البرامج الترفيهية والإنفصام الحاد

حجم الخط
0

كلما سمعت الناس يتحدثون بشغف جم عن برنامج ترفيهي كـ (أرابس غوت تالنت) ، أو برنامج (أراب آيدول) وما شاكلهما من برامج ، أحس بانفصام حاد في العقلية، سبب هذا الإنفصام تحديدا هو ذلك الترف الفكري غير المبرر الذي استشرى وانتشر في وطننا العربي بلا سابقة مسبقة ، فمن المسلّم به تاريخيا ومنطقيا بأن الترف الفكري يغزو الأمم ويدب في أوصالها مباشرة بعد الإنتهاء من صنع حضارتها ، أو لنقل حين تبلغ الحضارة تاريخيا رأس قمتها ، تماما كما حدث تاريخيا في حضارة الإغريق مثلا ، وحضارة الرومان والفرس وبلاد الصين والسند الهند ، وتماما كما حدث مع العرب والمسلمين أنفسهم في أوج حضارتهم أواسط الدولة العباسية ، بعدما تراخت الناس واستغنت ، وصارت تنعم في بسطة العيش والترف ، مع الإنغماس في ألوان الدعة والرخاء ، وذلك تحديدا بعد نهاية عصر الفتوحات والتنعم بخيراتها ، وأكاد أجزم جزما قاطعا بأن هذا الأمر وهو نشوء الترف الفكري بعد استقرار الحضارات ، هو سنة كونية إلهية لم تسلم منها أمة من الأمم ، ولم تشذ عنها حضارة من الحضارات على مر العصور والأزمان ، وهذا ما نراه الآن واقعا محسوسا ملموسا في ظل الحضارة الغربية ، التي أنشأت هذا النوع من البرامج كتحصيل حاصل لتلك السنة الحياتية ، بعد انتهائهم من صنع حضارتهم ووضع لمساتها الأخيرة .
ما يقوم به العرب الآن من تفنن في استنباط وابتكار عشرات البرامج الغنائية والفنية ، وعشرات المسابقات لعروض الأزياء وملكات الجمال ، وما يتبعها من نقاشات وحوارات خاصة بها على شاشات التلفزة المرئية والإذاعات المسموعة ، وغيرها من أساليب الترف الفكري وهم بلا حضارة وبلا مدنية أصلا ، مع تذيلهم قائمة الأمم في عالمنا المعاصر ، ورخص دمائهم وسفاهة أحلامهم وأرواحهم ، فهذا من العجب العجاب الذي لم يسبقنا إليه أحد من بني البشر ، لا قديما ولا حديثا ، مع ظنهم البائس أنهم حين يبنون مسرحا يتيما أو ينشئون أطول سارية علم في العالم فهم بذلك يرومون دخول الحضارات من أوسع أبوابها ، وتسجيل أسمائهم على صفحات التاريخ المتحضر خلال لحظات ، ونسوا بأن صناعة الحضارة ما هو إلا مزيج متداخل من العلم الخالص والفن المتراكب لأجيال يعقبها أجيال ، ولا شك عندي مطلقا بأننا قريبا سنصبح قبلة لشعوب العالم أجمعها في كل ما يتعلق بالترف الفكري وأساليبه ومؤلفاته ونقاشاته لسبب بسيط جدا ، هو أننا برعنا في هذا النوع من الترف ولا حضارة لنا ، فما بالكم إن غدونا غدا من بناة الحضارات كبقية الأمم ؟

معاذ فراج – كاتب من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية