في مؤلفه المرجعي الجديد عن دار ‘ويلي’اجرى الحوار سعيد أبو معلا: قبل أشهر قليلة بدأت دار النشر العالمية ‘ويلي اند سنز’ بتسويق الكتاب المرجعي في الطب العربي الإسلامي ‘Greco-Arab and Islamic Herbal Medicine’ ‘الطب النباتي اليوناني – العربي الإسلامي’ للباحثين الفلسطينيين د. عمر سعيد، مسؤول البحث العلمي في مجال الأعشاب الطبية في مركز الأبحاث والتطوير المناطقي في جمعية الجليل، ومؤسس ومدير شركة الأنطاكي للتداوي بالأعشاب، ود. بشار سعد البروفسور في الجامعة العربية الأمريكية ومدير مركز الأبحاث العلمية في أكاديمية القاسمي.
الكتاب المرجعي الجديد قارب موضوعات جوهرية مثل: الجذور الثقافية التاريخية لتطور الطب العربي، وعلاقتها بالحضارات القديمة، والسمية والفعالية الدوائية لأهم النباتات العربية، وعرض لأهم نتائج الأبحاث العلمية وقارنها بعلاقتها مع الطب النباتي العربي. واستعرض كيفية استخدام طرق ووسائل بحث حديثة لتطوير الطب النباتي العربي، وعرض طرق التصنيع الحديثة للمكملات الغذائية والكريمات التزيينية… الخ من الموضوعات.
وهو بقائمة محتوياته تلك يأتي في مرحلة في غاية الأهمية؛ فأمام تنامي ظاهرة تعاطي الناس مع ما يسمى بالطب البديل والشعبي، وكفر بعضهم بالطب الحديث الذي أصبح مقرونا بكثير من المخاطر على حياة البشر نجده يظهر في مرحلة تقترن فيه صورة المسلمين لدى الغرب بالجهل وانعدام الانجاز العلمي وهو ما يجعله محاولة يصفها البروفسور سعد تعمل على ‘علمنة الطب الإسلامي (أي جعله علميا مبنيا على أبحاث وتجارب) وعولمته أيضا (أي جعله عالميا). وهو ما يجعل من الكتاب، الذي يباع في أمريكا ومختلف دول العالم بمبلغ 135 دولارا تعبيرا عن حاجة ماسة للباحثين العرب والغربيين والمواطنين أيضا، فهو محاولة جادة لتخليص ظاهرة الطب النباتي الشعبي العربي من الكثير من أوهامها ووضعها على سكة البحث العلمي بعيدا عن محاولات النصب والإضرار بالمرضى المتعبين.
وفي هذا الحوار مع البروفسور في البيولوجيا والمحاضر في الجامعة العربية الأمريكية جولة مع الكتاب ومجمل القضايا التي يثيرها، وفيما يلي نص الحوار: *في غمرة الحديث عن التطور النوعي الذي يشهده سوق الدواء العالمي نجدك في مؤلفك الجديد تعود للطب النباتي اليوناني والإسلامي وبموافقة من دار نشر عالمية، هذا المؤلف قد يبدو مفارقا للحظة.. حدثنا عن حكاية هذا الكتاب المرجعي؟*دار ‘ويلي’ للنشر بادرت بالتوجه لي وللدكتور عمر سعيد حيث قدموا لنا دعوة لتأليف كتاب وذلك تقديراً لأعمالنا العلمية المتخصصة في الطب العربي الإسلامي والتي تنشر تباعا في المجلات العلمية الهامة.. كتبنا مشروعا لكتاب رأينا أهميته ووافقوا عليه بعد تقييمه من لجنة علمية وأخرى تسويقية.
موضوع الكتاب له اهتمامات لدي منذ زمن، حيث كان قد تشكل عندي تصور عن نظرة الغرب للعرب والمسلمين من خلال سنوات دراستي وعملي هناك، فمن يعيش في الغرب فترة طويلة يدرك ان دور العرب في مجال الطب مهمش، فعندما يدرسون تطور الطب يقولون ان العلوم بدأت من عند الفراعنة ومن ثم الاغريق والرومان ومن ثم فترة الظلام وبعدها كان دور العرب الذي اقتصر على ترجمة المخطوطات اليونانية وحافظوا عليها، بمعنى لم يكن للعرب أي دور إضافي. لكن إذا نظرنا لدور العرب نجده كبيرا ومتنوعا، فالعرب مثلا حولوا الطب من طب بدائي إلى طب اكليني، كما انشأوا جامعات تدرس الطب، وفحصوا الأدوية، وفصلوا الطب عن الصيدلة، وأقاموا مستشفيات نقالة، ومستشفيات للمرض النفسي.. الخ.
الأمر الثاني الذي حفزنا على المضي قدما في هذا المشروع أن الناس بدأت تفقد الإحساس بالطب الحديث، في منطقتا العربية بدأ ذلك قبل 15 عاما تقريبا لكن الطب الذي لجأ إليه المواطنون والذي يسمى طبا شعبيا كان مليئا بالعيوب وأحد أبرز هذه العيوب انه لم تكن له أي مرجعية علمية، إضافة إلى أنه كان وما زال مرتبطا بمسألة تجارية، إضافة إلى أن وعي الناس حول الطب النباتي كان مشوها، نجد مثلا قناعة عند الناس تقول أن النباتات ان لم تفد فهي لن تضر، وهذا أمر خطير جدا في ظل أن هناك نباتات سامة، كما ان سوق الطب النباتي دخله تجار لا يفقهون شيئا بالنباتات الطبية.
بالتالي كان هدفنا من مشروع الكتاب أن نعرف الناس على الطب النباتي العربي، وأن نؤكد أنه ليس شعوذة أو تخريفا، والتاريخ يدعمنا حيث يقول أن الطب النباتي العالمي أساسه عربي. كما أن الطب الحديث له جامعاته ومدارسه وعلماؤه، فيما الطب المكمل بدا من غير مرجعية وإنما مرتبط بمحلات العطارة، فكان لا بد من تناول هذا الموضوع بطريقة بحثية علمية، وجاء هذا الكتاب في فترة نرى أنها مفصلية حيث نرى أن العالم بدأ بوضع قوانين لاسخدام الطب النباتي في ظل تزايد استخدامه من المرضى والأطباء.*الكتاب يبدو زاخرا بالموضوعات والفصول المركزية.. حدثنا عن أبرز محتوياته، وما الجديد الذي يتناوله على صعيد الطب النباتي؟*الكتاب، الذي استغرق تأليفه سنة ونصف، يشمل 568 صفحة موزعة على 19 فصلا، نتحدث في فصوله عن تاريخ الطب العربي النباتي، وكيفية استخراج المواد الفعالة وتحضير الأدوية من النبات، كما أن أحد أهم فصوله يتحدث عن أشهر 40 نبتة تستعمل في فلسطين ومن خلالها نحكي عن استعمالها التراثي واستخدامها بالطب الحديث وربطها بالأبحاث العلمية المخبرية التي أجريت على هذه النباتات من أجل تأكد الفعالية.
كما يتناول الكتاب أنظمة تطوير الدواء ومراقبة جودتها في عصرها الإسلامي الذهبي، كما نستعرض في أحد الفصول السمية والفعالية الدوائية لأهم النباتات العربية، وهناك فصل عن أشكال الطب الشعبي السائدة في البلدان العربية والإسلامية، ونعرض لطرق ووسائل بحث حديثة لتطوير الطب العربي، وكذا طرق التصنيع الحديثة للمكملات الغذائية والكريمات التزيينية، وأهم النباتات المستخدمة اليوم في الطب العربي وخواصها الدوائية والكيماوية، وغيرها.*هل وجدتم توافقا بين الأبحاث المخبرية على النباتات الطبية ونتائجها واستخدام هذه النباتات الطبية فلسطينيا وعربيا عند العطارين؟
غالبا هناك توافق، الأمر هنا يعتمد بحسب العطار الذين يعمل على تحضير هذه النباتات وتحويلها إلى دواء، هناك نوعان من العطارين… عطارون توارثوا مهنتهم أبا عن جد كما يقال وهؤلاء يمكن الاعتماد عليهم، وهناك عطارون دخلاء على هذا المجال، وغالبا ما يستخدمون النباتات الطبية بطرق غير صحيحة.
هنا يجب ان نعلم أن المعلومات عن النباتات الطبية لم تأت من فراغ إنما عن طريق التجربة والخطأ ولاحقا أدخلها العرب في طور التطوير الطبي.*أثناء تأليف كتاب من هذا النوع حتما واجهتك مجموعة من الصعوبات؟*لا مشكلة لدينا عند التعامل مع مراجع علمية لأنها مكتوبة بلغتنا وتعتمد مرجعية علمية.. المشكلة الأساسية تتمثل أننا نجد المخطوطات أو الكتب العربية ولا نجد فيها علما، بل نقرأ مواضيع إنشاء، كما أن هناك تضاربا في فعالية النباتات، حيث تقرأ أن النبتة تشفي من 40 مرضا، فيما تجد أن المرض يمكن أن يشفى من 40 نبتة وهذا أمر غير دقيق، نجد أن هناك استخدامات عمومية لهذه النباتات في الكتب العربية حيث أن استخدام النبات أن لم يفد فإنه لن يضر مثل أكل الملوخية.*كيف انعكس ذلك على استخدام الناس للطب الشعبي أو البديل؟*المراقب يدرك أن الطب الشعبي نما من جديد في هذه الفترة الزمنية والسبب في ذلك تزايد حالة من عدم الرضا من الطب الحديث بسبب الاعراض الجانبية لكثير من الأدوية المستخدمة، أو أن المرضى لم يستفيدوا من الطبيب وطبه الحديث.
الخوف الجديد يتمثل في إمكانية أن تفقد الناس الثقة أيضا بالطب الشعبي/ المكمل أيضا وذلك نتيجة رد فعلهم من استخدامهم لهذا الطب الذي لا يقوم لغاية الآن على أساس علمي ودراسة، نرى العطارين يزودون المرضى بنباتات طبية من دون أن تفيدهم بشكل فعلي. تخيل بعض العطارين أو القائمين على الطب الشعبي مثلا ينصحون الناس بالاستغناء عن الطب الحديث، نحن كباحثين نقول ونستخدم مصطلح ‘الطب المكمل’ أي أنه لا يلغي الطب الحديث. فمثلا الطب المكمل لا يداوي شخصا تعرض لحادث سير، أو أن يشفي مريضا يعاني من زائدة دودية. كما أننا نقر أن أغلب المعالجين في مجال الطب الشعبي عاجزون عن تشخيص المرض بما يعني استحالة تقديمهم علاجا صحيحا للمريض، ونحن هنا نرى أن الطب المكمل له مرجعية الطب الحديث؛ فالتشخيص أمر من نصيبه.
نقطة أخرى في غاية الأهمية تتعلق بأن العاملين في حقل الطب المكمل يشترط أن يكونوا أطباء أو صيادلة بالأساس ومن ثم يمكن أن يتخصصوا بالطب المكمل وعلومه، ومن دون ذلك ستبقى العلاقة ناقصة وغير مكتملة.
اليوم على سبيل المثال وعبر دراسة قمنا بها وجدنا ان نسبة 60 بالمئة من الأطباء يفضلون منح المرضى توصيات باستخدام الطب المكمل لكن هؤلاء الأطباء معرفتهم غير مكتملة حول الطب المكمل.. فهم يحتاجون للتثقيف ومنحهم رؤية أشمل حول الطب النباتي.*ككتاب مرجعي مثل مؤلفكم ما أهمية نشرة بدار نشر عالمية؟*الطب الاسلامي ما زال مهمشا وان تجد دار نشر عالمية تنشر كتابا عن الطب العربي والإسلامي تجعل منه طبا معترفا فيه. كما أن صورتنا سيئة ونحن نساعد على تكريس ذلك من خلال عزوفنا عن المشاركة في الحضارة الإنسانية. الغرب في يومنا الحالي لا يرى الشخص بناء على جنسه بل على أساس مشاركته في الحضارة، فهم يحترمون الشعوب المنتجة.
نحن نريد ان نظهر بهذا المظهر لكن ليس من خلال الكلام الإنشائي بل عبر العمل العملي. هناك عن الغرب صورة ذهنية تقول انه مجتمعات علمية وأنت الباحث الذي عشت فترات طويلة هناك كيف ينظرون للطب النباتي أو الطب المكمل؟*دوما كان المكمل موجودا لدى الغرب، يسمى هناك ‘أدوية جدتي’، لكن مجموعة النباتات التي يستخدمها الغرب بالمقارنة معنا كعرب أقل بكثير، لدينا 2700 نبتة في فلسطين والأردن منها 700 نبتة مذكورة بالكتب العربية القديمة وهناك 450 نبتة ما زالت مستعملة لدى العطارين، بالغرب هناك كمية أقل بكثير من ذلك. هنا نجد أن عدد النباتات لدينا كبير جدا وهو ما يجعل منها وسيلة تقوم بدور كبير في خدمة البشرية، لكن ذلك يحتاج للبحث العلمي الذي يلزمه الكثير من التمويل والباحثين المتفرغين وهذا دور منوط بالجامعات لكونها أماكن لإنتاج المعرفة وليس لاستهلاكها، في جامعات العالم العربي يركزون على التواجد والحضور.. أي يجب أن تبقى درجة حرارة الكرسي الذي تجلس عليه 37 مئوية!!. تجربتنا غنية في مجال الطب المكمل ولو لم تكن علمية بحتة، هل يمكن أن نفيد الحضارة الإنسانية فيها؟
طبعا، يمكن أن نفيد الحضارة الإنسانية وذلك من خلال أن نعرفها على تراثنا ومخطوطاتنا ونضيف عليها، نحن أخذنا النباتات بعد استخدامها وتجربتها ولم يأت ذلك من فراغ، نحن نريد أن نكمل، أريد أن اثبت لا أن استمر بالقول ان الوثيقة الطبية القديمة تقول كذا، نريد علمنة الموروث العربي، يجب ان نأخذ النبتة ونفحص الخلايا ونقوم بإثباتات علمية على فعاليتها الدوائية، وهو ما يقود إلى علمنة الموروث الطبي العربي ومن ثم عولمته (بحيث يصير عالميا). *حضور الطب المكمل بحياتنا كيف تراه وكيف تقيم استخدام الناس له؟*قمت برفقة الدكتور عمر سعيد بالعمل على استبيان سألنا الناس: كيف ترى الطب النباتي؟ الكل قيمه بالايجابي، وسألنا: اذا كان لدينا اختيار استعمال نبتة طبية أو دواء كيماوي فأيهما تختار؟ كان الجواب استخدام نبته طبية بنسبة 90%، أما في سؤال ثالث قلنا: هل تعتقد أن هناك سمومية في استخدام بعض النبات الطبية؟ فجاء الجواب صادما حيث جاء أن 40% من المستطلعين يرون انه ليست هناك سمومية في النباتات الطبية، وحوالى 30 % يرون أنه هناك سمومية في بعض النباتات، وهذا جواب صادم ويحتاج لتوعيه كبيرة ويشير إلى جهل كبير في هذا المجال.*تكريس ثقافة الطب المكمل بشكل صحيح بحيث لا تبالغ الناس بالطب المكمل ولا تكفر بالطب الحديث؟ *المطلوب هو تسريع العمل على اجراء دمج في حقلين مهمين أي الخروج بنوع جديد من الاطباء من ناحية أن يكون لديهم بنية تحتيه طبية أي ثقافة طبية كاملة ودراسة سنة أو سنتين في الطب المكمل أو الاعشاب الطبية وهو ما يضمن لنا الخروج بأطباء قادرين على خدمة الناس ومنحهم الدواء والاستشارة الطبية السليمة.
على مستوى ثقافة الناس يجب أن يتضاعف وعيهم وأن يكونوا على دراية وعلم بأن ليس كل ما يظهر في الإعلام صحيحا ومقدسا، أنا أقول العكس، كل ما يظهر عبر وسائل الإعلام هو دعاية، هناك كثير مما يظهر بالاعلام مغلوط وخطير أحيانا، فلا امراض تعالج عبر التلفون كما يظهر في كثير من البرامج، هناك حالة من الضحك على الناس والمرضى كما يعرض عبر التلفزيون وبقية وسائل الإعلام.