البرامية بلدة لبنانية تحافظ على جمال طبيعتها الخلابة وقصورها التاريخية

عبد معروف
حجم الخط
0

البرامية، بلدة لبنانية تتميز بجمال طبيعتها وأشجارها وقصورها التاريخية وهدوءها ونسمات الهواء العليل، وفي البرامية تتعانق القصور القديمة مع أشجار الصنوبر والأزهار والورود التي تزين شوارعها وساحاتها العامة، لتمنحها جمالا خلابا يجمع جمال الطبيعة وإبداع الإنسان في فن البناء والعمران، تجعل البلدة لوحة جمالية تحاكي فرح الأعياد بالزينة والأنوار.
يجد الكثير من أبناء المنطقة فيها متسعا للمشي صباحا وغروبا في ظل أشجارها الوارفة ونسيمها العليل، ما يعطي انطباعا بالسكينة والهدوء تخلصا من مشاغل الحياة وضغط يومياتها.
تقع بلدة البرامية في قضاء صيدا، محافظة جنوب لبنان وترتفع عن سطح البحر 72 م وتبعد عن العاصمة بيروت 42 كلم وعن مركز مدينة صيدا 4 كلم، وتبلغ مساحة البلدة الإجمالية 550 متراً مربعاً، 45 في المئة منها مساحة خضراء، ومن منتوجاتها: الحمضيات، والزيتون، وماء الزهر والعسل البلدي، يبلغ عدد سكان البرامية 2200 مواطن مسجل على قيودها، وكثير منهم غادروا البلدة إلى الخارج مثل أمريكا وإستراليا وكندا، إبان الحرب الأهلية اللبنانية 1975 والأحداث الدامية التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية.
وتجسد البرامية ببعديها الجغرافي والعمراني نموذجاً للبلدات التي ما زالت تُحافظ على تراثها المعماري الأنيق والمميز، فتجمع بين الطابع القروي والفن المدني في قالب قلّ نظيره حتى أنه يُطلق عليها إسم بلدة «القصور» ففيها الأقدم والأكثر روعةً جمالاً وأناقة، لذلك فإن أراضيها تعتبر الأغلى سعراً في المنطقة، حيث تربض ارتفاعاً على كتف مدينة صيدا لتجمع بين الساحل بمشهده المفتوح على البحر، فضلاً عن أنها تُشكل حلقة وصل بينهما وامتداداً لقرى شرق صيدا لجهة المدخل الشرقي الشمالي للمدينة.

أصل إسم البلدة

وتشير مصادر البلدية أن أصل إسم البلدة جاء نسبة إلى ملكة عاشت فيها منذ عصور قديمة أسمها برامية، وسميت البرامية على إسمها، وتشير مصادر أخرى كما يقول رئيس البلدية جورج سعد، أن إسمها البرامية، لأنها تقع على تلة برية عالية قريبة من مياه البحر، وتشرف على مدينة صيدا والبحر الأبيض المتوسط، لذلك أطلق عليها البرامية.
أما المؤرخ اللبناني سعيد فريحة فوضع عدّة احتمالات لأصل إسم البرامية، الأوّل أن يكون سريانيّا أي مكان الرماة من الجند؛ والثاني معناه الحرفي محلّة الرومان، ويعنون بالمصطلح المعسكر والمخيّم؛ والثالث أن يكون الجزء الثاني في الإسم من جذر برم، وربّما في الفينيقيّة، أي نسيج وثياب ذات ألوان مختلفة زاهية «بريم» على اعتبار احتمال أنّ المكان كان محلّ نسيج وحياكة. على أنّ الأثر الذي وجد في ساحة البراميّة، وهو كناية عن قبر من الرخام يعود إلى العهد الروماني، يجعلنا نميل إلى تفضيل التفسير الثاني للإسم الذي يعني محلّة الرومان.
في بلدة البرامية، ينتصب أعرق القصور تاريخيا وأجملها فنيا في لبنان على الإطلاق، قصر نسيب باشا جنبلاط الذي يعتبر واحدا من أجمل القصور اللبنانية، يملكه نسيب جنبلاط أو نسيب باشا كما كان يعرف آنذاك، وقد بناه جده قبل مئة سنة ونيف. كان يومها نسيب باشا قائمقام جبل لبنان وقد اختار موقعه في البرامية بنفسه ليؤكد على الروابط القوية بين أهل المختارة مسقط رأسه وبين أبناء منطقة صيدا، وقد عهد نسيب باشا إلى نائبه رشيد بك جنبلاط الإشراف على هندسة وبناء القصر الذي أصبح المسكن الشتوي للباشا، في حين بقي قصره في المختارة مسكنه الصيفي، وبين القصرين كان يتابع نشاطه السياسي والإداري آنذاك حيث شهد القصر العديد من اللقاءات المهمة التي لعبت دورا كبيرا في حياة لبنان السياسية.
والدخول إلى قصر نسيب باشا جنبلاط يثير الدهشة والتأمل، فبنيان القصر مزيج متناسق ومتكامل من الفن الإيطالي-الفلورنسي، إلا أن أروع ما في القصر الداخلي القاعة الشرقية أو قاعة الفسيفساء التي تتوسطها بركة من الرخام وعمرها 200 سنة، وقد أتى بها نجيب بك جنبلاط من أحد قصور بلاد الشام وذلك في العام 1936 واستغرق تركيبها في القصر الجنبلاطي 13 عاماً.

المزيج التركي الإيطالي

تبلغ مساحة القصر الداخلية حوالي 1200 متر مربع، وبنيانه مزيج متناسق ومتكامل من الفن الإيطالي-الفلورنسي، وهذا واضح من خلال القناطر المتعددة التي تحيط بالقصر ومن خلال أعمدة الغرانيت التي تملأ جوانبه، فيما تطفو عليه لمسة من رياح الشرق وخاصة المزيج التركي الواضح فوق المداخل مثل الهلال والنجمة وهما يمثلان العلم التركي.
أما حديقة القصر الجنبلاطي، فتعتبر واحدة من أكبر وأجمل الحدائق في لبنان والتي تمتاز إلى جانب العديد من أنواع الأشجار والورود بنوع من شجر النخيل الذي لا مثيل له في لبنان وهذا النوع معروف باسم «النخيل الملوكي» وقد أهداه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى نجيب بك جنبلاط والد نسيب بك، علما أن القصر جنبلاطي نفسه كان في اليوم من الأيام مركزا للقنصلية الفرنسية، وعندما زار الرئيس الفرنسي شارك ديغول لبنان أقام فيه لعدة أيام في دلالة واضحة على الأهمية والفخامة التي يتميز بها.
ومن قصر نسيب باشا إلى قصر جمال بك جنبلاط في بلدة البرامية، له تاريخ عريق من القرن العشرين، قام ببنائه رشيد ومجيد جنبلاط عام 1905 وكان عبارة عن بناءين منفصلين الأول لرشيد والثاني لمجيد، تم دمجهما في قصر واحد بعد أن اشترى رشيد من أخيه المبنى الأول عام 1923 وفيه أكبر شجرة صنوبر في لبنان.
سياسياً، شهِد قصر جمال بك جنبلاط العديد من اللقاءات بين عامي 1939 و1943 لا سيما على الصعيد إنهاء حكم الإنتداب الفرنسي، وكما شهدت قاعات القصر في البرامية العديد من اللقاءات السياسية الساخنة فقد شهدت القاعات ذاتها العديد من المناسبات الحلوة ومنها حفل خطوبة الأمير مجيد إرسلان والأميرة خولة.
وتشهد بلدة البرامية منذ عدة سنوات، بناء مجموعة من القصور الجديدة تعود ملكيتها إلى عائلات صيداوية معروفة، وتمتاز هذه القصور بجمال بنيانها وزخرفتها والحدائق المحيطة بها، وتحرص بلدية البرامية على تحديد قوانين واتباع نموذج بناء موحد ومساحة وجمالية معينة، لتحافظ على رونق هذا الشارع وقصوره، بينما يجد الكثير من أبناء المنطقة فيه متسعا للمشي صباحا وغروبا في ظل أشجاره الوافرة ونسيمه العليل، ما يعطي انطباعا بالسكينة والهدوء تخلصا من مشاغل الحياة وضغط يومياتها.

الطبقات الأرضية
وأنواع الصخور

ويقول الدكتور محمد جمعة أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية «شدتني بلدة البرامية الوادعة والجميلة منذ لجأت إلى مدينة صيدا من بنت جبيل في جنوب لبنان سنة 1978. بيوتها وقصورها التاريخية التي يعود بناء معظمها إلى ما يناهز 400 سنة، وعند مدخل البلدة ترتفع شعلة منحوتة بإزميل النحات البارع جوزف غانم من أبناء البرامية».
ويؤكد الدكتور جمعة، لـ«القدس العربي» أن المغر والفجوات بين الصخور في تلال بلدة البرامية تجعلها مقصدا لمحبي الطبيعة والباحثين في الطبقات الأرضية وأنواع الصخور، لذلك يلاحظ المتجول في أراضي وبساتين البلدة، الصخور الضخمة النارية، وجمال تراصها وصفوفها.
لافتا إلى أن كتب التاريخ ذكرت بلدة البرامية وأهمية موقعها الاستراتيجي بين المناطق المختلفة، مؤكدا أن تاريخ البلدة وما شهدته من أحداث وتطورات ارتبط إلى حد كبير بمحيطها خاصة مدينة صيدا وجبل لبنان.
كما أن التعايش في البلدة بين أبناء الطوائف المتعددة، شكل نموذجا راقيا للوفاق والحياة المشتركة لما فيها الخير والهدوء والاستقرار للجميع.
التقارير التي اطلعت عليها «القدس العربي» في مكتبة بلدية البرامية تؤكد ما قاله الدكتور جمعة، وتشير إلى أن سنوات الحرب اللبنانية وخاصة الحرب الأهلية (1975-1990) استمرت الحياة على طبيعتها بين أبناء الطوائف في البلدة، ولم تشهد البرامية حروبا وصدامات مسلحة بين سكانها، وبقيت خلال العقود الماضية آمنة ومستقرة وتحافظ على العيش المشترك بين اللبنانيين.
إلا أن السنوات الأخيرة التي شهدت انهيارا ماليا واقتصاديا غير مسبوق في تاريخ لبنان المعاصر، كان له الأثر الكبير على التطور التنموي في البرامية، ورغم أن الاحتفالات وإحياء المناسبات الوطنية والدينية بقي مستمرا، إلا أن حالة الانهيار الاقتصادي بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا وانقطاع مادة البنزين وانقطاع الكهرباء أدى إلى تراجع هذا الحراك السياحي الذي كانت تشهده البلدة قبل سنوات، لكن ذلك لم يمنع بلدية البرامية بالتعاون مع سكانها وفعالياتها من المحافظة على نظافتها وتنظيمها وجمال طبيعتها وأشجارها وأزهارها.
وتشهد البلدة أيضا احتفالات سنوية خاصة خلال فصل الصيف في ساحة البلدة تشارك فيها الفرق الفنية وتعرض المنتوجات الزراعية والصناعات الحرفية والملابس الثراثية.
ويشير جورج سعد رئيس بلدية البرامية، أنها قرية أو بلدة تاريخية، تتميز بجمال طبيعتها والهدوء الذي تنعم به ونسمات الهواء العليلة، مضيفا لـ«القدس العربي» القصور في البرامية لها تاريخ عريق، خاصة قصور آل جنبلاط الذين سكنوا البرامية خلال الحكم العثماني سنة 1880.
وتتميز البرامية بكثافة أشجارها وبساتين الليمون والحمضيات المختلفة، كما يؤكد سعد أن البلدية حريصة دائما على العناية بالأشجار العالية والأزهار التي تزيد على البلدة جمالا قل نظيره في لبنان.
لافتا إلى أن البلدة بادرت لتشجير أرصفة الشوارع والساحات وتجميل هذا الشوارع، لإضفاء لمسة بيئية جمالية متواضعة على وجه جميل، ودعم جهود البلدية في العديد من مجالات التنمية ومنها البيئية.
واضاف سعد «لقد قمنا بإنشاء حديقة جمالية عند مدخل البلدة الغربي الجنوبي ورفعنا أكبر علم لبناني، بعدما زرعنا الورود وفرشنا الأرض بالعشب الأخضر وعلقنا الأضواء، وخطتنا في المرحلة المقبلة ان نجمل كافة مداخل البلدة وخاصة تلك المترابطة، حيث بدأنا بزراعة الأشجار ولدينا مشروع بامكانية طلاء المنازل من الخارج كي نوحد منظرها».
البرامية فيها الكثير من المعالم والميزات المدهشة، كما أن توالي الحروب وحالة الانهيار العام التي تصيب البلاد خاصة خلال السنوات الماضية، لم تعرقل الاحتفالات والنشاطات والبرامج التنموية والسياحية ولم تعرقل المهرجانات الفنية والاجتماعية التي تشهدها البلدة خلال المناسبات الرسمية والدينية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية