بغداد ـ «القدس العربي»: صوّت مجلس النواب العراقي، أمس الأحد، على قرار يقضي بإلزام الحكومة إنهاء عمل القوات الأجنبية المتواجدة في العراق، ضمن التحالف الدولية، برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، لقتال تنظيم «الدولة الإسلامية»، على خلفية اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس الجمعة الماضية.
الجلسة التي عُقدت برئاسة محمد الحلبوسي، وحضور رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، شهدت حضور 170 نائباً (أكثر من نصف +1)، من مجموع 329 نائباً، بغياب القوى السياسية الكردية، وأغلب النواب السنّة، بسبب اعتراضهم على خروج القوات الأمريكية من الأراضي العراقية.
عبد المهدي تلا على النواب رسالة بشأن تمثل وجهة نظر الحكومة بشأن تواجد القوات الأجنبية، بالإضافة إلى استعراض الاتفاقية الاستراتيجية، والأخرى الأمنية، الموقعة من قبل الحكومات السابقة بين بغداد وواشنطن، لكنه عبّر بوضوح عن رغبته في إخراج قوات التحالف من العراق، معتبراً أن الوضع الأمني أفضل من السابق، كما أن الانتهاكات الأمريكية للسيادة العراقية تقضي بذلك.
وقال إن «خروج القوات الأمريكية من العراق سيكون من مصلحة العراق والولايات المتحدة، بعد التطورات الأخيرة، وذلك بغية السعي لإبقاء علاقات صداقة بين الطرفين، ومنع العراق من أن يكون ساحة لصراع أو حرب».
وتابع: «أنا كنت على موعد مع قائد فيلق القدس قاسم سليماني قبل اغتياله، والضربة التي نفذت بالقرب من مطار بغداد الدولي والتي اغتيل من خلالها المهندس وسليماني، أضافت تعقيدات على المشهد العراقي».
«تراجع الثقة»
وبين أن «مع خروج الولايات المتحدة في نيسان/ إبريل 2018 من الاتفاق النووي مع ايران، ازدادت حدة التوتر بين الطرفين، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 أي بعد 10 أيام من تشكيل الحكومة العراقية، بدأت الحزمة الأولى من العقوبات على ايران».
وأضاف أن «الحكومة العراقية أعلنت أنها ليست جزءا من منظومة العقوبات، كما أنها ليست جزءا من أي منظومة معادية للولايات المتحدة أو غيرها من دول صديقة»، مشيراً إلى أن «بدأنا نشعر بتراجع الثقة بيننا وبين الطرف الأمريكي مادمنا خارج منظومة العقوبات ضد إيران، ولا نوافقها على العديد من سياساتها داخل العراق».
وأوضح، أن «الطائرات الأمريكية، أخذت تجوب أجواء بغداد، دون إذن من الحكومة، وبدأت الأخيرة تتلقى طلبات باستقدام المزيد من الجنود الأمريكان، لحماية القواعد، والسفارة الأمريكية، وبدخول مناطق الحظر الجوي، وتزويد الجانب الأمريكي بالترددات والإشارات الجوية، وهو الأمر الذي رفضت الحكومة العراقية إعطاء الموافقات عليه».
وزاد «محددات وجود القوات الأمريكية في العراق هي محاربة داعش وتقديم الدعم للجيش العراقي، ولم يحدد أي مهام اخرى».
وكان الأمين العام لحركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، قد اعتبر أن «لا قيمة لجلسات البرلمان في حال عدم إصداره القرار المطلوب أمام الاعتداءات الأمريكية.
وقال المكتب الإعلامي للخزعلي في بيان مقتضب،: «إذا لم يصدر مجلس النواب القرار المطلوب أمام الانتهاكات والاعتداءات الأمريكية على السيادة والأرواح العراقية فلا قيمة لأي جلسات أو قرارات أخرى لهذا المجلس».
كذلك، استبق رئيس كتلة «صادقون» النيابية التابعة لـحركة «عصائب أهل الحق»، نعيم العبودي، الجلسة بالقول إن «جلسة مجلس النواب ستكون تاريخية وكاشفة للموقف الوطني الذي يحتاجه البلد في هذه الظروف العصيبة»، داعيا «جميع أعضاء مجلس النواب إلى الحضور ومؤازرة شعبهم».
سنياً، أكد النائب عن محافظة نينوى أحمد الجربا، في مداخلة مثّلت وجهة نظر «السنة» بشأن قرار إخراج القوات الأمريكية من العراق، أنه سيتم التصويت على إخراج القوات الأمريكية وفاءً لدين الشهداء في أعناقنا، لكنه اشترط ذلك بـ«ضمانات».
الصدر وضع 8 شروط للثأر… والسنّة طلبوا ضمانات… والأكراد رافضون
وقال خلال جلسة مجلس النواب: «يجب أن تكون هناك ضمانات من أجل التوقيع على قرار إخراج القوات الأمريكية من البلاد».
وأضاف أن «من ضمن الضمانات إخراج الجماعات المسلحة من المحافظات السنية واستبدالها بقطعات عسكرية»، بالإضافة إلى مطالبته القائد العام للقوات المسلحة/ رئيس الوزراء، بـ«تبيان مدى قابلية القوات الأمنية العراقية على حفظ الأمن» في المناطق السنية مقابل التصويت.
وأوضح: «مدينون لدماء الشهداء من أبناء محافظات الوسط والجنوب التي سالت في محافظاتنا، وندين لفتوى السيد السيستاني في عام 2014».
وأكد أن «سيتم التصويت على مشروع قانون إخراج القوات الأمريكية من البلاد وفاءً لدين الشهداء في أعناقنا».
«صورة مذلة»
في الأثناء، انعقاد الجلسة، وردت رسالة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي يتزعم تحالف «سائرون»، إلى النائب عن التحالف أحمد الطرفي، تتضمن «اشتراطات « الصدر قبل التصويت على القرار البرلماني.
وطلب الطرفي مداخلة تلا فيها رسالة الصدر التي جاء فيها: «إلغاء الاتفاقية الأمنية فوراً وعدم الالتزام ببنودها المجحفة والمذلة، وغلق سفارة الشر الأمريكية في العراق فوراً»، مضيفاً: «غلق القواعد الأمريكية وطردها بصورة مذلة، وتجريم التواصل مع الحكومة الأمريكية والمعاقبة عليه».
وتابع: «إسناد الجيش العراقي والقوات الأمنية بالمقاومة الوطنية المنضبطة لحماية سيادة العراق وحدوده وسمائه».
وأردف: «حماية السفارات الأخرى في العراق، ومقاطعة المنتجات الأمريكية في العراق بل أشمل من ذلك»، داعياً «الفصائل العراقية المقاومة بالخصوص والفصائل خارج العراق إلى اجتماع فوري لإعلان عن تشكيل (أفواج المقاومة الدولية)»، مشدداً: «إذا لم يقم البرلمان بذلك فلنا تصرف أكبر».
عقب ذلك، طلب الحلبوسي من النواب التصويت على القرار البرلماني المتضمن: «إلزام الحكومة العراقية بإلغاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش والعمل على إنهاء تواجد أي قوات أجنبية في الأراضي ومنعها من استخدام الأجواء العراقية لأي سبب كان وتقديم شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد أمريكا، وحصر السلاح بيد الدولة»، فضلاً عن «إلزام الحكومة بكشف نتائج التحقيق بشأن استهداف المهندس وسليماني خلال سبعة أيام».
وصوت الحاضرون على القرار البرلماني، قبل أن يرفع الحلبوسي الجلسة إلى السبت المقبل، لكن الصدر قال في «تغريدة» له، فور انتهاء الجلسة: «ما وردني من نقاط يجب التصويت عليها في البرلمان بما يخص التواجد الأمريكي في العراق، اعتبره رداً هزيلاً لا يفي أمام الانتهاك الأمريكي للسيادة العراقية والتصعيد الإقليمي وإعلانه العداء للدين والمذهب».
في الموازاة، أعلن «التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم «الدولة»، أمس الأحد، وقف مهام التدريب والدعم للقوات العراقية بسبب تكرار الهجمات الصاروخية على قواعد تضم قوات للتحالف.
وأضاف في بيان أن «أولويتنا القصوى هي حماية كل جنود التحالف الملتزمين بمهمة هزيمة داعش. الهجمات الصاروخية المتكررة على مدى الشهرين الماضيين من كتائب حزب الله تسببت في مقتل أفراد من قوات الأمن العراقية ومدني أمريكي».
وتابع البيان: «نتيجة لذلك نحن ملتزمون بالكامل بحماية القواعد العراقية التي تستضيف قوات التحالف. لقد حد هذا من قدرتنا على القيام بمهام التدريب مع الشركاء ودعم عملياتهم ضد داعش، ولذلك أوقفنا تلك الأنشطة والأمر قيد المراجعة المستمرة».
وضمن الإجراءات الحكومية بشأن استهداف سليماني والمهندس، بالإضافة إلى حادثة القائم التي قُتل وجرح فيها أكثر من 75 من كتائب «حزب الله ـ العراق» المنضوية في «الحشد»، استدعت وزارة الخارجيّة العراقية، أمس الأحد، سفير الولايات المتحدة الأمريكيّة لدى بغداد ماثيو تولر، معتبرة هذه العمليّات العسكرية «إعتداءً وعملاً مُداناً».
وقالت وزارة الخارجيّة في بيان، إنها «استدعت سفير الولايات المتحدة الأمريكيّة لدى بغداد ماثيو تولر، الذي التقى الوكيل الأقدم لوزارة الخارجية عبد الكريم هاشم مصطفى، على خلفيّة الضربات الجوّية التي تعرَّضت لها القطعات العراقيّة في القائم، وما أسفر عنها من سُقُوط ضحايا بين شهيد وجريح، وكذا الضربة الجوّية التي استهدفت قيادات عسكرية عراقية وصديقة رفيعة المستوى مع مرافقيهم في الأراضي العراقية، والتي نتج عنها استشهاد نائب رئيس هيئة الحشد الشعبيّ الشهيد جمال جعفر محمد (أبو مهدي المهندس)، مع ثلة من الشهداء من القيادات العراقية والصديقة».
وأكّد الوكيل الأقدم، حسب البيان، على «إدانة العراق لهذا العمل الذي يُمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق ولجميع الأعراف والقوانين الدوليّة التي تنظم العلاقات بين الدول، ومنع استخدام أراضيها في تنفيذ اعتداءات على دول الجوار».
كما شدّد على أنّ «ما حدث من اعتداءات يُخالِف ما تمّ الاتفاق عليه من مهامّ للتحالف الدوليّ الذي ينحصر بمُحاربة تنظيم داعش الإرهابيّ وتدريب القوات الأمنيّة العراقيّة، بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وإشرافها».
واعتبرت وزارة الخارجيّة هذه العمليّات العسكرية التي وصفتها أنها «غير المشروعة» التي نفذتها الولايات المتحدة «إعتداءً وعملاً مُداناً يتسبّب في تصعيد التوتر بالمنطقة في الوقت الذي ينبغي أن تتعاون الإدارة الأمريكية مع العراق في خفض التوتر الأمنيّ، وحلحلة الأزمات التي تُعاني منها المنطقة».