البداية والنهاية في القصة المينمالية

حجم الخط
0

بصدد بنية الوضعيات في مجموعة ‘دموع فراشة’:إبراهيم الحجرييخلص الكاتب حميد ركاطة لنوع القصة المسمى ‘قصيرة جدا’، ويعلن أنه لا يجد ذاته إلا هناك ترميزا لا تحصيرا لأن الكاتب لا يمكن، مهما اجتهد، محاصرة مقومات نصه في حدود ما، أو تجهيز قالب مسبق المقاس لأفكاره، أو اختيار النوع حتى، وإلا فإنه لن يصبح كاتبا، بل مهندسا معماريا. فإذا كانت نصوصه، كما يبدو لنا ذلك من خلال هذا المنجز، أو كما يبدو للكاتب، أو كما يخيل لقارئ قليل المعرفة بحدود النص وامتداداته، فإنها على مستوى الحجم الحقيقي من حيث تناسل أفكارها، وامتداد أمكنتها وأزمنتها، يبدو أكبر بكثير من الحجم الفيزيقي الممدد على الورق، غير أن الأساسي هنا هو الاشتغال المتوازي على النص القصصي بين الباث والمتلقي، والاشتراك بينهما معا في تأسيس خطابه ودلالاته. الأول يلمح ويؤشر، ويطلق فلاشات، والثاني يؤسس ويؤول، ويمنح النّصّ حجْمَهُ الحقيقي، ويملأ البياضات. وهذا يعني أن النص القصصي القصير هو نص مختزل، أو كروكي، أو تداعيات مبتورة الأجزاء تحتاج إلى من يمنحها هويتها المفقودة على مستوى التأسيس، ولنقل، بناء على هذا، إن النص القصير هنا مرحلة تجريبية من صيغ متقدمة على مستوى الاشتغال الواعي على النص القصصي بصفة خاصة، والنص السردي بصفة عامة، استجابة لإكراهات عصر السرعة، ومشكلات التلقي، وتحول طبيعة المناشط وتبدل آليات التواصل والقراءة…وإذا ما وضعنا تجربة القاص حميد ركاطة في سياق التجارب المتراكمة؛ منذ بداية التسعينيات بالمغرب، نجد أن صوته يمتاز بخصيصة قلما نجدها لدى جيله من كتاب هذا النوع السردي، وهي الاشتغال الواعي على البداية والنهاية في النص القصصي، فيبدو، أحيانا، بشكل ملحوظ، أن هيكل النص كله يتأسس على مكونين هما ‘بداية النص’ أو الوضعية البدئية position primaire، ثم ‘نهاية النص’ أو الوضعية الختامية position finale، ويتلاشى الفارق بينهما ‘بين النص’، وكلما فصلت بينهما بعض الجزئيات الممهدة أو التفضيلات الموضحة، وإن أتت، فهي مجرد ديكور تهييئي للنهاية المحددة. وإذا كانت البداية، في هذه المجموعة (دموع الفراشة) تهيئ غالبا، للحكاية لحظة استقرار وهدوء وتوازن ‘حالة توازن’ عكس البنية التأسيسية للنص القصصي المبني بداية على ‘حالة نقص’، فإن الوضعية النهائية غالبا ما تكون حالة ‘نقص’، لتنمط هذه الثنائية من المتواليات جل النصوص القصصية الواردة بهذه المجموعة، الشيء الذي جعل خطاب المفارقة طابعا مؤسَّسا للنصوص. ومهما اختلفت مناحي دلالاتها وتوجهاتها وشخوصها وأزمتها وأمكنتها، فإن بنية ‘الحدث ونقيضه’ تظل مؤطرة لنصوص المجموعة، جاعلة منها خطين متقابلين للقيم الإيجابية والقيم السلبية، وما على المتلقي إلا أن يبني هيكل الصراع بالأسلوب الذي يناسب مستواه وطبيعة توقعه من فعل التلقي. ‘فجـــــوة’البدايــة النهاية ‘تحــــول’قيمــة انتفاء القيمةحالة توازن حالة نقصاندحار البطــلإن المقاس الذي اختاره الكاتب مسبقا هو الذي ساعده على الصوغ، وفق هذا الشكل والحجم، وكأنه حدد بشكل قبلي الحلبة، ورسم معالمها؛ ووضع إحداثياتها، وما عليه في الأخير سوى إفراغ المعاني والأفكار والشخوص والأحداث، لقد تغيرت المعاني والأحداث والشخوص وعوالمها بينما بات الصوغ ذاته يتكرر خطابيا. لقد وعى الكاتب حميد ركاطة أهمية المنطلق والمنتهى في بنية النص القصصي، وما يثيرانه من صعوبات جسيمة على مستوى التحكم في عوالم النص. فالبداية الجيدة والنهاية المحكمة هما معيار نجاح النص وجماليته، لأن البداية تستدرج المتلقي أو تنفره، أما الخاتمة، فتترك الأثر والانطباع لدى القارئ بأن ما قرأه جيدا. والأعمال بخواتمها كما يقال. وإذا كانت أغلبية المنجزات القصصية تنهي النص بخاتمة مفتوحة، فإن حميد ركاطة يفضل أن يغلق الأحداث بنفسه، وينهي فرصة التخيل أمام قارئه. البداية تورط المتلقي في النص وتقوده إلى إكمال مغامرة التلقي، ثم تفعل به الخاتمة ما تشاء. وقديما قال أحدهم: ‘إذا أحسست وأنت تكمل كتابا أنك فارقت صديقا حميما، فاعلم أنك قرأت كتابا جيدا’. وبين البداية والنهاية، هناك عمل صغير، وهو وضع القارئ في دوامة المفارقة بين بداية متوازنة ونهاية صادمة تنسف ما توهمه القارئ من خلال مؤشر الوضعية البدئية. وهذا هو الأساس الذي ينطلق منه المنجز القصصي، حيث الغرض هو تشويش اليقينيات في عقل القارئ ودفعه إلى التساؤل وإعادة النظر في البديهيات التي حملها، ويؤمن بها بشكل أعمى، لتلتقي الأطروحة النصية بالأطروحة الدلالية، الأولى تروم الاشتغال على هاجس تجريبي شكلاني، والثانية ترسخ وضعا قائما، وتنتقد بشكل ضمني، ذهنيات قائمة على الزيف والنفاق والاطمئنان الساذج لنتائج الوهم: وذاك ما تعبر عنه تلك العين الدامعة التي أفاضت بسيولها بركة من الحزن، وهو ما تشير إليه أيضا دلالة العنوان، ولو أن الشخوص استبدلت، وفق منظور ساخر، إلى فراشات واهنة لا قدرة ولا حول لها سوى إذراف الدموع والاطمئنان إلى الحزن والألم. وإذا كانت الأطروحة الشكلية تتجلى في التركيز على البداية والنهاية وخلق المفارقة بين حدّيها، فإن الأطروحة الدلالية تجد تجليها الصارخ في اهتزاز نفسية الشخصيات، وانكساراتها، بل ولجوئها إلى الخيانات المخاتلة، لاقتراف لذات شاردة ولو من خلال مباغتة اليومي اللصيق والقوانين الصارمة بقيودها الفتاكة التي تحكم قبضتها على أحلام الشخوص ومطامحهم التي لا تجد ضالتها سوى عبر الأحلام والتخيل والاستيهام. يقول الراوي: ‘ضبطوه يتملى خلسة في مؤخرة العاهرات أثيرت ضده زوبعة كبيرة، فاحتسى المؤامرة في فنجان قهوة مع دخان سجائر مستوردة، وبقايا صور جريدة بدون سكر، وغادر المقهى مسرعا’.وإذا كانت القصص في هذا المنجز قصيرة جدا على مستوى الحجم، والتجلي الناجز لمقولاته المتواردة حشويا، فإن في ثناياها مساحات صارخة لتتأمل الذات وتتساءل وتنتقل من مفارقة إلى أخرى، ومن مسرة إلى حزن، ومن مكان إلى آخر، راسمة بذلك حدود العالم، وحجم الكاراثة التي حلت بالإنسان فيه، وفوضى الانحدار التي عصفت بالقيم الرفيعة، وطوحت بها خارج الحدود. ناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية