا من سوق التأويلات والتكهنات حول المغزى والتوقيت من تنفيذ السلطات البحرينية حكم الإعدام صباح يوم السبت الماضي الموافق لـ 27 تموز/يوليو الجاري. ما بين أن يكون تنفيذ هذه الأحكام منعطفًا وتعقيدًا جديدًا لملف الأزمة السياسية في البحرين باعتباره شأناً داخلياً صرفاً، أو أن يكون لتنفيذ أحكام الإعدام أسباباً أخرى، ورسائل سياسية تتخطى حدود الداخل، وهو ما يتصل بتعقيدات الصراع الإقليمي المُحتدم في المنطقة.
ولئن كان الانزياح أو التفضيل لتفسير أو تأويل (ما) قد يعزز من القدرة على بناء فهم رصين وتقدير موقف رزين لتعقيدات المشهد السياسي في البحرين منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية منتصف شباط/فبراير من العام 2011. إلا أنه أيضًا، ومهما كان هذا الانزياح، لا يُغير كثيراً من تفاصيل المشهد الداخلي الذي يتلخص في أن الدولة – ممثلة بإرادة الأسرة الحاكمة – تُحكم قبضتها الأمنية بامتياز، وتستمر – من دون هوادة – في مشروع شيطنة وتطويق شارع المعارضة والإجهاز عليه، بما في يديها وتتحكم به من أدوات سياسية، أمنية، قضائية وإعلامية.
الضغوط والمناشدات التي دفعت بها جماعات حقوق الإنسان المحلية والدولية لإيقاف تنفيذ أحكام الإعدام لم تستطع كبح جماح السلطات البحرينية عن تنفيذ “عملية قتل تعسفية” والتعبير هنا لمقرر الأمم المتحدة المعنية بالقتل خارج نطاق القضاء والإعدام التعسفي أغنس كالامارد. وفي الحقيقة؛ ليس ثمة – محلياً أو إقليميًا أو دوليًا – ما يمنع الدولة من ارتكاب مثل هذه الجريمة؛ خصوصاً وأن واشنطن اليوم، وهي اللاعب الدولي الأبرز في البحرين، لا يبدو أنها باتت تتعاطى “السياسة” إلا باعتبارها أداة تفاوضية في عالم “المال والأعمال”.
داخلياً، وفي شارع معارضة مكسور ومرهق، يرزح زهاء 4 آلاف من أبنائها وبناتها في السجون بأحكام قضائية متعسفة، كانت الاحتجاجات داخل القرى – خشية قمع السلطات العنيف لأي مظاهرة خارجها – أبسط أوجه التعبير عن الغضب من إعدام متهمين اثنين انتزعت اعترافاتهما تحت التعذيب. أما الدولة التي تعاني من أزمة مالية خانقة، ودين عام ثقيل، وتنفق كل عامين على فاتورة الأمن والدفاع ما مجموعه 4 مليارات و940 مليون دولار (28 في المئة من مجموع موازنة 2019 و2020) فقد كانت مطمئنة – إلى حد كبير – إلى قدرة ماكنتها الأمنية من التعامل وصد أي تبعات محتملة لتنفيذ هذه الأحكام، يرافق تلك الطمأنينة تقدير مستقر بأن التداعيات خارج البحرين لن تزيد عن بعض البيانات الحقوقية المنددة بملف البلاد الحقوقي، وبدون أي تبعات.
مذ أدارت المنامة ظهرها لوصفة الحل الأمريكية التي قدمها تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق (لجنة بسيوني) في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011 مقترحةً المضي في إصلاح سياسي وحقوقي متدرج، لم تعد السلطات البحرينية تهمل أو تتشاغل عن أي فرصة سانحة للمضي في تنفيذ مشروعها الذي لا يحاول تجاوز أحداث البلاد منذ العام 2011 وحسب، بل يشي السياق الناظم لمجمل السياسات والإجراءات التي اعتمدتها الدولة، على مدى ثمان سنوات مضت، أن الهدف هو الرجوع بالبحرين – سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا – لعشرية التسعينات السوداء من القرن الآفل.
هذا السياق الناظم للسياسات الحكومية الذي استكمل مرحلة الإجهاز على مؤسسات المعارضة وقياداتها عبر حل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية (معارضة شيعية) وجمعية العمل الوطني الديمقراطي (معارضة وطنية مختلطة بين الطائفتين)، هو اليوم يرمي بثقله كاملاً في بناء ونشر سياسات التخويف والترهيب لشارع المعارضة كله، وبما يتجاوز جريمة قانون “العزل السياسي” أواخر العام الماضي 2018، ذلك القانون الذي انتزع من غالبية شارع المعارضة حقوقهم الدستورية في التصويت أو الترشح في أي انتخابات؛ بلدية أو برلمانية. في سياق منتظم من التنكيل عبر إعمال آلة العنف، الأحكام القضائية المغلظة وصولاً لتنفيذ أحكام الإعدام، تحاول الدولة الاستمرار في ضبط شارع المعارضة وسد أي منافذ محتملة.
لا يكتفي صُناع ومهندسو سياسات الداخل البحريني بالاستثمار والمزايدة المفتوحة على الفرز الطائفي، وصبغ الأزمة السياسية بعناوين طائفية فاقعة، بل يستثمر صُناع هذه اللحظة المرّة من تاريخ البحرين في الغطاء الإقليمي، مالياً وسياسيًا، لخدمة هذا السياق الانتقامي والرهان المتوحش. وعليه، تسعى الدولة إلى أن يكون تنفيذ أحكام الإعدام في البحرين جزءاً لا يتجزأ من مشهد الإقليم المحترب وتجاذباته، بل وفهماً وجيهاً من الأفهام التي يمكن الركون لها واستثمارها في تبرير ما حدث ويحدث.
تعمد الدولة من خلال مجموعة من الإجراءات المعاشة والفاعلة على الأرض، وتسويق خطاب سياسي وإعلامي مرسوم ومنتظم، إلى استيراد ثنائيات الصراع الإقليمية (المحور الإماراتي السعودي قبالة إيران تارة، وقطر تارة أخرى) ومن ثم معالجة وإعادة تركيب أزماتها الداخلية على مقاسات الإقليم والصراعات فيه؛ أدبيات، يوميات ومتغيرات. ولعل ذلك ما يُفسر – في أكثر من موقف – حماسة المنامة المستمرة في أن تتصدر الصفوف الأولى عند أي منعطف حاسم أو موقف جديد في صراعات الإقليم.
ليس غريباً أنه وبعد ثماني سنوات ونيف من قمع الاحتجاجات الشعبية في البحرين، والإجهاز على المعارضة، تراكمُ المزيد من الخسارات على البحرين والبحرينيين. هو خيار الدولة بامتياز، وإرادة كاملة، في أن تكون مواطنة شريحة كبيرة من مواطنيها منتقصة. ما يغيب عن ذهن الدولة، عن إدراكها وعن وعيها بتعقيدات هذه اللحظة، هو أن انجاز وصناعة مواطنة منتقصة، خائفة ومُلاحقة، في أي دولة من الدول، لا يمكن له أن يتم أو أن ينجح، إلا حين تصبح الدولة ذاتها، بالتوازي، دولة منتقصة، خائفة ومُلاحقة.