عادل العوفيلا يختلف اثنان حول صوت الفنانة جوليا بطرس ولا في الشعبية الهائلة التي تحظى بها لدى الجمهور العربي كيف لا وهي التي صدحت بأعلى صوتها من اجل حرية الإنسان العربي وانعتاقه من القيود التي كبلته لعقود طويلة وهي نفسها التي رفعت راية الغناء الجاد والملتزم وخصت المقاومة بأغاني ستظل عالقة في الوجدان على غرار ‘نحن الثورة والغضب’ و’وين الملايين’ و’غابت شمس الحق’ وغيرها الكثير. ولعل عشاق هذه النجمة يعيشون على أعصابهم كلما دنت ساعة طرح البوم جديد لها خاصة ونحن نعيش عصر الإسفاف والسطحية على مستوى الغناء وكذلك مع الانتشار المخيف لفضائيات العري والسخافة، ولكن الشيء الذي لم يكن في الحسبان ولم يكن ليخطر ببال الكثيرين المنتشين بخبر الإصدار الجديد لجوليا الذي حمل عنوان ‘يوما ما ‘ والذي جاء بعد غياب طويل امتد لست سنوات كاملة منذ أغنية ‘أحبائي’ المستمدة من كلمات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وخلفت أصداء طيبة خاصة مع المبادرة الرائعة التي صاحبتها والتي تمثلت في إحياء سلسلة من الحفلات شملت عدة بلدان عاد ريعها بالكامل بالإضافة إلى عائدات بيع الألبوم لشهداء حرب تموز والتي قدرت فيما بعد بثلاثة ملايين دولار مما يبرز بوضوح معدن هذه الفنانة الأصيل، رغم أن الشيء الغريب هو الدعاية الضعيفة التي رافقت صدور الألبوم الجديد رغم أنني شخصيا استهجن توقيت طرحه حيث أن العالم العربي يعيش مخاضا عسيرا ووضعا مغايرا عن الذي اعتدناه منذ أمد بعيد وذات التقلبات تسربت إلى عالم الفن مما افقد الكثيرين ممن كانوا يصنفون نجوما توازنهم والأمثلة لا تعد ولا تحصى رغم أن تاريخ جوليا ربما يشفع لها في خطوتها هذه والتي اعتبرها غير مدروسة مع احترامي الشديد لها ورغم أني كذلك كنت ممن تجشموا عناء انتظار جديدها طويلا وحاولت رسم صورة مبدئية له في خيالي وتساءلت كثيرا مع نفسي عن موقفها من الربيع العربي وزمن انتفاضة الشعوب العربية التي لطالما اعتبرناها حلما عصيا على التحقق وهي التي شدت بصوتها من اجل الحرية والثورة وكسر حواجز الخوف سواء في مواجهة الاحتلال وجبروته وحتى للوقوف في وجه الديكتاتورية وسمومها وهما وجهان لمعاناة واحدة كان الإنسان العربي ابرز ضحاياها.
يتضمن الألبوم تسع أغان توزعت بين العاطفي وبين الخط المعهود لدى جوليا غير أن الأغنية التي صنعت الحدث فلا نزال حائرين في تصنيفها والى أي نوع تنتمي وأي فئة تستهدف بالضبط وهي أغنية ‘أطلق نيرانك لا ترحم’ والتي أحدثت انقساما وشرخا كبيرين في الأوساط الفنية ولدى عشاق ومتتبعي أعمال جوليا خصوصا مع الفيديو الذي أطلقته شبكة شام الإخبارية السورية المتضمن للأغنية ومعها إهداء إلى الجيش العربي السوري ما افرز تساؤلات عديدة حول موقف الفنانة من الثورة السورية وما يجري حاليا على الأرض هناك وما أجج من سخط البعض وترحيب وإعجاب لدى البعض الآخر هو غياب أي رد رسمي لنفي أو تأكيد مدى صحة الخبر وكذلك للتأييد اللامشروط الذي كانت تبديه لما يسمى بخط الممانعة الذي ظل النظام في سورية يتغنى به ليل نهار، غير أن الأنباء القادمة من الحفل الأخير الذي أحيته صاحبة ‘بتنفس حرية’ في بيروت فند كل هذه الادعاءات خصوصا مع الأسلوب الاستعراضي الذي تعمدت إبرازه لحظة أداء الأغنية ومن وجود لأعلام لبنان وتحية جيشه الوطني بالاستعانة بجنود من فوج المغاوير على شكل إنزال عسكري على خشبة المسرح في رسالة واضحة على كل اللغط المثار حولها وكما يقال فرب ضارة نافعة فمع كل تلك البرودة التي تطرح علامات استفهام عديدة حول غياب الدعاية الكافية لإطلاق البوم فنانة من هذا الطراز خلق انتشار ذلك الفيديو واستغلاله لتلك الأغنية الهالة التي كان من المفترض وجودها أصلا في هكذا حدث، وهنا من حقنا أن نتساءل هل كل ذلك الصمت المستفز أحيانا من لدن الفنانة والمقربين منها كان بهدف الحفاظ على التشويق حتى لحظة صعودها منصة الحفل وبالتالي كسب نجاح مضاعف له؟ ولماذا يتم الاكتفاء برسائل من هذه النوعية دون الخوض في التفاصيل ووضع الإصبع على الجرح لدرء أي تفسيرات أخرى قد لا تخدم الفنانة وتاريخها الحافل والمشرف؟
مؤخرا صرت اشعر بالشفقة على ما آلت إليه أحوال الفنانين العرب ولم اعد أجد فرقا شاسعا بين ما يعتريهم من خوف وما يصيبهم من تردد أثناء أي حوار صحفي خشية زلة لسان قد تعصف بكل ذلك الرصيد الذي افنوا سنوات عمرهم من اجل تشييده وبين أولئك المعروفين برجالات الأنظمة والمحسوبين عليها فكلما تداعى ذلك النظام سرعان ما نجدهم يبحثون عن صكوك غفران لعلها تحفظ لهم ماء الوجه.. إنها رياح التغيير يا أعزائي.. بساطة أصالة مع فرقة بساطة اعترف أنها المرة الأولى التي أتابع فيها برنامج أصالة الجديد والذي تناولته العديد من وسائل الإعلام باهتمام بالغ وشديد ورغم كل ذلك المدح فقد أحسست بنفور حاد تجاه البرنامج حتى قبل متابعة ‘البرومو’ الخاص به رغم انني من المغرمين بصوت الفنانة السورية ولكني لا زلت غير مقتنع باستباحة الكثيرين لميدان التقديم التلفزيوني وتحويله إلى حقل تجارب عادة ما يكون المشاهد اكبر ضحاياه وفق نزوات هؤلاء وحتى القائمين على التلفزيونات العربية، وكي أكون صادقا فبمحض الصدفة أثارت انتباهي أغنية تحمل كلمات بسيطة من العامية المصرية الرائعة يتناوب على إنشادها مجموعة من الشباب موزعين على عدة الآلات موسيقية لا تفاجأ فيما بعد بوجود الفنانة أصالة فيما بينهم بل ومشاركة في غناء بعض فقرات الأغنية والتي جذبتني إليها وجعلتني أتابع البرنامج إلى نهايته بل والأدهى أني ومباشرة بعد ذلك أعدت مشاهدة الحلقة كاملة على اليوتوب لاكتشف ان هؤلاء الشباب ينتمون إلى فرقة مصرية تسمى ‘بساطة’ وهي حقا اسم على مسمى فجل إبداعاتهم مستوحاة من الواقع اليومي المعاش ودون مغالاة وبكلمات قريبة من المواطن العادي لكنها تحتوي في طياتها معاني كبيرة وعظيمة ليست غريبة على شعب لا يعترف بالمستحيل ويهوى صنع المعجزات ولعل آخرها تلك الثورة المجيدة التي جعلته محط إعجاب الجميع وحديث العالم بأسره، ولكن النقطة التي تجدر الإشادة بها هي خطوة استضافة هؤلاء الشباب والتعريف بمواهبهم وتسويقها في شتى أرجاء الوطن العربي وهذه بادرة تحسب للفنانة أصالة ولزوجها المخرج طارق العريان المشرف على البرنامج والأجمل حس الدعابة بل وحتى التواضع الكبير الذي قابلتهم به وإصرارها على مشاركتهم الغناء حتى في أغان ليست ذائعة الصيت خارج مصر وهي من انتاجات الفرقة الخاصة من قبيل ‘حالنا حال’ و’هيلا هيلا’ وهي خصلة مفقودة وللأسف في الكثير ممن يلقبون بالنجوم عربيا فقد سئمنا من التغني بوجوه أشهرت إفلاسها ولا تزال مصرة على أن تجثم على أنفاسنا ولا هم لها سوى تكرار الحديث عن انجازاتها ومسيرتها الفنية التي حفظناها عن ظهر قلب، نحن نعيش عصر التغيير والثورات لذلك كل تلك الرواسب والخلفيات البالية صار لزاما علينا دحرها إلى غير رجعة ومنح الفرص لهؤلاء الشباب المبدع، ولعل الشيء الذي يثلج القلب هذه القفزة الملموسة وهذه الطفرة التي أفرزتها ثورة مصر العظيمة واخص بالذكر هذا المجال تحديدا صحيح أن المحروسة كانت دوما الرائدة وهي صاحبة التخصص ولا يعلى عليها ولكن هناك بوادر جيل جديد يتفنن في إبداء عشقه لوطنه بأساليب مبتكرة وجديدة الأكيد أن نفس وروح ميدان التحرير وميادين كل مصر لها الفضل الأكبر في ذلك.. فنانان في المحاكم لطالما أسرتني مرايا الفنان القدير ياسر العظمة التي انطلقت منذ سنوات طويلة وظلت بحق مرآتنا الحقيقية التي نتلمس من خلالها أوجاعنا ومآسينا وكانت صوت الكثيرين ممن اختاروا اجترار الصمت وعذاباته، في السنوات الأخيرة انزوى مهندس تلك الملحمة بعيدا مفضلا الغياب القسري احتراما لكل عشاقه ومحبيه ومجنبا نفسه دخول متاهات قبرت أحلام البعض من زملائه لم يحسنوا التعامل مع تقلباتها وانساقوا إلى الاستخفاف مع الصنف الأصعب في مجال الدراما وهو الكوميديا. كثر القيل والقال عن انسحاب العظمة ومراياه بين مستهزئ به واعتباره بمثابة إفلاس فني لنجم أضاء الكوميديا العربية ببصمة مميزة وباحترام وتقدير كبيرين، وبين من يعتبرها استراحة محارب لا اقل ولا أكثر وسرعان ما سيعود البطل إلى جمهوره سريعا لمواصلة المشوار.
وبالفعل صدقت تكهنات أصحاب النيات الحسنة وفي الموسم الرمضاني الأخير استبشر الجميع خيرا بولادة جزء جديد من السلسلة الشهيرة عربيا وبنفس الكادر تقريبا مع بعض الإضافات التي اهتمت بمنح الفرصة لشباب جدد كعادة الفنان ياسر العظمة دوما الدائب على تلك العادة والتي أفرزت مواهب عديدة منها من يعتبر من نجوم الصف الأول حاليا في سوريا سواء على صعيد التمثيل وحتى الإخراج، ولكن الملاحظة الغريبة والتي أفسدت فرحتنا بالعودة هي الخطوة التي تلت عرض العمل وهي انسياق نجمنا الكبير وراء الأقاويل العديدة التي طالت علاقته بالفنان بشار إسماعيل مما أدى مؤخرا لرفعه دعوى قضائية عليه في خطوة نالت استياء الجميع ممن يكنون كل الحب والتقدير لهما معا (رغم أن بعض الظرفاء لم يستطيعوا الفصل بين جدية الموقف وبين لوحات سلسلة المرايا والتي عادة ما كانت تعرف صراعا خاصا بين الفنانين ويظهران دوما في ادوار يكن فيها الأول للثاني عداء خاصا ويمارس سلطته عليه أو العكس) خصوصا وان الظرفية لا تسمح بالدخول في متاهات من هذا النوع وسوريا تعيش منعطفا تاريخيا حاسما وهي في حاجة ماسة للم الشمل بين كافة أبنائها ولفنانين من حجم وقيمة ياسر العظمة دور كبير عليهم الاضطلاع به لذلك نتمنى منه مراجعة أوراقه من جديد وطي صفحة الخلافات لان مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.’ كاتب من المغرب[email protected]