يحظى الخطاب الإشهاري كأحد أبرز الأنماط التواصلية في وقتنا الراهن، باهتمام كبير من قبل المجتمعات باختلاف مشاربهم وتوجهاتهم، وعلى رأسها المجتمعات الصناعية، لما يحمله من شحنات ودلالات متوارية تعمل على بلورة الرأي، وتشكيل الوعي والذوق العام، إلى درجة تغير من عاداته وتقاليده، وفي التأثير على ثقافات الشعوب السائدة بوجه عام، ونتيجة لهذا، فبؤرة اهتمامنا تتجه صوب الخطاب سمعي/ بصري، الذي تتضافر فيه مختلف المكونات التعبيرية، لأن هذا الأخير تدب فيه الحركة والحياة والدينامية، على غرار الخطابات الأخرى، التي تتسم بالثبات والجمود، كالصحف والمجلات والملصقات… لأنه يعد واحدا من أنواع التواصل الجماهيري، وأكثرها ذيوعا ورسوخا وانتشارا، وهكذا فقد اجتاح جميع المجالات، وكان لوسائل الإعلام والاتصال دور بارز ومؤثر، خاصة أنه يتسلح بعدة أدوات، اللغة، والموسيقى والإيقاع، واللون والصورة والديكور، من أجل دغدغة خيال المتلقي، والتأثير عليه بصورة أو بأخرى في حركيته المشهدية.
وتبعا لذلك، فإن الصورة الإشهارية في الآونة الأخيرة، أصبحت تحوز مكانة عالية ومرموقة، لاسيما في عالم السيميوطيقا، كونها تعنى بالعلامات والأيقونات، والمؤشرات والرموز البصرية واللغوية، المجسدة في أحشائها، والتي من أساليبها استمالة وجذب المتلقي وإقناعه، قصد التأثير فيه في مناحي متعددة ذهنيا، حركيا، وجدانيا، فهي بمثابة المنظومة، التي تتداخل وتتشابك فيها جملة عناصر الكلام، وفق قواعد تركيبية ودلالية، والتي يتحرك في مسالكها الخطاب، نحو انعطافات تغيب طاقة السؤال تحت عباءة الوظيفة الماوراء لسانية، إذ تقود بخطى المرسل إليه إلى بوتقة الجوانب البديهية التي تكون بمنأى عن التبريرات والاستدلالات المتجاوزة، لبؤر التأمل والتفكير لدى الذوات، ومن أجل تأدية رسالتها على أكمل وجه تسعى إلى تجسيد وتحقيق مراميها، متوسلة بوظائف جمة، نكتفي بذكر بعض منها: الوظيفة التمثيلية، والوظيفة الجمالية، والتوجيهية والدلالية.
وما يهمنا في هذا السياق، كون الصورة الإشهارية بحكم طبيعتها ووظائفها، لا تكتفي بالدعاية لمنتوج ما ولا تتوقف عند حدود عرض السلع والبضائع والمنتجات لإبراز محاسنها وتعداد مزاياها، بغية جذب المتلقي واستقطابه في اقتنائها، من أجل تلبية وإشباع رغباته وحاجياته وحسب، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تسعى إلى تأكيد وترسيخ مبادئ وقيم اجتماعية وأنساق ثقافية في ذهن المتلقي، وهي في كل ذلك بمنأى عن كل رقابة وتمحيص، من خلال العمل على استدعاء انفعالات المتلقي في ظل غياب آليات التفكير النقدي لديه، وحثه على إطلاق العنان لغرائزه وشهواته وخياله وأهوائه، وبشكل يجعله يتماهى بطريقة لاشعورية، فتحجب الرؤية عنه في التمييز بين الأشياء إما عن طريق السلب أو الإيجاب، وهذا راجع من دون شك إلى الحضور المكثف، والقوي وللدور البارز، الذي تلعبه الوصلات الإعلامية والإعلانية والإخبارية المتلبسة بالإيهام، وبلاغة المجاز الذي يقفز عن كل وجوه وأشكال الاعتباطية، وهنا تحقق اكتمالها عبر قدرتها في تحويل العوالم المجردة والمثالية إلى تمثلات ممكنة، وتأسيسا على ذلك، فالصورة الإشهارية «صورة سيميائية خادعة، وعلامة لسانية مضللة للمتلقي، وذلك من خلال تشغيل خطاب التضمين والإيحاء، وتجاوز التعيين، والارتكان إلى ثنائية الحافز والاستجابة، والخضوع للمتطلبات الأيديولوجية وشروط البراغماتية الاقتصادية.
لابد من الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به الوصلات الإعلانية والإخبارية، فهي تعمل على انتشال المنتوج وتجريده من وظيفته النفعية، وتحويله إلى حامل للمبادئ والقيم والأخلاق المتجلية في الأحلام والمحبة والجمال والطمأنينة والرؤى السحرية.
وهذا ما يستوجب من المتقبل أن يكون واعيا ومتنورا قادرا على النقد، وممارسة السؤال، وقراءة الرسائل الثاوية والعميقة، وتفكيك لغة الصورة جيدا، وتشريحها سطحا وعمقا. كما أن الصورة الإشهارية تحمل بطبيعة الحال نوايا المرسل، وتقدم رؤيته للعالم، وتعمل جاهدة للتأثير على القارئ، وإقناعه، واستهوائه»، على حد تعبير جميل حمداوي
محاولة، نعتقد جازمين أن ثمة مجموعة من الدراسات والأبحاث المتعددة، التي أولت مجال الإشهار اهتماما بالغا بالدرس والتحليل من زوايا ورؤى متنوعة، وتعاملت معه بنية ودلالة ووظيفة، وذلك انطلاقا من مقاربات شتى، وتزامن هذا خصيصا مع مجيء اللسانيات والسيميائيات، حيث شهدت في العقود الأخيرة من القرن العشرين تحولات عدة في التعاطي مع الخطابات المتنوعة نثرا وشعرا، كما قامت برصد كل الأنواع والأجناس الكلامية والمرئية، التي جمعت في مقاربتها دراسة الدوال اللغوية والبصرية بشكل خاص. ومن أبرز الأعلام الذين سخروا أقلامهم وأفكارهم في الدراسات السيميائية للإشهار، ففي الغرب نذكر كل من رولان بارت الذي اهتم وبشكل كبير
بـ: بلاغة الصورة الإشهارية، وكتاب آخر له «عناصر السيميولوجيا»، إضافة إلى المغامرة السيميولوجية، وكذلك نجد كل من جاك دوران، وجورج بينيو، إضافة إلى جوردان، ولابروز، وبرنار توسان في كتابه «ما هي السيميولوجيا؟» وكلود ليفي شتراوس.
أما عن أهم الدارسين في العالم العربي، فلا بد من استحضار الناقد حميد لحميداني، وعبد المجيد العابد، ومحمد خلاف، وعبد المجيد نوسي، وجعفر عاقيل، وقدور عبد الله ثاني.. كما لا يمكننا في هذا الصدد أن نغفل عن الدور الذي اضطلع به الباحث السيميائي المغربي سعيد بنكراد، من خلال كتاباته المتنوعة حول الموضوع، نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر كتابه الموسوم بـ»سميائيات الصورة الإشهارية» (الإشهار والتمثلات الثقافية)، حيث يمثل مساهمة معرفية فعالة خلال سعيه الدؤوب، في إثراء الموضوع «الخطاب الإشهاري»، ودفعه قدما، عن طريق البحث والحفر في حيثياته، والغوص في أعماقه، والتوغل في أدغاله، والإحاطة بآلياته بغية إماطة اللثام عن الأوجه الخفية والمسكوت عنها أثناء عملية الإشهار، وهذا لا يتأتى إلا في ظل وجود الآليات والوسائل الإجرائية، التي يعتمدها السيميائي في مقاربته للصورة الإشهارية.
والكتاب بهذا الطرح هو في حقيقة الأمر، دعوة صريحة في تعميق البحث، يتغيا صاحبه من وراء هذا كله، تسليط الضوء عن الجوانب المتوارية والمتخفية، من عمليات الإنتاج والتسويق والاستهلاك، وخلع العباءة التي يلتف حولها، مضربا الذكر صفحا عن الدور الاقتصادي للإشهار، في مقام الحديث عن مسألة الربح والخسارة، كون الإشهار المعاصر يصب جل اهتمامه بالدرجة الأولى في بناء الإرسالية الإشهارية، ثم يعمد بعد ذلك على بلورة الإجراءات المنطقية نفسها لمصلحة الإجراءات الوجدانية والشعورية والعاطفية.
من هنا، لابد من الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به الوصلات الإعلانية والإخبارية، فهي تعمل على انتشال المنتوج وتجريده من وظيفته النفعية، وتحويله إلى حامل للمبادئ والقيم والأخلاق المتجلية في الأحلام والمحبة والجمال والطمأنينة والرؤى السحرية… وذلك لما لها من ميزة وقدرة فائقة على خلخلة المفاهيم وبلورتها وتوجيهها بطريقة غير مباشرة، حيث حدا بها الأمر في عصرنا الراهن تمارس سلطة هادئة، تستهوي مشاعرنا وتثير عواطفنا وتحكم قناعاتنا، وهذا يعني، أن «الخطاب الإشهاري بوصفه خطابا يسعى إلى الترويج للمنتوج، سوف يمرر رسائل تجد لها متلق يتلقفها بدون وعي أو إدراك ويلون بها حياته الثقافية والاجتماعية.. وهنا يكون هذا الخطاب قد تجاوز الوظيفة التجارية إلى صناعة الثقافة»، بتعبير عادل بوديار. وعليه يمكن القول: إن الخطاب الإشهاري، بشكل عام يشغل حيزًا كبيرًا، وفضاء واسعًا في حياتنا اليومية، فهو لا يفارقنا، ولا يتخلى عنا لحظة واحدةً، فنحن نصادفه في البيوت، والمحلات والشوارع، وعلى التلفزيون والإنترنت، والسينما والمسرح..
٭ كاتب جزائري