تزعم بعض الدراسات الاستشراقية أن البلاغة العربية ومصطلحاتها من مجاز وتشبيه واستعارة، ظهرت بتأثير من كتاب الخطابة لأرسطو. وهذا ـ في رأينا – ضربٌ باطل من الظن. فالإشارات الأولى للمجاز لدى سيبويه وأبي زكريا الفراء وأبي عبيدة مؤلف «مجاز القرآن» عرفت قبل أن يترجم الكتاب إلى العربية. فقد ذكره صاحب «الفهرست» قائلا: وقيل: إن حنينَ بنَ إسحق ترجمه. والمعروف أن حنينا هذا ولد بعد عام 190هـ.
وتجدر الإشارة إلى شمول مفهوم المجاز عند الأوائل، كل ما يعد خروجا عن القواعد القياسية المعيارية في الكلام، من نقل للعلامة اللغوية التي تدل على معنى إلى الدلالة على معنى آخر. ومن تقديم أو تأخير في رتبة هذه العلامة أو تلك، أو حذف يطرأ على أحد أركان العبارة، مسندا أو مسندا إليه، أو إضمار لركن آخر لا يصح القول إلا به، والتصـــــرف بالأدوات حذفا، أو زيادة، مع الحفاظ على دلالتها في الملفوظ. فعند أبي عبيدة مثلا حُذف الجارُّ من قوله تعالى (واختار موسى قومه سبعين رجلا) مجازُه اختار منْ قومه.
واطردت ملاحظ اللغويين من نحاة وبيانيين، فألحقوا التشبيه بالمجاز، والاستعارة، والكنابة، والتورية، فإذا ما بلغنا القرن السابع الهجري، ألفينا لدى أبي يعقوب السكاكي (626 هـ) في مفتاح العلوم الكثير من التفريع لأضرب المجاز وأنواعه. وجاء عند العلوي، يحيى بن حمزة، مؤلف كتاب الطراز خمسة عشر نوعا من المجاز، تنتظم ما يعده القدماءُ ضوابط، وعلاقاتٍ، لا بد منها كي لا يشتط الشعراءُ، وغيرهم من مستعملي العربية في اعتماده بأساليب عشوائية، تؤدي لما سماه بعض المحدثين «فوضى جمالية».
واجه مصطلح المجاز مثل هذه الفوضى، فبعد الانفتاح المُطَّرد على الدراسات اللسانية الحديثة، والاطلاع على ثنائيات سوسير، لاسيما ثنائية الدال والمدلول، وثنائية الاختيار والمجاورة، وتأثير ذلك في الملفوظ الشفاهي، أو الكتابي، ظهر ما يسمى بالانزياح والانحراف وسواهما من ألفاظ ترجمة لكلمة L ‘ecrat وقد تلجلج عبد السلام المسدي صاحب «الأسلوبية والأسلوب» ـ وهو من الكتب التي صدرت في زمن مبكر قياسا بغيره – فترجمها أولا بكلمة تجاوز، ثم عدل عنها إلى كلمة انحراف، ثم إلى كلمة عدول، واستقرَّ أخيرًا على كلمة انزياح. ولم يتردد صلاح فضل مؤلف «بلاغة الخطاب وعلم النص» في قبول هذا التعبير، وهو في رأيه يفضُل مصطلح الانحراف لما في الانحراف من ظلال، وإيحاءات مذْمومة، ويرفض اقتراحًا بترجمة الكلمة بالعدول، وهو تعبير استخدمه قديما علماءُ الكلام والفقه والفلاسفة. إذ العدول بزعمه تعبير قديم يقلّمونَ بهِ أظافر المعنى، ويثْلمون حده. ومهما يكن من أمر، فسوف نراه في أساليب الشعرية المعاصرة 1995 يطرد لديه استعمال الانحراف، وتغيب عنه كلمة الانزياح.
