محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: اختارت لجنة برلمانية لتقصي الحقائق الابتعاد عن تحديد المسؤوليات في تقريرها حول اقامة وتفكيك مخيم احتجاجي اسفر عن مواجهات دموية شهدتها مدينة العيون كبرى الحواضر الصحراوية واثارت ردود فعل داخل المغرب وخارجه. وشرع مجلس النواب المغربي امس الخميس في مناقشة تقرير اللجنة النيابية لتقصي الحقائق حول أحداث مخيم إكديم إيزيك ومدينة العيون الذي تضمن عرضا حول الأحداث التي وقعت بضواحي مدينة العيون وأطرافها يوم الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي 2010، والتي شكلت ‘ظاهرة غير مسبوقة’ حسب ما ورد في التقرير.
ويشكل التقرير المكون من 66 صفحة خلاصة جلسات ماراطونية استمعت خلالها إلى 122 من الشهود على الصعيد المركزي بينهم وزراء الداخلية والخارجية والاتصال في الحكومة المغربية، ومسؤولون محليون في العيون إضافة إلى تجميع الوثائق والمعلومات الضرورية لعملها حيث جمعت 60 ساعة من التسجيلات. واقام محتجون من السكان الاصليين لمدينة العيون في منطقة اكديم ايزيك على بعد 18 كلم شرق المدينة مخيما اطلقوا عليه اسم مخيم الكرامة للمطالبة بالسكن والشغل لكن المخيم توسع ليصبح عدد خيامه اكثر من 2500 خيمة. واتهمت السلطات صحراويين مؤيدين لجبهة البوليزاريو التي تسعى لفصل الصحراء عن المغرب واقامة دولة مستقلة عليها باستغلال الاحتجاج والسيطرة على المغرب وهو ما دفع السلطات الى القيام بتفكيكه من خلال حشد مئات من رجال الامن الذين كان تسليحهم يقتصر على خراطيم المياه وواقيات من الحجارة.
واثارت اشاعات بقتل العشرات من المواطنين رافقت عملية التفكيك الى احتجاجات سكان المدينة ومواجهات مع رجال الامن وخلقت عملية التفكيك ردود فعل محلية ودولية واتخذ البرلمان الاوروبي والبرلمان الاسباني توصيات ضد المغرب وحملت السلطات المغربية الصحافة الاسبانية والحزب الشعبي الاسباني مسؤولية تلك القرارات.
وعلت في الاوساط المغربية اسئلة حول الخسائر التي تعرض لها المغرب على الصعيد الاعلامي والدبلوماسي رغم السلوك الحضاري والانساني لرجال الامن الذين كان جل الضحايا من صفوفهم.
وتبادل مسؤولون محليون واحزاب اتهامات حول اقامة المخيم وتوسعته وردود الفعل على تفكيكه وهو ما دعا مجلس النواب نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي الى تشكيل لجنة تقصّ ٍ مكونة من ممثلين عن كل الفرق البرلمانية برئاسة رشيد الطالب العلمي من حزب الحركة الشعبية. وسبق بداية عمل اللجنة تبادل علني للاتهامات بين حزب الاستقلال الحزب الرئيسي بالحكومة وحزب الاصالة والمعاصرة القريب من القصر على خلفية المواجهات بين حمدي ولد الرشيد احد قياديي حزب الاستقلال رئيس المجلس البلدي والوالي (المحافظ) محمد جلموس المقرب من حزب الاصالة والمعاصرة. وتردد ان خلافات دبت في صفوف اللجنة قبل ان يصاغ بشكل نهائي ويقدَّم لمجلس النواب وان ممثلي حزب العدالة والتنمية الذين حملوا حزب الاصالة والمعاصرة مسؤولية المخيم وتداعيات تفكيكه هددوا بالانسحاب بعد ملاحظتهم محاولات لعدم تحديد المسؤولية.
وهدّد لحسن الداودي، رئيس فريق العدالة والتنمية، بالطعن في نتائج اللجنة إذا لم تحدد المسؤوليات السياسية لكل طرف عن تلك الأحداث التي راح ضحيتها 13 قتيلا من المواطنين، أغلبهم من رجال الأمن والدرك. ونقلت صحيفة التجديد المقربة من الحزب عن الداودي إن تحديد المسؤوليات أمر ضروري في عمل اللجنة، التي تشكلت أصلا من أجل تحديد المسؤوليات فيما وقع، ومن واجبها أن تفعل ذلك بكل موضوعية ودقة، مشددا على أنه ”إذا لم تقم بواجبها سنطعن في النتائج، ولن نقبلها بتاتا”. واستعرض تقرير اللجنة الذي قدم امس الأول الاربعاء في جلسة عمومية لمجلس النواب كرونولوجيا الأحداث وقراءة في مضمونها وعناصر المفارقة التي طبعتها، والتوصيات التي خلصت إليها اللجنة النيابية لتقصي الحقائق حول هذه الأحداث وخلص إلى أن الأحداث الأليمة التي كان مخيم ‘اكديم إيزيك’ ومدينة العيون مسرحا لها، والتي كانت لها انعكاسات مؤلمة داخليا، تم استغلالها في أبشع صورة لدى بعض الجهات خارجيا.
ودعت لجنة تقصي الحقائق البرلمانية في أحداث مخيم ‘إكديم إيزيك’ ومدينة العيون لفتح تحقيق لمعرفة أسباب السماح باستمرار توسع المخيم، كما دعت لفتح تحقيق فيما سمّته بـ’خروقات في مجالات السكن وتدبير الأملاك وامتيازات الصيد البحري وجميع المواد الاستهلاكية المدعمة من قبل الدولة، وذلك لتحديد المسؤوليات’. وقال التقرير الذي بثت وكالة الانباء المغربية الرسمية بعضا من فقراته إن ‘إقامة المخيم بشكل عشوائي عمل مخالف لمقتضيات القوانين الجاري العمل بها، والسماح باستمرار توسع المخيم لمدة شهر كامل هو خطأ إداري واجتماعي وسياسي، يتعين التحقيق فيه لمعرفة المسؤوليات’، فيما يمكن اعتباره تحميل المسؤولية للسلطات المحلية والمنتخبين. وذكر التقرير، الذي قدمه أمام مجلس النواب في جلسة عمومية مقرر اللجنة أحمد الزايدي أن ‘ لجوء جزء من ساكنة مدينة العيون إلى أسلوب الاحتجاج السلمي عن طريق المخيمات كان في منطلقه بريئا وبأهداف اجتماعية صرفة’ غير أن هذه ‘المطالب المشروعة والسلمية سرعان ما تم الالتفاف عليها، في صفقة مخطط لها بين مجرمين وذوي سوابق ومجموعة من الإرهابيين ذات توجه انفصالي مدعومة من قبل الجزائر، لتحويلها إلى حدث يستهدف وحدة المغرب وزعزعة استقراره’. وعبرت اللجنة عن رفضها لأي استغلال سياسي من أي جهة للمخيم على حساب قضية مقدسة كالوحدة الترابية المغربية، و’الالتفاف على مطالب اجتماعية لحساب أجندة سياسية خارجية هدفها التفجير العنيف في اتجاه التدويل، ما يوضح التوظيف الواضح لحقوق الإنسان في قضية أساسها معاكسة الجزائر للمغرب في وحدته الترابية’. وثمنت اللجنة ‘عدم استعمال الذخيرة الحية في تفكيك مخيم إكديم إيزيك حفاظا على أرواح المدنيين’ ونددت بـ’الأساليب الوحشية من قتل وذبح وتمثيل حقير بجثث الضحايا وتطالب بأن تأخذ العدالة مجراها عقابا للجناة ‘ وأنها ‘تأكدت من عدم حدوث أية وفيات خارج ما أعلن عنه رسميا ‘. وأشار التقرير الذي قدمه احمد الزايدي رئيس الفريق الاشتراكي بالبرلمان ومقرر اللجنة إلى أن عدد الجرحى بلغ 238 جريحا في صفوف القوات العمومية منهم 134 في صفوف الدرك الملكي و56 من أفراد القوات المساعدة و26 من أفراد قوات الأمن الوطني و10 أفراد من الوقاية المدنية وبلغ عدد الجرحى في صفوف المدنيين 112 جريحا، وغادر كل الجرحى والمصابين المستشفى باستثناء شخص واحد.
وقال التقرير ان عدد الأشخاص الذين قدموا للمحاكمة، هم 185 متابعا، 19 منهم أحيلوا على القضاء العسكري للاختصاص، و15 تم حفظ المتابعة في حقهم وإطلاق سراحهم، وأحيل شخص واحد على قاضي الأحداث فيما تمت متابعة 32 شخصا أمام محكمة الاستئناف بالعيون في حالة اعتقال و14 شخصا آخر أمام ابتدائية العيون في حالة سراح، كما تم فتح تحقيق بخصوص التجاوزات التي تكون قد حصلت. وسجلت اللجنة الإفرازات الدبلوماسية للمواجهات وقالت ‘بكل أسف تسرع بعض الأوساط في اتخاذ قرارات جائرة في حق المغرب دون الاطلاع حتى على المعطيات الحقيقية’ ونددت بالأسلوب اللاأخلاقي واللامهني الذي نهجته بعض وسائل الإعلام وخاصة الإسبانية باستعمال أساليب التحريف.
ودعت مختلف الأطراف السياسية في المشهد الحزبي المغربي إلى إعادة النظر في تأطيرها للمواطنين في العيون، مؤكدة في نفس الوقت خطورة توظيف النعرات القبلية لأنها تؤجج الفتن وتعصف بقيم المواطنة، موضحة حالة من محدودية التأطير السياسي والحزبي بما لا يتلاءم وحاجيات وخصوصيات المنطقة.
وسجلت اللجنة حدوث تجاوزات وصفتها بأنها ‘محدودة أثناء عمليات البحث والمداهمة في ملاحقة المشتبه في تورطهم في الأعمال التخريبية في العيون’. ووجهت اللجنة انتقادا ضمنيا لوزارة الاتصال، حين دعتها إلى احترام الحق في حرية التعبير والحق في الوصول إلى الخبر وسجل ‘ضرورة الاعتراف بقصور إعلامنا بمناسبة هذه الأحداث وغيرها ‘، مشيرا الى ثلاثة أمثلة تبين ما يعتبره اخلالات غير مقبولة أبرزها التعاطي المناسباتي مع الأحداث واجتراره لنفس الخطاب ثم التعاطي من موقع المدافع حيث أثبتت أحداث العيون بأن إعلامنا ليس إعلاما استباقيا.
ولاحظ التقرير أنه فيما المغرب حقق مكتسبات هامة في مجال الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ‘ما يزال إعلامنا يجتر الهاجس الأمني الذي تحكم فيه لسنوات عديدة خاصة في ما يرجع الى القضية الوطنية’. وسجل ‘تغييب النقاش السياسي إذ بقدر أن ما تحقق من إنجازات ومكاسب في الاقاليم الجنوبية مبهر واستثنائي بقدر ما أن تثمينه من جانب الإعلام الوطني لم يكن على النحو الذي ينفذ الى عمق الاشياء.’