هرعت منال مسرعة الى داخل الصف على غير عادتها الهادئة وهي تتمتم غاضبة باللهجة اللبنانية الدارجة بصوت مسموع للجميع: ‘ الله يقصف عمرو شو بلا ذوق، ختيار وعامل حالو شَبْ … الله يلعنو الف مرّة.’ صفّق لكلامها الجميع مرددين: ‘معك حق’. شُدهت للوهلة الاولى وطلبت من الصبايا وزميلهم الوحيد سيمون ان يعودوا الى هدوئهم لمتابعة بحث نقاط الدرس، ولكنهم أصرّوا مهذّبين الى شرح ما حصل لبعضهنّ ذلك الصباح ّ وتبرير سلوك منال غير العادي. رحّبت بذلك طالبا من الطالبة منال توضيح الامر، فانبسطت اساريرها وبانت على محيّاها الشامخ ابتسامة مضيئة، وقالت: ‘ لبّيت وزميلات لي في هذا الصف وسواهنّ في الكلية دعوة احدى الخلايا الطالبية الحزبية للتعرّف على زعيمهم، من قبيل الفضول والمعرفة. استقبلنا على مدخل اقامته الشبيهة بالقلعة رجال مسلّحون ووجّهونا الى قاعة تتسع الى أكثر من مائتي جالس. ناهز عدد الحضور الخمسين طالبا وطالبة من كليات وجامعات لبنانية عديدة. بعد انتظار طال حوالي الساعة، دخل فجأة من باب خلفي على المنبر ‘الزعيم’، فتوقفت الهمهمات والوشوشات وبدأ التصفيق وقوفا، يقابله يدان مرفوعتان على المنبر بين مرافقين شابين مسلّحين. عادت السكينة الى القاعة، وبدأ ‘الزعيم’ خطابا كلّه توجيهات وتوجّهات حزبية ضيّقة، ضيّقت علينا الانفاس وانهكت الاعصاب، الى أن طلب من الحضور ان لا يصدّقون ما يقوله لهم آباؤهم وامهاتهم الهرمون حول أمور مستقبلهم ومستقبل الوطن، بل أن يستمعوا الى نصائحه هو فقط، لانها ترسم لهم خطاهم السديدة من اجل مستقبل واعد أفضل’. توقفت هنا منال عن الكلام، وتنفّست عميقا، ثم تابعت: ‘عندما ذكر ذلك أحسست باهانته الشخصية لوعي الاهل، فوقفت في مكاني رافعة يدي ومقاطعة كلامه بالسؤال: هل يمكن ان تقول لي كم هو عمرك؟ فقابل سؤالي بابتسامة عابرة وتابع خطابه. لكنني أصرّيت على الجواب مع تصفيق قلّة من الحاضرين. فقال انه في اواخر العقد الثامن. فرددت عليه ان والدي ليس هرما وهو في عمر الخمسين. ثم خرجت من القاعة غير آبهة لما قد تكون ردّة فعله’. كرر زملاء الصف التصفيق تقديرا لجرأتها وعنفوانها. خالجني شعور بالفرح والامل انه لن يكون بمقدور امراء الحرب الاهلية اللبنانية تضليل هذا الجيل الواعي من جديد، وانهم الى زوال قريب. ان حضورهم ووجودهم في المجتمع اللبناني المعاصر شبيه بوجود المحارم الصحية للعادة الشهرية في المحفظة المفتوحة عن قصد، على احد مقاعد المقهى، لتلك العجوز الهرمة المتصابية والشمطاء التي كانت ترمق الشبان الجالسين والعابرين. لا بل ان الافواط الصحية يمكن استعمالها من احدى قريبات هذه المرأة العجوز، امّا هؤلاء ‘الزعماء الهرمون’ فلن يصلحوا لشيء بعد الان رغم تصابيهم على الاقتتال والقتل والتسلّط والاستبداد من جديد. ان هذا الجيل من الطلبة هم وهنّ اكثر وعيا واستقلالية من كثير من اساتذتهم – أطباء كانوا ام مهندسين ام محامين ام اكاديميين – الذين ينضوون عن جهل وضعف وتزلّف وتملّق، تحت شعارات واصطفافات حزبية وطائفية ضيقة ومتزمتة. لقد اهان هؤلاء الذين يدّعون انهم ‘نخبة وانتلجنسيا’ لبنان، المفهوم النقابي الملتزم وتشتتوا هباء في كهوف امراء الحرب الاهلية والقبائلية والعشائرية المقيتة. وما يبعث الى الاطمئنان هو أن هناك في الكليات اللبنانية، الخاصة والعامة، كثيرات من امثال الطالبة منال، وسيلعبن دورا واعدا في التطوير المجتعي الصاعد والمتقدم.سعد نسيب عطاالله لبنان[email protected]