«البلاغة والرواية»: محمد مشبال يقترح مقاربة موسعة للنص الروائي

من الشعر إلى السرد

منذ القديم ارتبطت البلاغة، بما فيها البلاغة العربية، بالشعر، فلا تُذكر في الغالب الأعمّ إلا مقرونة بما يتيح لها الفنّ الشعري من أساليب التعبير الفني من تشبيه واستعارة وغيرهما، إلى درجة أنّ البلاغة تمّ اختزالها في شقّها الجمالي والتخييلي واعتنت، في المقام الأول، بإبراز وجوه تحسين الخطاب، ومن ثمّة تقلّصتْ إلى كونها نظرية في الصور، بل في الاستعارة باعتبارها الصورة المركزية في حقل البلاغة، مثلما ذاع الأمر مع جماعة مو تحت تأثير النموذج اللساني البنيوي.
وفي سياق تطور النظرية الأدبية ومفاهيمها الجديدة، وما حصل داخل عمارة الأجناس من تداخل واقتراض من بعضها بعضا، بموازاة مع تطور مفهوم البلاغة نفسها، ولاسيما مع «البلاغة الجديدة» التي أطلقها شاييم بيرلمان وحصرها في دراسة تقنيات الحجاج، ظهرت اجتهادات نظرية ونقدية تروم توسيع المقاربة البلاغية، لتشمل مجموع الخطابات الأدبية وغير الأدبية، وهكذا أخذت تظهر «بلاغات» تعنى بدراسة هذا الخطاب أو ذاك، مما كانت تتيحه الممارسات الدالة في الحقبة الحديثة: بلاغات خاصة بالأجناس الأدبية، وبلاغات عامة لكلّ الخطابات. وضمن هذه الاجتهادات التي انفتحت على حقول معرفية؛ مثل الأسلوبية والسرديات والسيميائيات والتداوليات ونظرية التلقي، يمكن أن نستشهد بما كتبه ميخائيل باختين، ووارين بوث، وستيفن أولمان، ودافيد لودج، وجيرار جينيت، وهنري ميتران، وجو إيف تاديي وغيرهم؛ بحيث بحثوا في «الصورة» وكيفيّات تشكلها وأنماط بنائها وسماتها ووظائفها داخل النظام السردي عامة، والروائي بوجه خاص، سواء في علاقتها بالمتكلم، والشخصية الروائية، وتقنيات الكتابة التي عرفها السرد، والهندسة النصّية للجنس الروائي، وبالقارئ نفسه. ورغم ما كانت تنطوي عليه مقارباتهم النقدية من اختلاف وتنوّع وتعارض أحيانا، بحكم تباين المرجعيات النظرية التي اعتمدوها وانطلقوا منها، أو بالنظر إلى المتون السردية التي درسوها وأقاموا عليها جهودهم التحليلية، إلا أنهم أسسوا قواعد متينة أعادت النظر إلى بلاغة السرد باعتباره آلية دينامية ووظيفية، وربطت هذه البلاغة بمجموع مكوّناتها اللغوية والأسلوبية والبنائية، وفي طليعتها بلاغة الرواية بما هي كون لغوي وتصويري متعدد الأصوات ومتشابك العوالم والرؤي التي تعبره، يحتكم إلى الانزياح بدل المعيار، ويضمّ ما هو تخييلي وحجاجي جنباً إلى جنب، تبعا لطبيعة الجنس ومهيمناته النصّية.
ولم يكن النقد العربي المعاصر في معزل عن هذه التطورات التي حدثت في نظرية الأدب، وفي مجال البلاغة الجديدة تحديدا؛ إذ ظهرت دراسات مُهمّة أفادت منها لبناء منظورها لبلاغة السرد العربي القديم، أو لبلاغة الرواية على نحو من الأنحاء، حاولت من خلاله أن تستقصي نصوص المتن السردي العربي ومكوناته الخطابية ضمن ما تقترحه من سمات وجماليات جديدة وعوالم ممكنة. وفي هذا السياق، يمكن أن نذكر دراسات محمد أنقار، وأحمد اليابوري، وحميد لحميداني، وإدريس قصوري، وشرف الدين ماجدولين، ومحمد فكري الجزار، وعبد الرحيم وهابي، وليس آخرهم محمد مشبال.

بلاغة موسعة

في كتابه «الرواية والبلاغة: نحو مقاربة بلاغية موسعة للرواية العربية» يقدم الباحث الأكاديمي المغربي محمد مشبال، ضمن هذا الأفق المعرفي الجديد، مساهمة نقدية مُهمّة لدراسة بلاغة الرواية، والكتاب هو جزء من مشروع نقدي- بلاغي متواصل، بدأه الباحث منذ أواسط التسعينيات، وتفاعل من خلاله مع اجتهادات باحثين غربيين وعرب، ودفع به إلى إعادة صياغة البلاغة واستثمارها على نحو أوسع في التنظير للخطابات وتحليلها ضمن ما صار يُصطلح عليه بـ«البلاغة الرحبة». فقد سبق له أن طبّق هذا المنظور البلاغي المُوسَع في دراسة أنواع من النثر العربي القديم، كما في «بلاغة النادرة» (1997) و»البلاغة والسرد.. جدل التصوير والحجاج في أخبار الجاحظ» (2010) و»خطاب الأخلاق والهوية في رسائل الجاحظ» (2015) ووجدنا كيف يستعير مفاهيم ومبادئ وأدوات عديدة من حقول النقد الأدبي والشعرية وتحليل الخطاب والتداوليات وغيرها لتطوير هذه المنظور وتثمينه، كما في «بلاغة الحجاج.. نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات» (2016).
وإذن، فالباحث ينطلق من عُدّة معرفية وإجرائية ذات اعتبار، وهو يأخذ البلاغة إلى دائرة السرد، وينكب على دراسة العلاقة بين البلاغة والرواية بقدر تفكيك ممكناتها الخطابية، منطلقًا من سؤال إشكالي رئيس: ماذا يمكن أن تقدمه البلاغة لجنس أدبي أحدثت نصوصه ثورةً أسلوبيّةً تعجز أدواتها العتيقة عن وصف طبيعتها وضبط إمكاناتها؟ ما عساها تصنع في سياقٍ حلّتْ به تنظيرات جديدة كشفت عن أساليب لم تكن لتخطر في بال البلاغيين؟ يكشف هذا السؤال حاجة مُلحّة لتوسيع دائرة البلاغة، حتى يكون بوسعها أن تُقارب الرواية وغيرها من الأنواع السردية بمُكوِّناتها الخطابية كافة التي تتشكل منها (بنيات لغوية، أسلوبية، سردية، حجاجية وحوارية) من ثمّة يكون بوسعها أن تُغني أدواتها ومبادئها لاستيعاب استراتيجيات خطابية وتعبيرية جديدة باتت النصوص الوصفية والسردية، وحتى الشعرية نفسها، تنتجها على غير مثال سابق. وهكذا تستطيع مثل هذه البلاغة الرحبة أن تستوعب سمات ومظاهر جمالية جديدة ومختلفة، تتجاوز خانات الوجوه الأسلوبية المعهودة، مما كان يُعتقد أنها ليست من اختصاص البلاغة أو في صميم اهتمامها.
لبناء هذه المقاربة البلاغية المُوسّعة، أو بالأحرى تمتين كفايتيها النظرية والإجرائية، ينطلق الباحث من افتراضٍ أنّ على البلاغة أن تقطع مع عهود الاختزال والكفاف، عبر انفتاحها على علوم النص وتحليل الخطاب والشعرية والنقد الأدبي؛ لأنّ من شأن ذلك أن يُمكّن المحلل البلاغي من جملة من المبادئ والأدوات للاقتراب من جماع التقنيات، أو الإمكانات التي تُشكّل بلاغة النص الأدبي عامة، والروائي خاصة. وبالنظر إلى بلاغة الرواية وما تفرضه طبيعتها الخطابية المركبة، ينبغي أن يراوح عمل المُحلّل بين المكون اللغوي (الصور الأسلوبية) وجملة من الاستراتيجيات السردية القائمة على مفهوم الحواريّة المركزي، ومفهوم الوحدة السردية أو الوظيفة، ومفهوم البنيات السردية، ثم مفهوم البعد الحجاجي، الذي لا يخلو منه نص روائي. ومن هنا، تتحول مثل هذه البلاغة إلى حقل معرفي وجمالي، يعنى بوصف النصوص وتأويلها، مثلما يعنى بتحليل الخطاب في علاقته بسياقات النص والنوع والتلقي، على نحو يوسع دائرة إمكاناتها التحليلية ويجعل منها بلاغة نصّية ونوعية. ولهذا، لا يمكن للتحليل البلاغي أن يستغني عما يمكن أن تمدّه به الحقول المعرفية الأخرى (الأسلوبية، لسانيات الخطاب، السيميائيات، نظرية التلقي، التحليل النفسي..) من مفاهيم وأنظار ومقترحات متنوعة، إذا علمنا بأنّ اختلاف البلاغة مع هذه الحقول والمعارف هو «اختلاف تكامل لا اختلاف تنافٍ». لكن دون أن يغرق المحلل في «الهاجس المنهجي» أثناء الوصف والتحليل؛ أي أن يكون تحليل النص تحت رقابة المنهج وتوجيهاته المتصلبة، بدلاً من أن يتخذ هذا المنهج أداة مسعفة لإنتاج المعرفة التي تقوده إلى اكتشاف الرواية وكنوزها الخبيئة.

سبيل تأصيل نظري لبلاغة النص السردي أو الروائي تحديدا، يبادر الباحث محمد مشبال -أوّلًا- إلى محاورة الدراسات النقدية السابقة التي تمّتْ في هذا المضمار، ولاسيما تلك التي عادت إلى البلاغة في خطابها التحليلي، وذلك عبر نقدها وبيان ما فيها من ثغرات أو ثمار تحتاج إلى استثمارها وإغنائها.

تأصيل ونقد

في سبيل تأصيل نظري لبلاغة النص السردي أو الروائي تحديدا، يبادر الباحث محمد مشبال -أوّلًا- إلى محاورة الدراسات النقدية السابقة التي تمّتْ في هذا المضمار، ولاسيما تلك التي عادت إلى البلاغة في خطابها التحليلي، وذلك عبر نقدها وبيان ما فيها من ثغرات أو ثمار تحتاج إلى استثمارها وإغنائها. وقد ميّز في هذه الدراسات التي توسلت بالبلاغة في تنظيرها للرواية أو تحليلها، بين ثلاثة أصناف:
صنف يستخدم لفظ البلاغة مقترناً بالسرد أو بالرواية، دون أيّ إطار نظري أو مُسوِّغ نقدي.
صنف يستخدم لفظ البلاغة مقترنا بهما، بناءً على استعارة مصطلحاتها وأدواتها في صياغة العناوين وإقامة نوع من التطابق بينها وبين مفاهيم السرديات، لكن لا يصدر عن أي إشكال نظري يمكن استثماره في تحليل النماذج الروائية، ما جعل مادته التحليلية لا تخلو من تناقضات أو من وعي إجرائي ببلاغة الرواية.
صنف يدخل في حقل بلاغة السرد أو الرواية، ويصدر عن وعي دقيق بإشكالاتها، من خلال استثماره أدوات البلاغة ومفاهيمها، في سياق خطابي جديد، أو إعادة صياغة مباحثها، بتوسيعها وإغنائها في إمكانات جديدة. وهذا الصنف هو الذي ناقشه وتفاعل مع طروحاته النقدية التي استفادت من التصورات النقدية الغربية ذات الصلة؛ ومن أبرز ممثليه محمد أنقار في تصوره لما اصطلح عليه بـ»الصورة الروائية» أو استثماره لمفهوم «السمة» وأحمد اليابوري في مناقشته لقواعد البلاغة النوعية للرواية بمختلف أشكالها من منظور «المقاربة الانشطارية» وإدريس قصوري من جانب تحليله الأسلوبي- الباختيني، ومحمد فكري الجزار من خلال مزجه بين حقلي البلاغة والسرديّات.
بعد هذا المجهود التأصيلي، ينتقل الباحث إلى تحديد المكونات الأساسية التي يتشكل منها مفهوم بلاغة الرواية، منفتحا عبرها على جهود الغربيين وأنظارهم المعرفية (ديفيد لودج، ستيفن أولمان، هنري ميتران، ميخائيل باختين، رولان بارت، جماعة مو، واين بوث، روث أموسي..) التي ناقشت أبرز المشكلات التي تطرحها هذه المكونات؛ مثل: إشكال اللغة في الرواية، والوظيفة الأيديولوجية للصور البلاغية، والتشخيص الأدبي للغات، ووظيفية الوحدات السردية، وتمثيل الفضاء في الخطاب، والحجاج السردي في فن الرواية، إلخ. تتمثل هذه المكونات في البنية اللغوية (الوجوه الأسلوبية) والبنية السردية (ترتيب وتنظيم النص) والبنية الحجاجية (المواضع والتقنيات الحجاجية) التي تتداخل في ما بينها داخل الخطاب، ولا يتمّ الفصل بينها عادةً إلا على أساس منهجي أو ديداكتيكي. وبناء على مبدأ تداخل هذه المكونات، يقول محمد مشبال: «ليس من الضروري أن تستأثر اللغة أو الوسائل الحجاجية في الرواية بدراسة مستقلة؛ فتحليلها يُشكّل جزءا من تحليل تلك المكونات؛ لأن الاستقلالية قد تُولّد، من جهة أولى، انطباعا بأن اللغة في الرواية مقصودة لذاتها، وأن الحجاج مستقلٌّ عن البنية السردية، ومن جهة أخرى، قد تفضي بالتحليل إلى الانزلاق إلى نمط من المقاربة التعليمية التي تتعامل مع لغة الرواية بوصفها نماذج تمثيلية لمبادئها التحليلية ومقولاتها النظرية، بدل أن تكون مقاربة نصية تصف الاشتغال الوظيفي الدينامي للغة والحجاج في النص الروائي في كُلِّيته». فقد راهن الباحث على مثل هذا الاشتغال الذي يتجاوز المفهومات الجمالية التي سادت تحليل النصوص الروائية من حيث لغتها وصورها، مثلما قاده إلى فهم البنية اللغوية لكلّ نص روائي على أساس وظيفي يستوعب مجموع الإمكانات اللغوية، العادية أو المنزاحة عن المألوف، بما تنطوي على أبعاد جمالية وأيديولوجية، تسهم في صياغة الهوية السردية لهذه الرواية أو تلك، من الروايات العربية المعاصرة التي حللها وكشف عن جمالياتها الجديدة ورؤاها للإنسان العربي في محيطه الاجتماعي والسياسي والإنساني، وفي خضمّ ذلك كشف عن تمثيلات الرواية لأشكال مقاومة السلطة بكلّ مُسمّياتها وألاعيب خطابها.
يقدم كتاب محمد مشبال مداخل نقدية متنوّعة لدراسة الرواية العربية المعاصرة من منظور بلاغي موسع، تُشكّل في حدّ ذاتها إمكانات معرفية ورؤى منهجية متعاضدة لتحليل وتأويل خطاب إبداعي ما فتئ يتجدد باستمرار، ويجيب وفق جماليّاته الخاصة على أسئلة الوضع الإنساني المعاصر الذي يزداد ثراءً وتعقيدا؛ وهو ما يفتح أمام الدارسين أفقا آخر يتجاوز مآزق الدراسات السابقة، ويحفز على مزيد من مغامرة البحث الأصيل والمتفاني الذي ينكبّ على دراسة سمات هذه البلاغة الجديدة ووظائفها المتراصّة، ولا يركن إلى الأدوات المتاحة والإجابات السهلة. لكن ليست الرواية وحدها من تستحقّ عناية النظر الجديد؛ بحكم ما يُميّز خطابها، عدا الإغراء أو الوجاهة التي تُحاط بها راهنا، بل إنّ معظم أجناس الأدب تستحقّها، بما في ذلك الشعر المعاصر الذي حصلت فيه انقلابات كتابية وجمالية متعددة. فليس ثمة مُسوِّغ على الإطلاق أن يظلّ نقد الشعر كما هو، لا ينظر إلى الأراضي الجديدة التي يحرثها هذا الشعر، بقدر ما ينظر إلى نفسه وانسجامه الخاص. يجترّ النصوص نفسها، والأسماء نفسها، والمصطلحات نفسها، وهواء الحياة نفسه. وإذا لم يعد هناك ما يقوله، فإنّ عليه أن يتغيَّر، لأن الخطاب حول الشعر يتغيَّر لما يتغيَّر الشعر نفسه. فقد باتت هناك حاجةٌ ملحّة ومستعجلة لنقد حقيقي وحيّ له هاجس الانتماء إلى الراهن الشعري، يدرس خصوصيّاته، ويُقايس إضافاته النوعية ضمن تيار الحداثة الشعرية الناشئة على الدوام، ويكشف ما يتحكّم به من قوانين وأسئلة متنوعة ومركّبة.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية