يؤكد البروفيسور سعيد زيداني المحاضر في الفلسفة في جامعة القدس المفتوحة في حديث لـ “القدس العربي” أن سقوط نتنياهو في الانتخابات القريبة لا يعني تغييرا جوهريا بالنسبة للفلسطينيين وواقع القضية الفلسطينية، مرجحا أن السلطة الفلسطينية تنتظر استئناف المفاوضات مع حكومة جديدة في إسرائيل يقودها بيني غانتس، بغية تخفيف ضغوطها المختلفة وربما تحقيق أهداف لها علاقة بالمرحلة الانتقالية.
عن الانتخابات العامة في إسرائيل وتبعاتها المحتملة على القضية الفلسطينية ودور الفلسطينيين فيها تحدثت “القدس العربي” مع سعيد زيداني. وبشأن الأحزاب العربية داخل أراضي 48 التي أخفقت في المحافظة على قائمة مشتركة تم تشكيلها في انتخابات 2015 يقول زيداني إن ما يحدث في الداخل أمر غريب ويحتاج لقراءة معمقة. معتبرا أنه في 2015 تم تشكيل قائمة مشتركة ورافقتها مسحة رومانسية ووقتها تغنى الشعراء والأدباء من الداخل والخارج بهذه الوحدة. وتابع “أعتقد أن هذه كانت نظرة رومانسية وعلينا أن نرى ما يحدث على أرض الواقع. الأحزاب العربية بأولوياتها اليوم بعيدة جدا عن هذه الرومانسيات، فالجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وعمادها الحزب الشيوعي، كتلة أيديولوجية منذ عقود تغيرت وتبدلت مواقفها حتى وجدت نفسها متحالفة مع الطيبي بطريقة ندية وهذا أمر غير مفهوم أبدا. أفهم أنهم يخشون من نسبة الحسم (3.25 في المئة) ولكن أن يتحالف حزب أممي ماركسي بقائمة واحدة مع الطيبي وهو صاحب قائمة بدون عمود فقري أيديولوجي يعني أن الحزب الشيوعي فقد ظهره العقائدي.
كذلك يرى أن تحالف التجمع الوطني الديمقراطي مع الحركة الإسلامية لا يقل غرابة عن تحالف الجبهة مع الطيبي. ويقول إن هناك مشكلة أيديولوجية في الحالتين ويضيف “هذا التحالف الجديد هو نتيجة مخاوف من الرسوب أولا وثانيا هناك تناغم بين الجبهة – الطيبي مع السلطة الفلسطينية بينما الإسلامية – التجمع متناغم أكثر مع المعارضة للسلطة الفلسطينية. وهكذا في ما يتعلق بسوريا فالأول مؤيد للنظام والثاني مناهض له. وردا على سؤال آخر يوضح زيداني أن هناك أساسا للتحالفين، لكنه ليس متينا. ويتابع على خلفية هذا الوصف، هناك مؤشرات بأن أوساطا في التجمع غير راضية على الزواج مع الإسلامية، مثلما أن هناك أوساطا داخل الجبهة غير راضية عن التزاوج مع الطيبي وربما يؤثر هذا الصراع الداخلي على نسبة التصويت وسيستمر بعد الانتخابات. وفي ما يلي نص الحوار:
*كيف ترى مستقبل السياسة العربية داخل أراضي 48 وهي الأخرى مصابة بالتكلس والشيخوخة؟
**الأحزاب العربية في الداخل تستشعر الخطر وستعمل ما يلزم وما لا يلزم من أجل النجاح في الانتخابات وكي تنجو من تبعات الفشل الخطير، فهذا سيساعدها في إدارة الخلافات الداخلية بعد التزاوج غير الطبيعي وفي حال فشل أحدهما أو كلاهما في اجتياز نسبة الحسم فنحن على موعد مع انقسامات محتملة داخل كل حزب.
كلمة السر هي نسبة الحسم
ويرى الأستاذ زيداني أن التنافس بين الأحزاب العربية في الداخل جاء هذه المرة أيضا على وزن وموقع كل منها وعلى المحاصصة ولم يختلفوا على خطة عمل أو رؤية سياسية. “منذ 2015 العنصر الحاسم أو المفتاح أو كلمة السر هي نسبة الحسم وهناك مستويان هنا: الشعبي وهو يريد الوحدة والقائمة المشتركة والأحزاب فرادى خائفة من الرسوب نتيجة رفع نسبة الحسم وهذا ما أدى لتشكيلها. هذه المرة لم يتناغم خوف الأحزاب مع رغبة الجمهور العربي المحلي في الوحدة نتيجة الخلافات على الكراسي. ونتيجة تعثر تشكيل المشتركة شهدنا اصطفافا جديدا يتمثل في تحالف الحركة الإسلامية والتجمع الوطني الديمقراطي مقابل تحالف الجبهة والطيبي”.
*وكيف تقيم الغضب في الشارع العربي على الأحزاب العربية؟
**نعم هناك غضب واسع اليوم ونزعة أو مزاج لدى الجمهور لتلقين الأحزاب العربية درسا لكن هذا من شأنه أن يتغير فربما الناس تخشى من فقدان التمثيل البرلماني. ربما يقاطع 400 ألف من 800 ألف صاحب حق اقتراع وهذا يعني إن الفرصة كبيرة لأن تعبر القائمتان نسبة الحسم. ربما تنجح الأحزاب في امتصاص الغضب. ولا شك الدعاية الانتخابية تتطور والجهاز التنظيمي له دور أيضا.
* ما هو الفارق بين هذه الانتخابات الإسرائيلية عام 2019 وبين سابقاتها؟
**ربما تؤثر لائحة الاتهام الموجهة لنتنياهو نحو خسارته ومنح معسكر الوسط الصهيوني فرصة لاستلام الحكم واليوم هناك حالة توازن بين المعسكرين مع أن كفة اليمين واليمين المتطرف ترجح قليلا. لكن هناك فرصة لليسار والوسط لتشكيل حكومة بديلة.
*هل هذا يعني أن إسرائيل ستكون مختلفة؟
**حكومة وسط مدعومة من اليسار والعرب توجهها واضح فهي بقيادة غانتس ستكون الثوابت الإسرائيلية واضحة. لا أعتقد أن هذا ما يطمئن الفلسطينيين بأن حلا على الطريق ولكن على الأقل فإنه مع نجاح غانتس من المرجح أن يتم استئناف نوع من المفاوضات ولكنها لن تؤدي لما يرضي الفلسطينيين وهذا ما تريده السلطة الفلسطينية ورئيسها.
*تقول دراسة جديدة لمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب إن إسرائيل في حاجة إلى مفاوضات من أجل المفاوضات لمنع حملة مقاطعة ونزع شرعية ضدها في العالم يعني هو إجراء وقائي؟
**المسألة قد تتجاوز المفاوضات من أجل المفاوضات. الخطوط العامة لحكومة محتملة برئاسة غانتس لن تتيح الاعتماد للأحزاب العربية ومن المحتمل أن يمد يده لليكود. ومواقفه واضحة بشأن القدس والكتل الاستيطانية ولذا فإن المفاوضات هذه لن تفضي لنتائج ولكن من غير المستبعد أن نشهد خطوات أحادية الجانب.
*والسلطة الفلسطينية هل ترضى بمفاوضات عبثية؟
**على مستوى الأهداف النهائية السلطة تدرك أن آفاق الحل مسدودة ولكنها مستعدة للتعامل مع إجراءات تخفف الضغط عنها. وهناك ضغوط إسرائيلية وأمريكية وضغوط اقتصادية وحالة السلطة يرثى لها. السلطة معنية بإدارة مفاوضات مع غانتس للتخفيف عن حالها أولا وربما إذا كانت إسرائيل مستعدة لتنفيذ ما هو له علاقة بالمرحلة الانتقالية… هذا أقصى ما ينبغي أن تطمح له في هذه المرحلة.
*وخطة ترامب؟
**ستنشر مباشرة بعد الانتخابات، وهي جاهزة وحسب ما رشح عنها، فهي تتحدث عن أمور اقتصادية ممكن تطبيقها من طرف واحد. موقف ترامب من اللاجئين والقدس والكتل الاستيطانية واضح ولكن خطته ستشمل دولة فلسطينية بهذه المواصفات والسؤال هل يرضى الفلسطينيون التفاوض على الدولة وهم يعلمون مسبقا أن اللاجئين بدون عودة وبدون القدس مع بقاء الكتل الاستيطانية؟ لا أعتقد أن السلطة الفلسطينية مستعدة للدخول في مفاوضات على مبدأ صفقة القرن، حتى وإن كانت هناك بنود ستطبق من طرف إسرائيل لتسهيل مهمة التطبيع لدى بعض الدول العربية المستميتة للتقرب من إسرائيل.
*ما هي التسهيلات التي تتطلع لها السلطة الفلسطينية من خلال استئناف المفاوضات؟
**السلطة معنية بتسهيلات تساعدها مثلا في استعادة الوحدة مع غزة وهذا لن يكون سهلا وكذلك وقف الاستيطان وتسهيلات اقتصادية وتحويل بعض المناطق ربما من ب إلى أ ومن سي إلى ب. لا أتوقع أن تتمخض المفاوضات بما أكثر من ذلك الذي يتعدى المرحلة الانتقالية وفق مفهوم أوسلو.
*هذا يزيد مخاطر تسمين الاستيطان؟
**السؤال ما هي البدائل المتاحة أمام السلطة الفلسطينية؟ فهي طالما تحت رحمة الاحتلال ومحاصرة اقتصاديا وهي لا تستطيع الانجرار لحلول لا تفي بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.
*خيار حل ذاتها؟
**هذا موضوع آخر فأنا لست من دعاة حل السلطة الفلسطينية بل أنادي بفصلها عن المنظمة وتبقى سلطة خدمات بلدية لا علاقة لها بالتنسيق الأمني وتعزز صمود الناس ولها دور وظيفي إداري ومنفصل عن منظمة التحرير التي ينبغي إعادة بنائها لاستعادة النضال الفلسطيني بما يشمل حركة حماس كي لا تبقى سلطة في غزة مقابل سلطة رام الله.
*غياب الفلسطينيين والاحتلال من الانتخابات الإسرائيلية كيف تفسره؟
**واضح أن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي يحتل مرتبة متأخرة في أولويات الدعاية الانتخابية التي تركز على قضايا الأمن والاقتصاد والمصالح الشخصية والحزبية. الموضوع الفلسطيني لم يعد يحتل المكانة الأولى لدى معظم دول الخليج بعدما أقنعوا أنفسهم أو أقنعوا بأن إيران تشكل خطرا وجوديا عليهم. في هذه الانتخابات وخلافا لجولات سابقة تدور المنافسة على المعالجة الأمنية لا السياسية.
*ودور الفلسطينيين؟
**إذا كنت منقسما منذ 12 عاما ولديك منظمة تعاني من شيخوخة وتكلس مع تردي الحالة العربية فعليك إعادة تنظيم نفسك، فالعالم لن يعطيك الدولة شفقة بل عليك أن تثبت أن الاحتلال مكلف وأن تقنع العرب والعالم بعمل موحد وببرنامج سياسي واضح. سيسمعك الآخر العربي والأجنبي عند تنظيم نفسك سياسيا وإداريا وتحديد وسائل النضال في ظل هذا العالم المتغير.