البرميل
الياس خوريالبرميلفي غمرة الكلام عن الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها السلطة الفلسطينية، وخصوصا بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، نسي الجميع برميل النفط. الكلام ينصب علي المساعدات الأوروبية، وعلي القرار الأمريكي بقطع المال عن السلطة، والقرار الاسرائيلي بعدم دفع الضرائب التي تجبيها الحكومة الاسرائيلية باسم الفلسطينيين، وننسي البرميل.لقد وصل سعر برميل النفط الي ستين دولارا! اي ان مداخيل دول النفط الخليجية وصلت الي ارقام فلكية. ومع ذلك لم يطرح احد السؤال حول المال العربي من اجل منع كارثة افلاس لن تصيب السلطة الفلسطينية وحدها، بل ستكون آثارها مدمرة علي مجتمع فلسطيني يواجه وحيدا آلة القتل الاسرائيلية منذ ايلول (سبتمبر) 2000.السيد خالد مشعل زار ايران وقطر، واعلن ان الافلاس المالي يمكن وقفه عبر مساعدة الدول الاسلامية والعربية، لكن الحصاد حتي الآن كان هزيلا ولا يسد رمقا.لن نسأل الدول العربية الخليجية التي قطعت مساعداتها عن منظمة التحرير وساهمت في تمويل حركة حماس طوال العقد الماضي لماذا فعلت ذلك؟ فالجواب واضح، كان قرار قطع المال عن المنظمة جزءا من محاولات التطويع الأمريكية التي وصلت الي ذروتها في كامب ديفيد المشؤوم وقادت الي ردة فعل فلسطينية جسدتها انتفاضة الأقصي.ولن نسأل ظواهر الفساد في السلطة الفلسطينية، عن المال المهدور، لأن الشعب الفلسطيني نجح في معاقبة السلطة علي فسادها، بحيث كان السقوط الانتخابي لفتح وبقية فصائل المنظمة مدويا.لكننا نريد ان نسأل الرأي العربي عن موقفه. هل يعقل ان يطفر سعر برميل النفط الي هذا الشاهق الذي لا سابق له، ولا يتشكل اي مناخ ضاغط علي الممالك والامارات والمشيخات والي آخره من اجل ان تساهم في شكل جدي في منع الانهيار الاقتصادي الفلسطيني؟لم يكن هذا النوع من الأسئلة ليطرح لو كان العالم العربي يتمتع بالحد الأدني من الكرامة السياسية والأخلاقية. لقد صار الواقع مبتذلا الي درجة تفرض التبشير بالبديهيات والدفاع عن الحد الأدني من الكرامة.في الماضي، اي قبل الحربين الأمريكيتين في الخليج، لم يكن هذا التصرف ممكنا. اذ كانت الأنظمة تخاف من الرأي العام. اما بعد احتلال العراق، وبعد الضوء الاخضر الذي اعطته امريكا لاسرائيل من اجل الانفراد بالفلسطينيين، صار كل شيء ممكنا، وتمت تصفية الرأي العربي وتحطيمه، بحيث لم يرتفع صوت واحد بالحقيقة البديهية التي تقول ان المشرق العربي النفطي يتشكل من اغني دويلات في العالم، وان لا حاجة للفلسطينيين للارتهان للمال الأوروبي لو كان المال العربي عربيا بالفعل.غير ان اللعبة اكثر تعقيدا مما نظن، اذ اجتمعت ثلاثة عوامل من اجل تحويل البديهة الي مطلب ثوري.العامل الأول كان خروج مصر من مشروع الأمن القومي العربي، وسقوطها في بريجنيفية الجمود والمشروع الوراثي والاعتماد علي المساعدات الأمريكية. وحين تخرج مصر من الأمن القومي لا يعود هذا الأمن موجودا.العامل الثاني هو انهيار الفكرة العربية مع تحول الديكتاتوريات امراضا عصابية، قادت الي تعريض المجتمعات للاحتلال والانحلال.العامل الثالث هـــو بروزالبقايا الأصولية للحرب الباردة كمشروع سياسي يضع مطالب قصوي غير قابلة للتحقيق، ويقود الي حمّي اصولية تغرق المنطقة في عدم الوضوح، وفي افق دموي مديد.هذه العوامل الثلاثة تحولت في الثقافة والفكر السياسيين الي استبدال للحقيقة بالمجاز. فـــــمع الرعب الذي اصاب الثقافة العربية جراء الاضطهاد المتواصل للثقافة الحديثة الممول نفطيا، ومع مصادرة الصحافة المكتوبة في شكل شبه كامل من قبل المال النفطي، فقدت الكلمة معناها، وانتقل الاعـــلام الي دائرة الفضائيات العربية. هكذا صدقنا اننا نستطيع منافسة السي ان ان، واننا نستطيع استبدال الواقع بالكلام عنه، وان التحريض الاعلامي العام الايديولوجي والديني الاصولي يستطيع ان يعبئ فراغاتالعقل والمعرفة.لذا لم يسأل احد احدا في قلب الحملة ضد وقف المساعدات الأمريكية عن الفلسطينيين، ما هو دور العرب وواجبهم.الحقيقة ان كلمة دور يجب الاستغناء عنها، لأنها قد توحي بما يشبه استجداء العطف والتعاطف العربيين، وتستدرج قاموس الأخوة والعواطف والي آخره…لا دور للعرب الا من ضمن الواجب، وواجبهم هو الدفاع عن انفسهم. لن نسأل النظام العربي المتكلس والمتعفن لماذا يقف اخرس امام الترسانة النووية الاسرائيلية، وسط الحملة علي ايران. انا لست سعيدا بالمشروع النووي الايراني، لأني اعتقد ان الحد الأدني من الأمن العربي يفترض بأن يشرع العرب في هذا السباق من اجل الوصول الي تسوية باعلان الشرق الاوسط منطقة خالية من السلاح النووي. ان وجود السلاح النووي في اليد الاسرائيلية وحدها، يعني ان العرب استسلموا للمهانة والقهر.بل سأسأل النظام العربي عن الحد الأدني الضروري لحماية المنطقة من ترددات القهر الفلسطيني التي تصم الآذان. اي ان الحد الأدني من الاستقرار يفترض ضغطا وصراعا حقيقيا من اجل فرض مشروع السلام العربي علي اسرائيل. لكن من تخلي عن اي خيارصراعي، ومن يعتقد ان امريكا ستحميه من غضب شعبه، لا يأبه للحد الأدني من واجباته. لذا يترك الفلسطينيين امام واقع العنف المفتوح.ان من يعتقد ان الضغط الاقتصادي علي الفلسطينيين سيجعلهم يوافقون علي ان يكونوا عبيدا للاحتلال واهم وغبي.ومن يعتقد انه يستطيع متابعة السكر بأسعار النفط المرتفعة من دون الالتفات الي الكارثة الوطنية ليس سوي احمق.برميل النفط الذي يحلق في فضاء الدولارات ليس سوي علامة الحريق الذي سيلتهمه ويلتهم المنطقة. 0