الرواية التاريخية أم النبوئية؟… «المتابعُ لموجة الروايات الحديثة يلاحظُ العودة إلى التاريخ والبحثُ في منجمه، عن مصادر ينطلقُ منها النص الروائي إلى أن تستقيمَ أركانهُ، وقد يكونُ الغرضُ من ذلك هو إسقاطُ وقائع الماضي على المرحلة الراهنة، والإبانة عن محنة الزمن المثقل بالعاهات العقلية، والانتفاخات الأيديولوجية. ربما السؤالُ عن دور هذا التيار السردي المرتبط بالتاريخ ومدى نجاحه في بناء مدونة موازية يتطلبُ قراءة نقدية كاشفة. أياً يكن الأمرُ فإنَّ السائد في المشهد الروائي هو التناص مع المعطيات التاريخية، أو سردُ التجارب الذاتية المُطعمة بصيرورات الواقع العام.
ويغيبُ في هذا الإطار البعدُ الاستشرافي أو النبوئي في النصوص الروائية، ما عدا محاولات نادرة لاختراق المستقبل روائياً، فلا توجدُ نصوص أدبية تناقشُ فرضيات شكل الحياة، وفتوحات معرفية في الزمن المقبل، وقد تكشفُ هذه الحالةُ عن شحةِ الخيال والتراخي الفكري، كما أنَّ من مُتطلبات برنامج الرواية الاستشرافية، هو متابعة ما يدورُ في جبهة العلم، والأشواط التي قطعتها المسيرة العلمية والتراكمات المعرفية، والجدل القائم بشأن خيارات الإنسان في العصور المقبلة، وهذا ما يستدعي جهوداً استثنائية، وتبصراً بالعوامل المؤثرة في الواقع، ناهيك من ضرورة مراقبة التحولات، وما يستتبعها من سلوكيات ورؤى جديدة، والأهمُ من كل ما سبقَ الإشارة إليه، أن النص الروائي المنفتحُ على الأفق المستقبلي يجبُ أنْ لا يتحولَ إلى فضاء لسجالات علمية فيخسرُ هويته الأدبية، لأنَّ المراد من هذه الصياغات ليس تطويعَ الشكل الروائي لأغراض علمية بقدر ما يهدفُ هذا المسعى إلى إحداث ثغرة بوجه ما اصطلحَ عليه بالثقافة الثالثة.
وفي الواقع تتمثل ملامح هذا المفهوم في رواية «مشروع أوما» للكاتبة العراقية لطفية الدليمي، حيثُ يتواصلُ منجزها الروائي مع تشكيلة من الأفكار الفلسفية والعلمية والاقتصادية، وبذلك يكون النص متعدد الأبعاد، ويمكنُ مقاربته من مداخل مختلفة. إذا كانت النبوءة في الروايات التي تزامن صدورها مع الأحداث والوقائع، التي خلفت ظواهر على مختلف الأصعدة قد سلكت منحى توثيقياً، وتابعت خطاً تسجيلياً في برنامجها السردي؛ فإنَّ لطفية الدليمي ترحلُ بالقارئ نحو السنوات المقبلة، مستشرفةً التحديات الوجودية والأزمات التي تعصفُ بالواقع الإنساني، ما يحتمُ عملية المراجعة والتأمل في فعالية البراديغمات الرائجة على مدار العقود، ومن هنا فإن نواة الرواية هي الفكرة وإرساليتها المعبرة من خلال المكونات السردية، لاسيما الشخصيات وهي تتوزعُ إلى مجموعتين مساندتين للمشروع، أو مناوئتين له، وهذه البنية المرتكزة على الثنائية المُتقابلة تشحنُ الرواية بحس درامي، وتستشفُ من مفردة العنوان، أنَّ البطولة لا تُعقدُ على عنصر الشخصية، ولا يقومُ المكان بالدور المحوري بقدر ما يوحي مدلول مفردة المشروع، وتجيء مكونات النص لتكمل الفكرة التي تعبرُ عنها صيغة العنوان، ويتم التأكد من هذا الافتراض مع توالي وحدات الرواية، إذ يكون المشروع بمنزلة مظلة لبذور المستقبل.
المرأة الرائدة
واللافتُ في رواية «مشروع أومّا» أنَّ شخصية نسائية تتكفلُ بالإعلان عن المشروع والتعهد بإدامته، وسط الخراب الذي حلَ بجميع الأمكنة جراء الصراعات المدمرة، وتصبح بلدة الصافية حاضنة للشخصيات ومنها تنطلقُ الطاقاتُ الكامنة إلى أن تغدو ورشة عمل تجترح حياةً جديدة. لا يمكنُ فهمَ موقع زهيرة الصافي الريادي، لا يمكن فهمه وإدراك روحيتها المبادرة الشجاعة، إلا على ضوء الخلفية المعرفية التي أسست لها الكاتبة عبر سنوات نمو زهيرة ونضجها، فمن تأثر بالموروث الفكري الرافديني والرموز الأنثوية والثقافات البرية، ومن هنا تبرز فكرة الانبعاث الخصوبي، وتسمية الأشياء التي تحمل إيحاءات رافدينية في الرواية. كما تسربتْ نصوص من ملاحم وادي الرافدين إلى طيات الرواية، مُضيفةً إلى خطابها دلالة إيحائية عن قيمة الثورة الزراعية في التاريخ ومكانة المرأة على هذا الصعيد عبر اكتشافها لعملية الإنبات، فلا ينقطعُ النص عن مناخِ البيئة الحضارية من جانب، والاهتمام بحماية البيئة واستخدام كل ممكناتها لعبور أزمة الغذاء والطاقة.
بين الحب وصراع الإرادات
تبدأُ الروايةُ بعودة إبراهيم إلى القرية، وتكشفُ هذه الحركةُ عن وجود علاقة عاطفية بينه وبين قريبته زهيرة الصافي صاحبة معمل ماء الورد، ووريثة أسرة الصافي، ويهيمن شبحُ نزاع بين أسرتيهما، غير أنَّ ذلك لا يمنع من اشتعال مشاعر الحب بين الاثنين، حتى يغدو هذا الحبُ مشروعاً موازياً لعملية النهوض بالقرية على المستوى الزراعي، وبناء منشآت توليد الطاقة. تتضاعفُ الشحنات الحسية والعاطفية في تركيبة النص من خلال مفردات محتفية بمشاهد طبيعية ومشاعر نابضة بالحب، فتبدأ تحولات المشاركين في مشروع أوما، فهم لا يتعافون من أزمات شخصية بتوظيف خبراتهم وإمكانياتهم لانطلاقة نحو حياة جديدة وحسب؛ بل يغدو الحبُ داعماً لإرساء مبادئ روحية وانبثاق أفكار ومبادرات تستعيضُ عن الشرائع المقيدة للأفكار الحيوية المنتجة.
اللافت في هذه الرواية أنَّ شخصياتها لا تقبعُ في مربع أزماتها، ولا تستسلم، فعادل عمُ زهيرة ينصرفُ إلى توظيف خبراته في المشروع، بدلاً من الاستغراق في هموم انفصاله عن اليخاندرا، كذلك الأمر بالنسبة إلى مها التي تداوي جراحها بالحب.
تستمدُ الروايةُ زخمها من الجدل بين الأفكار التي تعبرُ عن إرادات متصارعة، وتكشفُ مستويات متباينة للوعي لدى الشخصيات. ويتجلى هذا المنحى في الحوار المتبادل بين الأجيال، بين زهيرة وجدتها فوزية التي تؤمنُ بأنَّ القرية ستنهض بعد الكارثة، وتعود إلى عهدها المزدهر، غير أنَّ الحفيدة ترى أنَّ الإيمان لوحده لا يقضي على مظاهر البؤس والخراب من جانب، وترفضُ أن تربط مصيرها بإرادة شخص آخر وترفض الزواج بالرجل الذي اختارته الجدة.
هكذا تتشكلُ ملامح شخصية زهيرة، المختلفة عن توأمها الطبيبة زهور، فقد نشأت الأخيرة مدللة مترفة في كنف خالتها وداد، وتبدو أكثر انفعاليةً وانفصالا عن الواقع، إذ تمر بأزمات متتالية وتفقد ثقة فيصل الذي رافق صديقه إبراهيم إلى القرية للمشاركة في المشروع نتيجة انسياقها وراء الوهم. تتفوقُ زهيرة على اختها في حسن إدارتها للحياة في القرية، وتفهمها للواقع ومتطلباته، وتخففها من العلاقات والأمور التي تعيق انطلاقتها، ولا تكونُ مثابةً للتذوق الروحي والهدوء العقلي، أو تعمق إدراكها باللذة الحسية. إذ لا تكتفي ببراعتها في التأسيس للمشروع، بل تبادرُ لترميم شخصية علياء – التي أنقذتها هي والجدة عندما عثرتا عليها شبه ميتة – من خلال إشراكها في ورشة العمل إلى أنْ تتعافي من صدمة تعرضها للاغتصاب على يد المسلحين، وتراودها الرغبة للعودة إلى المدرسة، فيما تنصحها زهيرة بنهل المعرفة من مكتبة البيت الكبيرة، التي تمثل جانبا أساسيا من تاريخ الأسرة ومقتنياتها، بدلاً من الاهتمام بما لا يكسبها مهارات يحتاجها العالم المُعاصر، مشيرة بهذا إلى أصحاب الشهادات من أبناء القرية الذين تنقصهم الخبرة العملية والبصيرة بالتحولات، فالانطلاقات الجديدة لا تستدعي الاستعداد الذهني وحسب، بل تفرضُ رؤية مختلفة لعلاقة المرء بالأشياء والبيئة، وحاجات مجتمع القرية الأساسية، وهذا ما يجسدهُ قرارُ زهيرة بالتخلي عن تعلقها بالخيول التي تكلفها الكثير، واللجوء إلى استخدام الدراجات الهوائية، ما يخفف عنهم المصاريف، فضلا عن كونها صديقة للبيئة.
بموازاة المساعي الرامية لاستكمال المشروع واكتشاف الآبار المنسية، وإنشاء دوارات الرياح لتوفير الطاقة النظيفة، تتواصل غارات المسلحين على القرية وتغدو مصدراً دائما للتهديد، مثلما تستمر محاولات الاندساس وعقد الصفقات المشبوهة فكان يونس المنذري، والد زهور بالتبني ضليعاً في استهدافات تدميرية للصافية. وهو من بقايا طبقة سياسية هيمنت طوال عقود. وبهذا يتضحُ الاستقطاب بين إرادة تتطلع إلى القطيعة مع الواقع المزري وأخرى لا يهمها سوى تراكم المكاسب ولو أدي ذلك إلى مستقبل معتم.
يتحقق التكامل في مقومات المشروع بالتفاعل مع النصوص الرافدينية المتعلقة بإدامة الحياة، مع مواكبة المعطيات العلمية، ويختار القائمون على المشروع اسم «أوما» للمشروع نسبةً إلى مدينة سومرية شهدت سلاماً وازدهاراً في عهد ملكها لوكال زاكيسي، وهنا يفتحُ القوس على البعد الثيمولوجي للكلمة، كما يحيلُ السردُ إلى مدينة هيفن في أمريكا، التي لبثت متماسكةً أثناء موجة الكساد التي طالت حياة الأمريكيين، خلال ثلاثينيات القرن المنصرم.
تبرز ثيمة الرواية البيئية عبر الاهتمام بثقافة البساطة في المعمار، ويصبح البناء البيئي ركنا أساسيا من المشروع، حيثُ يتم إنشاء المباني بالمواد المتوفرة في البيئة المحلية من اللبن الطيني، وجريد النخل، مثلما يكونُ الفضاء السبيراني رافداً لمعلومات بيئية حول طراز الأبنية حيثُ يشارُ إلى تجربة المهندس المصري حسن فتحي، الذي نجحَ في إرساء شكل مختلف للمعمار.
نمو الشخصيات ونهوضها
اللافت في هذه الرواية أنَّ شخصياتها لا تقبعُ في مربع أزماتها، ولا تستسلم، فعادل عمُ زهيرة ينصرفُ إلى توظيف خبراته في المشروع، بدلاً من الاستغراق في هموم انفصاله عن اليخاندرا، كذلك الأمر بالنسبة إلى مها التي تداوي جراحها بالحب. وما يزيدُ من سلاسة السرد وشفافية اللغة، الاقتصاد في الصيغ الاسترجاعية، إذ يتمُ تقديم نبذة عن شخصية الجدة وخلفيتها الثقافية وشغفها بالموسيقى، الذي تورثه للحفيدة، ولا تتوغلُ الكاتبة في سرد المحن الناجمة من الصراعات والاقتتال والإبانة عن مظاهر الرثاثة السياسية، إنما تتواردُ إشارات تذكر المتلقي بالأزمات المتفاقمة، فأحداث الرواية تجري في الأزمنة المقبلة 2026، إذ تفقدُ الحكومات زمام المبادرة وتعمُ الفوضى في 2028.
تتلخصُ الفكرة الأساسية في رواية «مشروع أوما» التي تطوف في أثيرها مبادئ أبيقورية ورواقية، بأنَّ المبادرات الفردية والخلاص الفردي يحققان خلاصا جماعيا، بابتكار حلول للأزمات الحياتية تمنح الأمل بمستقبل أقلَّ قتامة، أما المشاريع السياسية فإنها لا تزيدُ الواقع إلا بؤساً وتقودُ المجتمع إلى الانحطاط والتخلف. ولا تنتهي سلسلة الخيبات المتتالية قبل تعافي المواطن من عدوى الانتظار الذي يضخمُ ظاهرة اللاقيمية.
يبرز هنا دور الروايات الحديثة، إذ لم يعد الغرض من قراءة الرواية المتعة، أو التسلية وحسب، بل التأمل واستنهاض الأفكار ومناقشة الأزمات البيئية والوبائية، والمشكلات التي قد تداهم البشرية، وما يمكنُ أن يكونَ عليه شكل التحديات في المستقبل، كما رأينا في رواية «مشروع أومّا» التي قدمت نمطا من رواية بيئية برؤية مستقبلية، تمزج بين التقاليد المعيشية الإيجابية والمعارف الحديثة، وهذا من سمات الروايات المعاصرة العالمية، التي تغيب غالبا عن معظم الروايات العربية، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض الاستثناءات كرواية «الطريق الرابع» للبنانية ناتالي الخوري غريب.
كاتب عراقي