البحر والغروب

حجم الخط
0

يوكيو ميشيماترجمة كاظم الحلاق في 25 نوفمبر سنة 1972 انتحر الروائي الياباني يوكيو ميشيما – انتحار طقسي بطريقة السبيوكو الدموية- وهو في الخامسة والأربعين من عمره وفي قمة عطائه الأدبي. كتب ميشيما كثيرا عن الانتحار والموت المبكر، وكان غالبا ما يردد بان رغبته ان يموت شابا. بعد ان تصور فكرة رباعيته الهائلة (بحر الخصوبة) عام 1964، قال بعد الفراغ من كتابتها لن يبقى له سوى عمل واحد ‘الانتحار’. احد أصدقائه المقربين قال: ‘بانه شعر بالخواء بعد ان وضع في رباعيته كل ما تعلمه وفكر فيه بصدد حياته وعالمه’. لقد وضعت أعمال ميشيما في مرتبة أعمال بروست واندريه جيد وسارتر. إحدى المجلات البريطانية وصفته (انه واحد من أروع الكتاب المعاصرين، امتلك قوه خيالية خفية و معقدة ومخيفة في الوقت نفسه). نشر ميشيما أوّل رواياته في مجلة المدرسة وهو في الثالثة عشرة من عمره، وحينما التحق في جامعة طوكيو نفدت من الأسواق نسخ مجموعته القصصية الأولى خلال أسبوع واحد. لقد قام برحلات واسعة بضمنها زيارته أمريكا والهند، وله كتابان حول ذلك ومجموعة من المقالات، كما كتب عددا لا يحصى من القصص القصيرة. من أعماله الروائية: عطش الحب، معبد السرادق الذهبي، البحار الذي لفظه البحر، اعترافات قناع، الالوان المحرّمة، هدير الأمواج، رباعية بحر الخصوبة؛ (ثلج الربيع، الجياد الهاربة، معبد الفجر، سقوط الملاك)، ترجمنا هذه القصة عن الإنكليزية من مجموعته القصصية ‘طقوس العبادة’. كان ذلك أواخر صيف السنة التاسعة من عهد الإمبراطور (بوني) تجب الإشارة لأهمية ذلك في النهاية، بأن السنة التاسعة من عهد بوني هي 1927 حسب التاريخ الغربي. كان هناك رجل كهل وصبي يتسلقان هضبة شوجوجاتيك المترامية وراء معبد كينجوجي في كامكورا. كان الرجل يقوم بأعمال الإصلاح والتنظيف في المعبد، وحتى في فصل الصيف كان يود أن يفرغ من عمله قبل منتصف النهار، ومن ثم يأخذ بتسلق الهضبة كلما رأى دلائل تشير إلى غروب بهيج. كان الصبي اخرس واصم، وأطفال القرية الذين يأتون للعب بجوار المعبد عادة ما يستبعدونه من ألعابهم، لهذا يشعر الرجل بالتعاطف معه ويفضل اصطحابه إلى الهضبة. كان اسم الرجل (أونري) وكان ذا انف طويل يشمخ بين محجري عينيه الزرقاوين الغائرتين، لذلك لقبه المشاكسون من أولاد القرية دون ان يعلم بـ (الشبح ذو الأنف الكبير). لا شيء يبدو غريبا بصدد لغته اليابانية، ولم تكن ثمة شائبة في لهجته المحلية، كان بين العشرين والخامسة والعشرين عندما قدم بصحبة احد معلمي(زن)، دايوكو مؤسس المعبد. شرعت أشعة شمس الصيف تلملم نفسها، بينما بدت الأمكنة حول هضبة شودو غارقة في الظلال، ارتفعت بوابة المعبد عاليا نحو السماء كأنها تشكل حدا فاصلا بين العتمة والنور. كان وقتا من الأوقات الذي تكون فيه رقعة المعبد واجمة الأشجار المحيطة به، قد أخذتا تماما بالظلال المتطاولة، بينما ظل الجانب الغربي من شوجوجاتيك حيث أونري والصبي يتسلقان يستحم بأشعة شمس حادة، فيما انتشر أزيز الحشرات الصخاب بين الأشجار المجاورة. وفي وسط النجيل الذي اشبع الهواء برائحة الصيف، كان ثمة بضع زنابق ماء قرمزية اللون قد غيرت ألوانها معلنة عن مقدم الصيف. عند وصولهما القمة، تركا جسديهما السابحين في العرق معرضين لرائحة نسيم الهضبة البارد. تحت مرمى بصريهما تناثرت ثمة معابد صغيرة؛ سايراين، دوكين، هوجوئين، بنجئين، وريوهوئين، القريب جدا من معبد كينجوجي، بينما استأثرت أوراق شجرة صنوبر كان مؤسس المعبد قد جلبها من بلده الأصلي في عهد أسرة (تونغ) بأشعة أواخر الصيف. وعند انحدار شوجاجاتيك كان يمكن رؤية سقف (أوكنيون)، وعند مدخل الكهف حيث المعلم يقوم بطقوس التأمل، امتدت غياض من الأشجار في موسم تفتحها، فغدت بحرا من الازهرار شكل انسحابا مراوغا للأوراق وافرة الاخضرار. كانت حالة السماء تنذر بامتزاج أواخر الصيف بالخريف، وفي البعيد ثمة غيوم تتمطى للحظة ثم تتضام متوحدة بصفها فيما ظلت كتل الثلج تتساقط مرقشة سماء كامكورا. – لماذا هم كقطيع من الأغنام ؟ قال أونري بصوته الابح. لكن عقل الصبي كان خاليا من أية علامة للفهم، غير ان حكمة لا متناهية بدت تنعكس من نظراته الشفافة، لهذا السبب تحمس أونري لإيصال أفكاره، فان لم تكن بالكلمات فعبر إشعاع عينيه الزرقاوين الصافيتين مباشرة لعيني الصبي، بدت كلماته تخاطب الصبي، لم يكن يتحدث باليابانية، بل باللغة الفرنسية، فرنسية ممتزجة بلهجة أهل الجنوب، فإذا سمع احد الأطفال غرابة ألفاظه وتعثره خلال حديثه سيشعر بان عفريتا يتكلم. – نعم انهم كقطيع من الأغنام. قالها هذه المرة متنهدا ثم أكمل، انني أتتساءل ما الذي حل بخراف سفين الوديعة ؟ أتوقع الآن بأن لديها صغارا، بل أحفادا، ثم تميت نفسها بهدوء. أمال جسده لإحدى الصخور منتقيا مكانا حيث أحراش الصيف لا يمكنها حجب رؤية البحر. – من المؤكد انك لا تزال صغيرا لفهم ما أقول، لكني اشعر بأنك مختلف عن بقية سكان القرية، ومن المحتمل بانك ستصدقني، وربما من الصعوبة حتى بالنسبة لك ان تتقبل ذلك، ولكن أرجو ان تصغي لي .. أخذ يتكلم ببطء، وحينما كان يجد صعوبة في السيطرة على أفكاره كان يقوم ببعض الإيماءات الغامضة كما لو انه يحاول ان يستجمع قواه ليتم حكايته .. منذ فترة طويلة، حينما كنت في عمرك نفسه تقريبا، كنت راعيا ب (سفين)، المنطقة الجبلية الأجمل في الجنوب الفرنسي حيث أقليم النبيل تولوس، تحديدا في المنطقة الواقعة جنوب جبل بيلا، لا اعتقد بان ذلك يشكل لك أهمية، ومع ذلك كان أناس هذه المنطقة لا يعرفون حتى اسم بلدي الأصلي، وكان ذلك عام 1212، حينما استعادت الحملة الصليبية الخامسة سيطرتها على القدس، لا لشيء إلا لتراها تختطف مرة أخرى، ظل الفرنسيون غارقين بأحزانهم والنساء بقين في ثياب الحداد. وفي غسق أحد الأيام كنت عائدا بقطيع الأغنام من المرعى، كانت السماء صافية بشكل غير اعتيادي والكلب الذي كان معي أخذ يهز بذيله كما لو انه يريد ان يختفي ورائي، وفي البعيد رأيت المسيح برداء ابيض لماع، نازلا الى اسفل الهضبة في اتجاهي، كان بلحية كما يبدو في الصور وارتسمت على وجهه ابتسامة مفعمة بعاطفة لا تعرف حدودا. ركعت على ركبتي، إلا ان السيد مد يده، نعم استطيع تذكر ذلك، لمس شعري قائلا: ‘أنت هنري من يدخل الأرض المقدسة، أنت ورفاقك الأطفال عليكم ان تستعيدوا القدس من الأتراك الأشرار، اجمع عددا غفيرا واذهب بهم، هناك ستنشق مياه البحر إلى نصفين وبمقدوركم ان تمروا من هناك إلى الأرض المقدسة’. هذا ما سمعته، أما البقية لا استطيع تذكرها، كنت في غيبوبة، ولما استيقظت وجدت الكلب يلحس وجهي محاولا إيقاظي وهو يحدق في عينيّ بقلق بينما حمرة الشفق تنتشر حولنا. عدت إلى البيت ولم أبح لاحد بما حصل لي، كنت اشعر لا احد سيصدق بي. بعد أربعة أيام أو خمسة، وفي احد الأيام الممطرة كنت وحيدا في الكوخ .. عند الغروب تحديدا سمعت طرقا على الباب، خرجت فوجدت مسافرا متقدما في العمر يقف عند الباب سائلا إياي بعض الخبز، نظرت إليه بانتباه، كان وجهه وقورا وذا انف بجسر عال تحيط بخديه لحية بيضاء، العينان خاصة كانتا تتسمان بصفاء مخيف.. عرضت عليه ان يدخل، كانت السماء ما زالت تمطر بشدة، إلا ان الرجل لم يحر جوابا، كانت ثيابه جافة تماما بالرغم من انه كان يمشي تحت المطر، وقفت هناك مرعوبا،غير قادر على الكلام، الرجل الكهل شكرني على الخبز الذي قدمته له ثم مضى، وفي تلك الأثناء سمعت صوتا واضحا يتردد بأذني’لماذا تتردد إلا تعلم بانك مؤتمن على رسالة الرب ؟’. هممت ان اركض وراء الرجل لكن الليل كان فاحم السواد والمطر يتساقط بغزارة ويبدو ان الغريب قد اختفى من المكان. ارتفع ثغاء الخراف كصوت جوقة خلل المطر. لم استطع النوم تلك الليلة، في اليوم التالي، ذهبت إلى المرعى وقصصت ما حدث لي إلى راع شاب، كان شابا ورعا وعادة ما يعاملني بلطف، وما ان أكملت حكايتي حتى ركع على العشب ليصبح من المريدين لي. وخلال أسبوع أو اكثر بقليل تجمع عدد من الرعاة كانوا يسكنون الحي نفسه ليصبحوا من التابعين لي، لم يكن لدي أي شعور بالعظمة، بل هكذا جاءوا برغبتهم ليتبعوني. وقبل ذلك كانت شائعة تتحدث عن نبي عمره ثماني سنوات، ظهر بمكان ليس ببعيد عن القرية التي أعيش فيها، الطفل الرائي على حد قول الشائعة قام ببعض المعجزات، مسح وجه فتاة عمياء فاعاد بصرها إليها. المريدون وأنا ذهبنا إلى هناك لنتأكد بأنفسنا. وجدنا الطفل يلعب بجذل بين الأطفال، خررت على قدميّ أمامه وأخبرته ما حدث لي. كانت بشرته بيضاء تميل للون الحليب، وثمة خصلات ذهبية تتدلى على جبهته، بحيث يمكن رؤية الأوردة الزرق تحت الجلد، واثناء ركوعي كبح ضحكته، بينما ارتعشت زاويتا فمه مرتين او ثلاثا، لم يكن يتطلع ناحيتي، وانما كان ينظر بشرود تجاه المروج المتموجة عند الأفق. نظرت أنا بدوري إلى الاتجاه نفسه، كان هناك ثمة شجرة زيتون عالية انتشر الضوء بين أغصانها، لذلك بدت الأوراق كأنها تتوهج من الداخل، ثمة نسيم كان يكنس الأرضية، شعرت بيد تمس كتفي بخفة، ثم أشار الطفل إلى تجاه الشجرة، فنظرت وإذا بي أرى حشدا من الملائكة يحركون اجنحتهم فوق الأغصان ‘اجعل وجهك نحو الشرق ‘ قال الطفل بنبرة مختلفة عن جرس صوته في اللحظة الماضية؛’ اذهب شرقا، ثم واصل رحلتك، من الأفضل ان تذهب إلى مرسيليا كما ألهمت’. هكذا انتشرت الشائعات، أحداث متشابهة وقعت في كل أنحاء فرنسا. في احد الأيام اخذ احد الأطفال السيف الذي تركه الأب إرثا للعائلة وغادر البيت، في مكان آخر كان أحدهم يلعب في نافورة الحديقة فجأة رمى بلعبته جانبا وذهب دون ان يأخذ شيئا معه، عدا كسرة خبز أعطته إياه الخادمة، وعندما علمت ألام بالأمر وبخته بيد انه لم يكن يصغي إليها معلنا الذهاب إلى مرسيليا. وفي قرية أخرى انسل الأطفال من أسرتهم وخرجوا ليلا ليجتمعوا في ساحة القرية، ثم قرروا ان يرحلوا دون ان يعلموا إلى اين ؟ مرددين في طريقهم بعض الأناشيد. فلما استيقظ الكبار في الصباح وجدوا القرية خالية من الأطفال ما عدا الرضع والذين لم يستطيعوا المشي بعد. أنا نفسي كنت استعد الذهاب إلى مرسيليا بصحبة عدد من المريدين، أراد والداي منعي متوسلين بي والدموع تملأ عيونهما ان أتراجع عن خطتي، غير ان تابعي كانوا فارغي الصبر مع هكذا نقص في الإيمان فاجبروا والدي على العودة دون اصطحابي. كان عدد اتباعي ما يقارب المائة، بينما بلغ عدد الأطفال في فرنسا وألمانيا بضعة آلاف اذا أحصينا ذلك على انفراد في هذه الحملة وحدها. كانت الرحلة شاقة، لم نكن نمضي سوى نصف يوم حتى سقط الضعاف منا والأصغر سنا في الطريق، دفناهم ونحبنا عليهم تاركين صلبانا من الخشب على قبورهم. مجموعة أخرى مكونة من مائة طفل ضلوا الطريق غير عالمين بان الموت الأسود كان يتفشى في المكان، ثم ماتوا حتى آخرهم. احد أعضاء مجموعتنا كانت فتاة ظلت تهذي من الإرهاق، فرمت نفسها من احد المنحدرات الصخرية الشاهقة. من الغرابة ان هولاء الأطفال حينما كانوا يلفظون أنفاسهم كانت تغشي عيونهم رؤية الأرض المقدسة، انني على يقين ليست على شاكلة اقفرار الأرض المقدسة هذه الأيام. بل ارض خصبة حيث زنابق الماء تزهر بوفرة وتجري فيها سهول من الحليب والعسل .. ربما انك تتساءل كيف تسنى لنا معرفة ذلك ؟ ولكن بعضهم وصف رؤيته أثناء موته وحتى عندما لم يصفوا ذلك كانت وجوههم تبدو مفعمة بالوجد والنشوة، كأنهم بمواجهة حقل واسع من الضوء. حسنا: لقد وصلنا مرسيليا، عشرات من الأولاد والبنات كانوا قبلنا يجلسون عند الشاطئ بلهفة على أمل بان مياه البحر ستنشق، وأينما رميت بصرك سيصطدم بوجوه الأطفال المفعمة بالتوقعات. كان عددنا قد تقلص إلى الثلث، ذهبنا إلى اسفل الميناء، هناك بين صفوف الصواري كان البحارة يتطلعون إلينا بفضول، وصلنا رصيف الميناء، صلينا، استغرقنا بالصلاة لوقت طويل، كان البحر طافحا بالمياه أبدا والأمواج تضرب الشاطئ دون مبالاة، لكننا لم نشعر باليأس، من الأكيد بان السيد كان بالانتظار حتى اكتمال عددنا. اقترب منا رجل ورع ليقدم لنا الصدقات وبعدها عرض علينا بتردد ان يصطحبنا بسفينته الخاصة إلى الأرض المقدسة. نصف عددنا عارض الفكرة كارها الذهاب معه، النصف الآخر بضمنهم أنا قبلنا الفكرة وصعدنا السفينة بجرأة. لم تذهب السفينة إلى الأرض المقدسة ولكنها أبحرت إلى الجنوب، حتى وصلنا ميناء الإسكندرية، هناك كل واحد منا قد بيع في سوق العبيد. صمت هنري لبعض الوقت كأنه يستعيد ذكرياته. في أعلى السماء كان غروبا رائعا لشمس أواخر الصيف قد بدأ ينتشر، الغيوم الاسقمرية بدت بلون الأرجوان كلها، وثمة غيوم ترامت على شكل أشرطة حمر وصفر مسحوبة عبر السماء، وبعيدا عن البحر كانت السماء كأنها أتون يتقد باللهب. ظل مثبّتا عينيه حول البريق المتوهج لمياه البحر، مسترجعا وجوه بعض الناس الذين عاش بينهم، بإمكانه ان يرى الرعاة الصبيان وهم يشمرون أروابهم الخشنة عن أكتافهم فتظهر حلم صدورهم الفتية الوردية الجميلة، الرفاق الذين قتلوا او ماتوا، كانوا برؤوس عارية وشعورهم شقراء كخوذ من نار، حتى الأحياء منهم تشتتوا في أصقاع الأرض، ولم يصادف هنري على امتداد حياته الطويلة أحدا منهم، وفي النهاية حتى القدس التي طالما حلم بها بدا من المستحيل عليه زيارتها. صار هنري عبدا لتاجر من بلاد فارس ثم بيع مرة أخرى ليذهب إلى الهند، هناك سمع إشاعة بان احد أحفاد جنكيز خان (باتوا) أغار على أوروبا فصار ينتحب لتعرض بلده للخطر. في تلك الأيام كان معلم زن دايوكو يدرّس البوذية في الهند وعبر سلسلة مصادفات الحياة عتق هنري بمساعدة دايوكو وبسبب شعوره بالعرفان قرر هنري ان يقوم بخدمة المعلم ما تبقى له من العمر. سافر معه إلى وطنه الأصلي ثم سمع بان لمعلم يعتزم السفر إلى اليابان فلم يتردد بالسؤال لمصاحبته. كان هنري يعيش في حالة سلام مع نفسه، وهم العودة إلى الوطن تخلى عنه منذ زمن بعيد. لقد وطن نفسه ان يريح عظامه في اليابان، فأمسى تابعا مخلصا للمعلم، والان ليس بإمكانه ان ينغمس بمشاعر فنتازية كالرغبة في حياة أخرى بعد الموت، أو التوق إلى ارض غير مرئية. لوّن الغروب سماء الصيف، كان البحر يتألق بأشرطة قرمزية، تحركت ساقاه بطريقة عفوية تجاه معبد شيجوجاتيك، انه يرغب في تأمل الغروب وانعكاس الأمواج. تملكته رغبة في تذكر الأشياء الرائعة التي حدثت له حينما كان في مقتبل العمر. شيء آخر رغب باستعادته .. المعجزة التي وقعت، التوق للمجهول، القوة الغامضة التي ساقته إلى مرسيليا، وفي النهاية ودّ أن يفكر في البحر، فكّر أيضا في صلاته على رصيف مرسيليا هو والأطفال وبالرغم من ان المياه لم تنشق فانها ظلت تبعث بأمواجها الهادئة. لا يتذكر هنري متى فقد إيمانه إلا انه بمقدوره ان يتذكر شيء ما بوضوح، هو غرابة البحر واندفاع أمواجه، وعلى أيّ حال بدا الواقع اكثر غموضا من رؤية معجزة ،غموض الالتقاء بين تفكير الطفولة التي لم تر شيئا غريبا برؤية المسيح والشمس الغاربة فوق المياه التي تمنعت عن الانشقاق. ساد الصمت الآن، رجل المعبد وقف هناك بينما الضوء يتألق حول شعره المبيض، ناشرا بقعا زرقا من اللون القرمزي في لا زورد عينيه، شمس أواخر الصيف أخذت بالنزول وراء الشاطئ واصطبغت الأشياء المحيطة بالبحر بحمرة قانية، ها هو هنري يتذكر الماضي مرة أخرى لكنه ليس لديه رغبة في العودة؛ سفين، الخراف، أناس بلده، كل هذه المشاهد توارت من مدى رؤيته، كل على حدة أو كلها دفعة واحدة حينما واصلت الأمواج اندفاعها دون ان تنشق المياه، ظل مستغرقا في افكاره بينما عيناه تتأمل غروب الشمس بتدرجات ألوانها المتغيرة من لحظة إلى أخرى وهي تلملم نفسها شيئا فشيئا لتنطفئ كرماد. انغمرت أشجار ونباتات هضبة شوجوجاتيك في الظلال، فظهرت بوضوح عروق الأشجار والعقد المنتشرة على اللحاء، كذلك غرقت أبنية المعبد في الغروب. زحفت الظلال فوق قدمي هنري بينما استنزفت السماء من فوقه من قبل ظلمة الأزرق الرمادي، اللون الذهبي ما زال يلتمع بعيدا عن الشاطئ إلا انه حوصر من قبل الظلمة فأمسى خيطا نحيلا من الذهب المختلط باللون القرمزي. تردد رنين ناقوس المعبد في أعلى الهضبة معلنا انقضاء النهار، تريث هنري في مكانه، الرنين انبعث على شكل موجات فبدا كذبذبات تستيقظ في العتمة، لتنتشر في جميع الاتجاهات. الدقات المتأرجحة لم تكن تعلن الوقت بل كأنها تذيبه لتحمله بعيدا إلى الأبدية. ظل هنري يستمع بينما عيناه مغمضتان، ولما فتحهما ثانية وجد نفسه محاطا بالظلمة، كان الشاطئ يشع بألق رمادي خافت، الغروب انتهى، التفت للصبي ليخبره ان موعد عودتهما إلى المعبد قد حان، كان الصبي يقاطع يديه حول ركبتيه مرخيا رأسه فوقهما، انه يغرق في النوم تماما. qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية