فاطمة ناعوت
ستُّ سنوات وعشرةُ أيام بالتمام والكمال كانت كل رصيدي من الحياة حين مات جمال عبد الناصر يوم 28 ايلول (سبتمبر) 1970. كنت في مشارف العام الثاني الابتدائي ولم تكن علاقتي به وقتئذ تتعدي صورة مستديرة صغيرة جدا بقطر 5مم تحمل وجه بابا جمال، تتوسط قلبَ نسرٍ بلاستيكيٍّ ملون في ظهره دبوسٌ صغير معقوف تشبكه لي المعلمة في صدر الماريول لأنني طلعت الأولي علي الفصل في مدرستي كلية البنات القبطية CGC . لونُ النسر يحدد درجة التفوق، فالأزرق يعني الترتيب الأول والأحمر يعني الثاني والأصفر يعني الثالث. وكنت أنتظر بشغف يوم ظهور نتيجة الامتحان كل شهر كي أحصد نيشانا جديدا يحمل صورة ناصر. وكان أن امتلأ درج مكتبي بالكثير من النسور والكثير من ناصر! هذه علاقتي الخاصة به، أما العامة فكانت صورته الشهيرة بوجهه المصري الحاسم الوسيم فوق جدران فصولنا وبيوتنا ومؤسساتنا وقلوبنا أيضا. كان محبوبا وصورته تتصدر حياتنا من هذا المنطلق وليس سواه. فقط يكفي أن يمر موكب الرئيس من أمام بيتنا في العباسية بسيارته الكابورليه المكشوفة حتي يهرع الناس من بيوتهم نساء ورجالا وأطفالا وشيوخا، أسيادا وخدما وبوابين وطهاة، ليصطفوا علي جانبي الطريق كي يتلقوا تلويحته الشهيرة لهم. أحبَّ ناصرُ الشعبَ والعروبةَ وفكرةَ القومية فأحبه الجميعُ. وليس أدلّ علي ذلك الإجماع الجماهيري العروبي لناصر، الذي مُنح له علي كارت بلانش دون قيد أو شرط، علي الرغم من بعض السلبيات التي شابت التجربة الناصرية، سوي مظاهرات 9 و 10 حزيران (يونيو) عام 1967، تلك التي شارك فيها الملايين من الشعب المصريّ والعربيّ رافضين استقالته من منصبه كرئيس مصر، عقب هزيمتنا العسكرية في حزيران (يونيو) الأسود، وكذلك: نقول لا لجمال عبد الناصر، وهو البيان الذي أصدره مجلس الشعب المصري لرفض تنحي الزعيم والأب الروحي للشعب حيث قالت لطيفة الزيات: لا يحق لأحد كان، أن ييتم شعبا بأسره! حتي الملوك والرؤساء العرب ممن كانوا علي خلاف مع ناصر ومع تجربته لم يكن في وسعهم سوي اتخاذ الموقف الذي ينسجم والمطلب الشعبي العام لجماهير العرب فانخرطوا بدورهم ضمن حشود الملايين المتظاهرة بشأن مطالبته بالتراجع عن فكرة التنحي التي أعلنها في خطابه التاريخيّ الأشهر. حتي ان المحللين السياسيين وجدوا في تلك التظاهرات الجماعية الإجماعية استفتاء شعبيّا حقيقيا ورسميّا علي ناصر ومشروعه. واعتبروا أن ذلك الاحتشاد التلقائيّ غير المرتَب له من الملايين المُجْمِعة علي ناصر بمثابة تجديدٍ للثقة والبيعة له. وكأن لسانَ حالهم يقول إن ناصر أكبر من النكسة (كانت هذه كنيتَها الرسمية كما أسماها الساسةُ والمحللون العسكريون آنئذ، ولم تبدأ في أخذ كنيتها الحقيقية الأدق كهزيمة عسكرية حقيقية إلا بعد ذلك بكثير). وسرعان ما استجاب ناصر للمطلب العام وشرع من فوره في تدشين مقاومة مسلحة ضد العدوان، ومن ثم حرب الاستنزاف. وتأكد ذاتُ الإجماع علي ناصر، كشخص وكزعيم، يوم جنازته في الأول من تشرين الاول (أكتوبر) عام 1970، تلك التي شارك فيها عشرات الملايين من المصريين والعرب، وهو ما دعا صحيفة ألمانية لأن تصف جنازة جمال عبد الناصر بأنها موكبٌ جنائزيٌّ لم يحدث مع جنكيز خان أو لينين أو أتاتورك أو غاندي أو كنيدي، وانها أكبر جنازة شهدها التاريخ. وكنتُ مثل جل المصريين والعرب مبهورة بنموذج بابا جمال، كما كنا ندعوه، ولم يَشُبْ حبي له شائبةٌ إلا بعدما شبَّ وعيي لأبدأ مرحلة تقييم العالم من حولي، فكان أن رحت أرصد أخطاءه وأخطاء الثورة وثغرات الدستور المصري. سوي أن حبي لجمال عبد الناصر ظلَّ حبّا رغم كل شيء. حبٌّ معاتِبٌ، أو عتَبٌ محبٌّ. حبٌّ ملتبس، وهو بظني درجةٌ أرقي مرتبة وأرفع من الحب الصافي أحادي اللون. أعلمُ تماما ما قدمه ناصر لبلادي وللعروبة وللقومية، حلمِه الموؤود. أعلم. لكن. هل أغفر للناصرية فصلها الديموقراطية الاجتماعية عن الديمقراطية السياسية والمقايضة بينهما كأن إحداهما تغني عن الأخري؟! أم أغفرُ إلغاءها كل الأحزاب السابقة عليها وحلّها؟ (رغم أن محمود أمين العالم قال لي مرة إن جمال كان ينوي السماح بتكوين أحزاب قبيل موته مباشرة لكن القدر لم يمهله، وهو ما جعل البعض يشكك في أن ميتته طبيعية). أم أغفر اتخاذها من الاشتراكية العلمية شعارا واسما براقا من دون انتهاج حقيقيّ لنهجها الفكري والاجتماعي والاقتصادي؟ فلا ملكيةَ عامة لوسائل الإنتاج ولا دكتاتوريةَ بروليتاريا ولا تصفيةَ فعلية لعلاقاتِ الإنتاج الرأسماليّ، ما أنتج في الأخير رأسمالية دولة وليس اشتراكية صحيّة كما أنتجتها بلادُها. والآن ضاع من بين أيدينا الأمران، فلا حياةَ حزبية حقيقة نحياها ولا عدالةَ اجتماعية حقيقية. هل أغفر للثورة طابعها العسكريتاري – المصطلح من ابتكار المؤرخ صلاح عيسي- الذي عالجت به اختلافاتها الفكرية مع المثقفين، ممن كانت لهم تحفظات علي مبادئ الثورة، بالقمع والاعتقال مثلما حدث مع شيوعيي مصر عام 1995؟ وأما الذي مستحيلٌ أن أفهمه فضلا عن أن أغفره فهو البند العنصري العجيب في الدستور المصري الذي ينص علي إسلامية الدولة المصرية، بما يعني أن كلَّ مسيحيٍّ في مصر هو مواطن من الدرجة الثانية! هالني، أول أمس، حين طالعتُ كتاب الفلسفة الخاص بابني في الصف الأول الثانوي في درس حول الفلسفة والدين. فيما يشرحون أن الفلسفة لا تتعارض مع الدين لكنهما كليهما يبحثان عن الحقيقة، والدليل هو: ثم استشهادات من القرآن، وحسب. وكأن (الدين) في إطلاقه يعني الإسلام! وهذه مقولة إسلامية طبعا: إن الدين عند الله الإسلام، لكن هل يجوز لنا أن ندلل علي شيء بدليل من داخله؟ هذه المقولة القرآنية يفهمها المسلمون، لكن هل يفهمها المسيحي أو اليهودي؟ مصرُ بلدٌ إسلاميّ؟ طيب ماذا عن خمسة عشر مليون مسيحي أي أكثر من 10 % من مواطني مصر هم مسيحيون؟! وكانت نسبتهم عام 1975 حسب الإحصاءات الرسمية 18% من سكان مصر. فماذا عنهم وهم سكان البلد الأصليون؟ ثم هل يحق لنا بعد ذلك أن نندهش من الفتن ومشكلات الأقليات؟ كيف سمحنا لأنفسنا بالتطور إلي الوراء؟ ولدستورنا أن يتقهقر إلي ما وراء الصفر فيقصي بعض مواطنيه بسبب عقيدتهم بعدما رفع سعد زغلول والمصريون عام 1919 شعارا رفيعا يقول: الدين لله والوطن للجميع. هذا رغم أن ثورة يوليو قد أنجزت مهمة رائعة بتحويل الأزهر إلي جامعة مدنية علمانية ما وشي برغبة الثورة في إشاعة الطابع العصري في البلاد. أم هل أغفر في الأخير ما نجنيه اليوم من تدني مستوي الوعي العام لدي المواطن المصري جراء رغبته، الحقيقية، في شيوع التعليم كحق مجاني لكل مصري كالماء والهواء مثلما ذهب طه حسين؟ لكن أي تعليم أنتجته المجانية؟ وأي مستوي من خريجي الجامعات المصرية نراه الآن؟ وربما تأكيدي علي معاتباتي علي ناصر يحمل، ضمنا، امتناناتي له من جانبها الآخر، سوي أن المجال يضيق عن سرد منجزات هذا العظيم لأنها أجلي من أن نتكلم عنها الآن. ففي عهده أُنشئت أول وزارة للثقافة عام 1958، وتلتها من بعد العديد من المؤسسات الثقافية الكبري مثل هيئة المسرح والهيئة العامة للكتاب وهيئة السينما وأكاديمية الفنون وغيرها. وازدهرت في عصره حركة الترجمة والنشر ومثالنا سلسلة الألف كتاب وغيرها من المنجزات الرفيعة التي لم نستطع للأسف المحافظة عليها كليّة بسبب انهيار قيمة الثقافة والمثقف في زماننا الراهن. كان، ويظل، جمال عبد الناصر بالفعل جديرا ومستحقا لهذا الإجماع العربي عليه. والآن تحديدا، بعد ما حملته لنا الثلاثة عقود الماضية، بوسعنا أن نقدّر أكثر قيمته وعروبيته وثراء مشروعه، ولو خاب التطبيق، شأنه شأن كل المشروعات الكبري التي تحول الحياةُ دون تحقيقها علي النحو الأمثل. ثم اكتشفت حبَّ الشعب اليمني لناصر، الأدق إكبارهم وتقديسهم له. كنت في أمسية شعرية بصنعاء عام 2004، وألقيت قصيدتي المتعَب حيث سطر فيها يقول: ثَمَّ سبيلٌ للنجاة/ بغير الحاجة إلي البرابرة/ أو البكباشيّ طويلِ العنق، ، فسرت في القاعة همهمةٌ صاخبة عند هذا المقطع تحديدا لم أفهمها في حينها. علي أنني بعدما نزلت عن المنصة لامني بعضٌ كثيرٌ من أصدقائي اليمنيين لأنني أهاجم ناصر! فرددت أن قصيدتي لم تهاجمه ولم تمدحه، بل تعالج فكرة الانتظار، سواء انتظار المُخَلِّص الآتي بالرغد والسعادة كناصر، أو الخوف من انتظار البرابرة الآتين بالويل والخراب كالأمريكان، وأما قصيدتي فتناهض هؤلاء وهؤلاء. هؤلاء المنتظرين أبدا، لأنهم المتعَبون بالانتظار السرمديّ للذي لا يجيء. ذاك أن ما ننتظره، خيرا كان أو شرّا، موجودٌ داخلنا نحن، داخل أنفسنا وأرواحنا وأدمغتنا. وبوسعنا، بشيء من إعمال الطاقة الروحية، أن نستحضره من عمق ذواتنا. لم يقتنع أحد بكل سفسطتي طبعا ونصحني الناصحون ألا ألقي هذه القصيدة في جامعة عدن غدا كيلا أُرمي بالحجارة. لكن كاريزما ناصر لم تتوقف عند الحدود العربية بل تجاوزتها علي نحو فائق إلي مدي أرحب عبر العالم بأسره. يوم وفاة ناصر كانت تُجري لي جراحة استئصال اللوزتين في مستشفي مورو بحي الدقي القاهري، وهو مشفي أجنبيّ جلُّ طاقمه الطبيّ وجل مرضاه من الجاليات الأوروبية في القاهرة. كنت للتوّ قد أفقت من المخدر وحولي جدي وجدتي وأمي وأبي. جدي جلب لي من الحجاز مسبحة فسفورية. وضعها بين كفيه وأغلقهما وفرّج بين أصابعه فرجة جعلني أنظر منها. كانت حباتُ الخرز تضيءُ بنور أخضرَ مشعٍّ. واعتبرتُ هذا شيئا من السحر. وفجأة، وفي غمرة نشوتي بالهدية الثمينة، وجدت الجميعَ يركض من حولي، ماما وبابا وجدي وجدتي وكل السيسترز والأطباء والمرضي. لم يعد هناك أحد. وخلا العالم إلا مني. خرجت أتعثر في ثوبي وقد تملكني الرعب وحيدة في المبني الضخم. تهالكت علي الدَرج ورحت أبكي. بعد برهة وجدت الجميع يعود بين باكٍ وواجمٍ والأسي يكسو الوجوه. احتضنني جدي وحكي لي معني أن يموت الزعيم. بابا جمال ذهب عند الله؟! لتكون هذه أول حادثة موت أصطدم بها وتصطدم بي. وتكون أيضا أول ارتباكة تواجه شعب مصر: من بوسعه الآن أن يملأ ذلك الفراغ، الذي تركه جمال عبد الناصر؟
ہ شاعرة مصرية