رياض معسعسالثامن من آذار/مارس من العام 1963 كان يوما حزينا في سورية، رغم أن البلاغ رقم 1 الصادر عن مجلس قيادة ‘الثورة’ بشر السوريين، بل والأمة جمعاء بفجر جديد تشرق فيه شمس البعث، لتنعم بالوحدة والحرية والاشتراكية. لكن سرعان ما محا النهار كلام الفجر. إذ تطبيقا لهذا الشعار والحرية المنشودة، قام البعث السوري بفرض قانون الطوارئ وحبر البلاغ رقم 1 لم يجف بعد. فبات المواطن مدانا حتى تثبت براءته، حتى أن السجون امتلأت سريعا بكل مطالب بالحرية وبكل معارض سياسي. وأدخلت سورية في دهاليز نظام ‘إشتراكوي فوضوي’ يعد باللبن والعسل، متفرعة المسالك، معظم منافذها تصل إلى جيوب ثلة من قادة ‘الثورة’، حتى بات الدخل هنديا، والمصروف أمريكيا، والفجلة تناطح الليرة السورية. فصار السوري أضيق رزقا من سم الخياط. أما اللبن والعسل فصار في ذاكرته من الصور التذكارية. أما الوحدة التي كانت أمنية قديمة لكل عربي، تيقن البعض أنها صارت أكيدة التحقيق، خاصة أن الأخ الشقيق للبعث السوري الذي قاد انقلابه ضد نظام عبد الكريم قاسم واستلم السلطة في بغـــداد، قبل شهر تماما (في الثامن من شباط/ فبراير 1963) قد أطلق الشعار بعينه في بلاغه رقم 1. ولم يمض الوقت طويلا ليتضح أن البعث صار بعثين، ولا يصبوان للوحدة، بل انهما مصابان بمرض التوحد. وكل طويل عمر يتذكر أن جوازات السفر السورية كانت مدموغة بعبارة شهيرة: ‘يسمح لحامله التجول في جميع دول العالم ما عدا العراق’، أي بات الشقيق البعثي العراقي أكثر خطرا على شقيقه البعثي السوري، من إسرائيل. وصارت مصر محط تصيد لإسقاط جمال عبد الناصر وتندر في الإذاعة السورية عليه، التي كانت تبث أغنية ‘يا كركدن لا تحسبن لتقبضن’ لتكايد بها الزعيم المصري الراحل. وبات كل بعث يعبث بالعباد والبلاد ويدخلها في دوامات، ومطبات أرضية غائرة القعر لم يجن منها الشعبان سوى الويل والعويل واستعانا بالصبر لأن الله مع الصابرين.
فالبعث العراقي زج العراق في حرب ضد إيران دامت سنوات ثمان جرى خلالها الدم أنهارا من الطرفين، وفاجأنا البعث السوري بالتحالف مع إيران ضد العراق بدل أن يدخل في وساطة لإصلاح ذات البين ويحقن دماء الشعبين الجارين، بل انه تحالف مع الدول المتحالفة التي شنت الحرب على العراق بعد احتلاله للكويت، وضربت عليه حصارا خانقا جعل الشعب العراقي رهينة في أيدي أعدائه ومرتعا وخيما للطائفية والميليشيات المسلحة، الذي انتهى بسقوط عاصمة الرشيد بغداد في التاسع من نيسان/ أبريل من العام 2003 ومعها سقط البعث العراقي سقوطا مدويا بعد أربعين عاما من الحكم، حول العراق خلالها إلى دولة ممزقة الأوصال، مزدرية الأحوال، لا أمن، لا استقرار، لا خدمات، لا استقلال، وكثرت اللاءات السلبية في بلاد حمورابي، وجلجامش ومهد الحضارات الإنسانية، ولم تستأنف العلاقات الدبلوماسية بين العاصمتين الشقيقتين إلا بعد أن حز حبل المشنقة رقبة صدام حسين.
بعث سورية الذي ظل متخفيا وراء شعاره الذي يملأ الساحات إلى جانب صور ‘الرفيق القائد’، تابع مسيرته ‘التاريخية’ فدخل في تصفية حسابات بين أعضائه، فانبثقت من داخله حركة 23 شباط/فبراير في العام 1966 لينقلب الرفاق على الرفاق وتدخل سورية في منزلق حرب النكسة التي صوروها لنا بأنها نزهة يوم أو بعض يوم يصل فيها الجيش السوري إلى تل الربيع، فجيشنا الباسل لن يرتكب هذه المرة هزيمة النكبة. واستيقظت الشعوب العربية صبيحة الخامس من حزيران/يونيو لتكتشف واجمة هزيمة العرب الكبرى التي أجـــري لها عملية تجميلية لتسمى النكسة. وأن الجيش السوري أعطي الأوامر من وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد بالانسحاب الطوعي من مرتفعـــات الجولان الحصينة، التي لو طار نسر من سفحها لأخذ فترة استراحة مرتين قبل الوصول إلى قمتها، قبل ست وثلاثين ساعة من احتلالها. لكن النصر كان حليف النظام البعثي كما كانوا يصفون، لأن اسرائيل كانت تنوي إسقاط النظام الثوري في دمشق، وبما أن النظام بقي صامدا فإن الهدف الاسرائيلي لم يتحقق ويكون بذلك قد انتصر على اسرائيل. لم يفهم أحد هذه الفلسفة البعثية العبثية، فبلع الشعب السوري الموسى بحديه واستعان بالصبر، لأن الله مع الصابرين. لكن حرب الرفاق على الرفاق لم تنته في 23 شباط/فبراير. إذ استيقظ السوريون في السادس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر على ‘حركة تصحيحية’ يقودها وزير الدفاع حافظ الأسد صاحب قرار الهزيمة في حرب 67 لينصب نفسه رئيسا على البلاد، ويزج رفاقه في السجون ليموتوا فيها بعد أكثر من ربع قرن، مرضا وكمدا. ولكي نغسل عار حرب 67 خاضت سورية باتفاق مع مصر حرب السادس من تشرين الاول/أكتوبر ويصبح الأسد ‘بطل التحرير’ بعد الدخول في مفاوضات فصل القوات في العام 1974 وتستعيد فيها سورية جزءا من الجولان ويبقى الجزء الأهم تحت السيطرة الاسرائيلية، التي ضمته إلى أراضيها بقرار من الكنيست، من دون أن يحرك النظام البعثي ساكنا.
مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975 وجد النظام البعثي السوري، الذي دخل في خلاف مع منظمة التحرير الفلسطينية، الفرصة مناسبة لضرب القوى الوطنية في لبنان وعلى رأسها المنظمة، فبدأت في تل الزعتر وانتهت في طرابلس ورحيل المنظمة عن لبنان في العام 1982 بعد أن أعطت الجامعة العربية الضوء الأخضر للجيش السوري لدخول لبنان تحت مسمى ‘قوات الردع’. لكن الردع امتد إلى كامل اللبنانيين بالهيمنة التامة على مرافق ومفاصل لبنان، حتى ان اللواء غازي كنعان كان يتصرف في لبنان كمتصرفية، (وقد انتحر في مكتبه في ما بعد برصاصتين في الظهر كما يحلو للبعض أن يقول’. جعلت اللبنانيين يكتمون غيظهم ويحقدون حقدا شديدا على النظام السوري وأزلامه. معركة النظام في لبنان كانت توازيها معركة أخرى في سورية في مواجهة المعارضة السياسية من إخوان مسلمين وشيوعيين ووحدويين، وبعثيين منشقين، فعرفت سورية فترة من أحلك فتراتها انتهت بمجزرة سجن تدمر في العام 1980، وتبعتها سريعا مجزرة حماه الرهيبة في العام 1982، حيث بلغ عدد الضحايا عشرات الآلاف، وغصت حلوق السجون بالمساجين. ودخل رأس النظام في خلافات شديدة يبن الإخوة هذه المرة، أي بين حافظ الأسد وأخيه رفعت الذي قاد سرايا الدفاع التي كانت ترتكب الشنائع والفظائع في الشعب السوري، فطرد رفعت (شرطي الجمارك سابقا) من سورية حاملا معه رقما فلكيا من أموال الشعب. (ليس دفاعا عن الشعب بل عن الكرسي الذي كان يزاحم أخيه عليه). في العام 2000 استيقظ الشعب السوري على نبأ وفاة حافظ الأسد، وتولي نجله بشار الأسد الحكم، بعد تعديل الدستور السوري ليسمح له بمزاولة المنصب لصغر سنه (34 عاما). ورغم أن سورية تحولت بقدرة قادر إلى جمهورية وراثية إلا أن السوريين استبشروا خيرا ببشار الذي وعد بالتغيير وقالوا: اصبروا ان الله مع الصابرين. أكثر من عشر سنوات من الصبر مضت ووعود التغيير مازالت تلمع في الأعين لمعان السراب، عرفت سورية خلالها أزمات عدة، الأمم المتحدة تصدر قرارها رقم 1559 بانسحاب الجيش السوري من لبنان، سبابات كثيرة وجهت إلى سورية بتدبير اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، اعتداءات اسرائيلية متكررة على سورية من دون رد سوري، استمرار سياسة القمع وكم الأفواه، والاعتقالات التعسفية، وانعدام الحريات، باختصار ‘لم تغير حليمة من عاداتها القديمة’. مع انطلاقة الثورات العربية، لم يكن يتوقع أحد أن الشعب السوري سيقوم بثورته الحقيقية، جراء سيف الأجهزة القمعية المسلط على رأسه. لكن الشعب السوري الأبي الذي صبر صبر أيوب خلال أربعين عاما نفد صبره ولحق الركب العربي، لكن نظام البعث المنادي ‘بالوحدة والحرية والاشتراكية،’ يرتكب المجازر اليومية بالمطالبين بالحرية الذين يهتفون بشعار مقدس في كل مدينة ‘الله سورية حرية وبس’. بعد أن خابت آمالهم بوعود بشار، وهذا ما أكده في خطابه أمام برلمان ‘كراكوزية’ نظامه المطبلين المزمرين، بأن حزب البعث القائد مستعد للمعركة. ولكن الشعب السوري الذي أراد الحياة، ولا بد أن يستجيب له القدر، ستكون معركة البعث هذه المرة معركته الأخيرة بعد أن دخل في طور الحشرجة. فلم يعد أمام الشعب السوري في هذه المعركة سوى صبر ساعة.’ إعلامي من سورية يقيم في باريس