ومن القرائن التي تنم على الفوضى المصطلحية التي واجهت مصطلح المجاز، ما يذكره الباحثُ أحمد الويس (1997) في بحثٍ استقصائي نشره في «عالم المعرفة» من أن اللغويين يتداولون نيفًا وعشرة مصطلحات يزعمون أنها هي الترجمة الأدق للكلمة L’ecrat وهي التي تقابل بالإنكليزية deviation منها: التجاوز، والاختلال، والانتهاك، والإطاحة، وخرْق السنن، واللحن، والعصيان، والمخالفة، والشناعة، والتحريف، فضلا عن الانزياح والانحراف والعدول، مؤكدا على أن هذه الألفاظ جرت على أسنة أقلام النابهين من أمثال، بول فاليري، وليو سبتزر، وروبرت بن ورن، ورولان بارت، وجان كوهين، وتودوروف وجماعة (مو) البلجيكية. واللافت أن المصطلحات ذاتها ـ إنْ جاز لها أن تسمى مصطلحات – وردت عند مؤلف آخر هو الراحل تمام حسان في كتابه «اجتهادات لغوية» (2007) مشيرا لورودها أيضا في بحث استقصائي لعبد السلام المسدي نشر في العدد 2 من سلسلة الدراسات الأدبية، التي تصدر عن مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية. ويلاحظ المتتبِّعون لما ينشر من دراسات عن البلاغة، أو الأسلوبية، ولاسيما الأسلوب الشعري، أن أكثر هذه الألفاظ تداولا هو الانحراف، والانزياح. وتشير أدبيات هذين المصطلحين إلى أن الشكلية الروسية هي أسبق التيارات وضعًا لهما وتأسيسا لتداولهما، وأن رومان ياكوبسون، قد يكون الأسبق إلى سن القانون، الذي أصبح شائعا في تعريف الشعر، ومفادهُ: أن الشعرية أو الشعر هو الانحراف عن المعيار. ومع أن الانحراف والانزياح يتقاسمان الحظوة لدى الأسلوبيين إلا أنهما لا يبدوان – لنا على الأقل – مختلفين، بل هما إلى الترادف أو شبه الترادف أقرب من الافتراق وأنسب. ففي قاموس ديكرو وسشفاير الجديد لمصطلحات علوم اللسان شرحت لفظة الانزياح بما يقابلها في المعنى، وهو الانحراف. فالأسلوب ينظر إليه بصفته انزياحا عن المعيار، بما يثيره من انتباه إلى اختيار فردي يتجلى به وفيه تحديد الأسلوب. على الرغم من أننا نجد المفهوم الذي تنم عليه لفظة انحراف أو انزياح في التطبيق مفهوما قاصرا عن تحديد الكثير من الاختيارات الفردية الأسلوبية، التي تتجلى في الشعر أو في النثر أو في الخطاب غير الأدبي.
ومن البلاغيين الجُدُد الذين يغالون في ترديد كلمة الانحراف بديلا للمجاز، ولغيره من المصطلح البلاغي، صلاح فضل، لاسيما في «أساليب الشعرية المعاصرة» 1995 ففي عبارة قصيرة موجزة يتخذ من قصيدة النثر دليلا على قوة الانحراف
فإذا كانت الغاية من الانحراف عن المعيار أو الانزياح هي زيادة الإدراك الحسي لبعض السمات الكلامية، إدراكا ييسر وظيفتها الإشارية، فإن في الملفوظ الأدبي شعرا ونثرا، وغير الأدبي أيضا، ما يمكن ألا يصدق عليه، وأن لا يفي، وصفه بالانزياح، أو الانحراف، بالغرض من الدرس الأسلوبي.
ففي النظرية الألسنية عند رومان ياكوبسون نجد فاطمة إقبال تورد مثالا لتوضِّحَ فيه الانحراف على مستوى التطبيق، وهو الآية 4 من سورة مريم «رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا» فتعلق على ما فيها من إعجاز بلاغي قائلة: «رب إني وهن العظم مني قول ينتمي لنمط دلالي واحد هو الضعفُ والعجز عن الإنجاب. أما اشتعل فتنتمي إلى نمط دلالي مختلف، وتنشأ الصورة من هذا الاختلاف، وورودها في هذا السياق اختيار ـ أي انحراف- استبدالي بينها وبين كلمات أخرى مثل انتشر.. وامتلأ. واستعملت لفظة اشتعل لتدل على الانتشار السريع». وهذا في رأينا تحليل يتجاهل ما في الآية من علاقات مجازية متشابكة. وسبب هذا التجاهل واضح فانتباه المؤلفة ينصب مسبقا على توظيف لفظ الاختيار، أو الانحراف، فقد اختيرت اشتعل لأداء معنى انتشر. وهذا إذا قيس بما يوفره لنا التحليل المجازي، الذي اعتاده قدماء البلاغيين يتضح أنه تحليلٌ واهٍ. ولا يفصح عما في الآية من أفق دلالي، بياني، لافت، ومن سحر جمالي مونق، هو المصدر الأساسي لما فيها من الإعجاز الأسلوبي. ومثل هذا الأفق نجده لدى أبي يعقوب السكاكي، الذي عرض للآية فعدَّد ما فيها من التنوع المجازي؛ اللغوي والعقلي، فاللغوي يتمثل في الاستعارة، وفي المستعار منه والمستعار له وما يجمع بين القسيمين. وتطرق لإسناد الفعل لغير فاعله الحقيقي، وإلى مجاز التأخير ومجاز التقديم، ومجاز الحكم النحوي، فالفاعل على وجه الحقيقة يغدو تمييزا مفسرا لما في رأس التركيب من الإبهام والغموض. ومنْ يوازن بين التحليلين يلاحظ – إن كان منصفا غير منحاز للحداثيين- أن توجيه السكاكي، على قدمه، أكثر بيانا لما فيها من الإعجاز الذي مصدره التنوع المجازي.
ومن البلاغيين الجُدُد الذين يغالون في ترديد كلمة الانحراف بديلا للمجاز، ولغيره من المصطلح البلاغي، صلاح فضل، لاسيما في «أساليب الشعرية المعاصرة» 1995 ففي عبارة قصيرة موجزة يتخذ من قصيدة النثر دليلا على قوة الانحراف، وصعوده بالشعر إلى منزلة أرقى من منزلته قبل ظهور قصيدة النثر، فهي الذروة لما فيها من انحراف يبلغ الأوْج. والشعر ما لم يكن انحرافا عن المعيار، فهو ليس شعرًا. وتوافر الانحراف في لغة الشعر يؤدي إلى وجود أجرومية، خاصة به جديدة مختلفة عن أجرومية النثر. ومن مزية الانحراف عن المعيار شيوع ما يسميه في الشعر «كسْر النظم». وكلما توافر فيه الانحراف ازداد قربا من التجريد الذي هو طابع الشعر المتين الرصين. ونحن في الواقع لم نسمع بالشعر تجريدًا، أو بمذهب التجريد في الشعر، وإن كنا سمعنا به في الفن التشكيلي وبرائده فاسيلي كاندنسكي. أما انحراف الناظم عن الوزن باتجاه النثر فلا نظن الغرض منه الكشف عن أفق أسلوبي يتجاوز به الشاعر المألوف والسائد من الشعر، فلربما يكون قصورا منه عن الإتيان بالشعر الموزون المقفى، على رأي نازك الملائكة، وهي من رواد التجديد وليست من المحافظين. والزعم بأن الشعر لا يكون شعرا إلا إذا توافر فيه الانحراف والانزياح، زعم لا يقوم على أساس متين، إذ لو كان صحيحا لاستحالت ترجمة الشعر الفائق من لغة لأخرى، لأن الانحراف تصعب ترجمته.. بيد أن الشواهد والنصوص تؤكد العكس، فنحن نجد ترجمات شعرية تكاد تبلغ من حيث التأثيرُ والألق، مبلغ الأصل الذي تجري ترجمته. ونحن علاوة على ذلك قد نستحسن شعرا خاليا من الانزياح، خاليا من الانحراف خاليا حتى من المجاز. وهذا مثال لا نرتاب في شاعريته مع خلوه مما ذكر:
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
ليتني كنت طليقا
في سجون الناصرة.
وقد نجد الانزياحَ، والانحراف والمجاز، متوافرًا في ما ليس شعرا، ولا أدبا، وذلك شيء تطرق إليه أبو عبيدة، وابن فارس، وابن جني، والثعالبي، والطيبي، قبل أن يتنبه له، ويشير إليه كل من لاكووف، وجونسون، في كتابهما المشترك «الاستعارات التي بها نَحْيا Metaphors We Live By».
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن