بيروت- «القدس العربي»: تعرّف الجمهور العالمي على الممثلة البريطانية الشابة «كيت وينسلت» مع النجاح الكبير الذي حققه فيلم «التيتانيك- 1998» في شباك التذاكر، وحتى من حيث جوائز أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية «الأوسكار»، ونالت فيها «وينسلت» ثاني ترشيحاتها بعد ترشحها عام 1996 عن دورها في فيلم «Sense and Sensibility» لأوسكار أفضل ممثلة مساعدة. عادت بعدها «وينسلت» لتبهر جمهورها عام 2009 بفيلم (القارئ The Reader) الذي حصدت عليه «أوسكار» أفضل ممثلة بعد ثلاث ترشيحات إضافية أعوام (2002- Iris)، (2005- Eternal Sunshine of the Spotless Mind)، و(2007- Little Children).
إلاّ أنّ جوائز «الأوسكار» تحكمها شروط عدّة ليست حكراً على جودة الأداء، فكان أن غاب حتى عن ترشيحاتها أداء «وينسلت» في الفيلم المُميّز (Quills- 2000)، والذي يمكن اعتباره بداية ظهور أسلوب ادائي طوّرته «وينسلت» في ظهورها اللاحق، وحتى عن خيارات فنيّة ستحاول دوماً البحث عن مُقاراباتها، وبعيداً عن دورها في فيلم (القارئ The Reader) يمكن الحديث عن نضج أدائي ظهر واضحاً في فيلم (2009- Revolutionary Road- الطريق الثوري)، ومع فيلمها الجديد (عيد العمال- Labor Day) الذي عرضته الصالات العالمية مطلع هذا العام يمكن القول أنّ وينسلت رسّخت مكانتها كأيقونة في عالم الأداء، بأسلوب مُميّز يعتمد التحدّي في مختلف مستوياته.
بدور الأم المسكونة بالخيبة من الحب والعاطفة، المُفرغة من عواطفها حتى اعتزلت العالم، وأصبحت تُعاني نوعاً من رُهاب الخروج من المنزل (ينظر إليه بعض الاختصاصيين كدرجة مُتقدمة من درجات الاكتئاب)، تغرق (أديل- كيت وينسلت) بمحدوديّة دورها كأم، مُتخليّة عن كل ما يُمكن التخلّي عنه، لتمارس وظائفها اليوميّة في الحد الأدنى من الرعاية بالمنزل وابنها الوحيد بعد أن غادر زوجها حياتهما المشتركة، مُخلّفاً وراءه امرأة خسرت مع فقدانها القدرة على الإنجاب الكثير من رغباتها بالحياة ذاتها،إلى أن يدخل (فرانك- جوش برولين) حياتها هي وابنها ذي الأربعة عشر عاماً أثناء تسوّقهما حاجات المنزل في يومٍ عادي من صيف عام (1987)، يُهددهما ليساعداه على الهرب ويلتجئ إلى منزلهما.، فيساعدانه لعيشوا معاً أربعة أيام مسروقة من مجتمع البلدة النائية التي يقطنونها، ومن سكان هذا المجتمع الفضولييّن. مسروقة من سجن كليهما. هي من سجن مرضها والحياة التي فُرضَت عليها ولم تقو على تغييرها، وهو من سجن حُكمَ عليه بقضاء سنواتٍ فيه لجريمة ارتكبها عن غير قصد وهو شاب.
عن نص الرواية التي دخلت سجل الكتب الأكثر مبيعاً لمؤلفتها «جويس ميرنارد»، بذات الاسم، اشتغل السيناريست الشاب «جيسون ريتمان» على بناء فيلم حواراته هادئة، بسيطة، وقصيرة. لا صراخ كثير فيه، ولا تعبيرات فوضويّة عن مجموعة مُكثّفة وممتزجة من أكثر المشاعر اضطراباً، بإحالات واسقاطات عديدة، في علاقة مُتشابكة ثلاثيّة الأطراف لكل من أطرافها شرطه الخاص النفسي والذهني والعُمري والمحكوم بتجربته الحياتية القاسية. هنري- المُراهق- الذي يبحث عن صديق يقود خطاه في مراهقته، عن رجل يملأ فراغ صورة الأب الغائب، غير المُكترث، ولكن في لحظاتٍ كثيرة يكون هو ذاته ذاك الطفل الذي يرغب بوالدته له وحده، وبأن لا يسمح لأحدٍ آخر بأن يسرق مكانه وحضوره الكبير في حياتها. وهي بحزنها وخوفها تتوق إلى فرحٍ مُشتهى، كما يتوق فرانك إلى أنثى تكون أماً وحبيبة وصديقة.
أربعة أيام هي عطلة «عيد العمال» كانت كفيلة لأن تتخذ العائلة الجديدة قرارها بالهرب سويّاً إلى بلادٍ أخرى وحياةٍ أخرى، لكن الصبي يتسلل باكراً ليرسل رسالة إلى والده، ويتسبّب بهذا بإعادة اعتقال فرانك الذي يتحمل المسؤولية كاملة وأنّه أجبرهما على إيوائه. عشرون عاماً يقضيها فرانك في السجن، وهنري يكبر وهو يراقب والدته تزداد حزناً، حتى أنّها تتخلّى عنه لاحقاً لوالده ليتابع تربيته.
لا يهتم الفيلم باللوم، بتحميل هنري الذي يكبر ليعيش سعيداً دون أي إحساسٍ بالذنب المسؤولية الكاملة لما حدث، ولا تلومه والدته أو حتى فرانك الذي يراسله بعد كل تلك السنين يسأله عن والدته، وهنري دون كلام كثير يخبره أنّها لم تزل في انتظاره. إذ أنّ أربعة أيام كانت كافية لأن تحيا أديل بعدها عشرين عاماً.
ينجح المخرج وكاتب السيناريو «غيسون ريتمان» في أن ينقل إلينا عبر دقائق الفيلم الـ (111) إحساس الخوف من الخارج، حيث القوانين القاسية، حيث الأمور النظرية والقوالب الجاهزة التي تعرّف وتضبط مختلف المشاعر الإنسانيّة دون أي اعتبار لما يمكن أن تكون عليه حقيقة الأمور. مُستعيناً بموسيقى «رالف كينت» التي ترسم خلفيّة لوحة، خطّها أداءٌ قوي من «وينسلت» و»برولين»، وكاميرا «ايرك ستيلبيرغ» لتتيح المجال واسعاً أمام وينسلت لتفرد جناحيها وتحلّق عالياً في أداءٍ عميق، هادئ، تتلوّن وتتبدّل فيه المشاعر حتى في الدقيقة الواحدة على الشاشة وفي زمن الحدث، مُبتعدة فيه عن الحركات الجسديّة المُبالغ بها، لتضبط حركات جسدها بأكلمه وكأنّه بيانو تصدر عنه ألف نوتة ونوتة، في انسجام إيقاعي يتكامل صوتاً وحركةً وهارموني المشهد، وهذا في كل مشهد من مشاهد الفيلم. مُظهرةً قدرتها الكبيرة على عكس حالات الخوف، القلق، الإرهاق، الاكتئاب، الفرح الطفولي، التصميم، مواجهة المرض، الأمومة، الحاجة الإنسانيّة البسيطة جداً إلى حضور الآخر اليومي، إلى أن يكون هنا والآن، والحاجة إلى التواصل كذلك. بمكياجٍ بسيط تظهر وينسلت في مُعظم مشاهد الفيلم، بكل ما يمكن للعادي أن يكونه، في اللباس والحديث، تنجح في أن تقدّم كل ما يُمكن لهذا العادي أن يختزنه من جمال، ومن استثنائية.
يارا بدر