دارت الدائرة دورتها في سوق الطاقة العالمي، فبعد ثلاثة قرون من الاعتماد في تشغيل محركات النمو على الوقود الأحفوري (الفحم والبترول والغاز) ينتقل محور الحركة ومركز النمو في سوق الطاقة تدريجيا إلى مصادر الطاقة المتجددة (مثل الشمس والرياح وأمواج البحار والمحيطات) والطاقة النووية. هذا الانتقال يترافق مع زيادة قوة سياسات اقتصادية عالمية مشدودة بعوامل وقائية، تتعلق بتغيرات المناخ واعتبارات حماية البيئة، ومحفزة بعوامل معرفية وتكنولوجية تجعل الحصول على الطاقة النظيفة أسهل تكنولوجيا وأرخص ماديا يوما بعد يوم.
تغيرات تاريخية وليست طارئة
في ظل هذه التغيرات في سوق الطاقة العالمي فإن الدول العربية المصدرة للنفط وشركاتها العاملة في قطاع الوقود الأحفوري، وكذلك الشركات العالمية المشاركة معها في الاستثمار، هي جميعا بصدد مواجهة وضع تاريخي جديد تنتشر مظاهره بهدوء يوما بعد يوما، خصوصا منذ أزمة انهيار أسعار النفط عام 2014 والتي لم تتعاف منها الأسواق حتى الآن. ولا يجب التقليل من شأن ما نشهده الآن بدعوى أن طبيعة أسواق الوقود الأحفوري هي التذبذب وتقلبات الأسعار لأن التقلبات هذه المرة لا تعكس ظروفا طارئة في جانبي العرض والطلب، وإنما تعكس تغيرات تاريخية في سوق الطاقة العالمي، وانتقالا لمحور القوة في السوق، بعيدا عن الوقود الأحفوري، وميلا نحو الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
ونستطيع بسهولة أن نرصد تأثير العوامل الوقائية البيئية والحوافز التكنولوجية في عدد مهم من المؤشرات منها على سبيل المثال تأثير الاتجاه إلى ما يعرف بـ (النمو الأخضر أو الصديق للبيئة) على أسعار أسهم الشركات النفطية حول العالم. في هذا الاتجاه فإن صندوق النرويج (الثروة السيادية) وهو أكبر صندوق سيادي في العالم، (تتجاوز قيمة استثماراته تريليون دولار)، قرر أن يتوقف تماما عن توظيف استثمارات جديدة في أسهم شركات النفط والغاز والفحم، وتقليل استثماراته الحالية في الشركات الكبرى العاملة في هذه القطاع إلى نسبة تتوقف على استثمارات هذه الشركات في قطاع الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الصديقة للبيئة.
انخفاض أسهم النفط والغاز
وقد أدى تحول جزء من المستثمرين عن الاستثمار في أسهم شركات النفط والغاز، وكذلك القواعد الجديدة التي وضعتها البنوك المركزية الرئيسية حول العالم، خصوصا في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بشأن تقييد التمويل الجديد للاستثمارات في هذا القطاع، إلى إضعاف قيمة أسهم شركات النفط والغاز في أسواق الأسهم العالمية، وتخفيض أوزانها النسبية داخل مؤشرات الأسواق بشكل عام.
على سبيل المثال فإن الوزن النسبي الحالي (شباط/فبراير 2020) لأسهم شركات النفط والغاز والطاقة على مؤشر ستاندارد آند بوورز للشركات الـ 500 الرئيسية في سوق نيويورك للأسهم انخفض إلى 3.8% مقارنة بـ 16% في العام 2008 . وتظهر مؤشرات الأسواق أن أسعار أسهم شركات النفط الكبرى حول العالم تنحدر إلى مستويات منخفضة لم تشهدها خلال سنوات. على سبيل المثال يتم تداول أسهم شركات مثل شيفرون وإكسون موبيل، بأسعار تعادل تقريبا ما كانت عليه عندما كان سعر النفط يدور داخل حدود 30 دولارا للبرميل ببنما سعر النفط حاليا تحت مستوى 60 دولارا، أي أن سعر النفط حاليا أقل من نصف ما كان عليه قبل أزمة 2014.
وقد ترك تدهور أسعار الاسهم تأثيرا سلبيا ضاغطا على قدرات التمويل وإقامة استثمارات جديدة. وعلى الرغم من أن شركات النفط في العادة تقاوم موجة الجزر في السوق بتمويل برامج شرسة لإعادة شراء أسهمها وأوراقها المالية فإن أسعار الأسهم لم تتماسك بالقدر الكافي، بل استمرت على ضعفها بشكل عام، كما أن الشركات توقفت تقريبا عن التوسع في الاستثمارات، إلا إذا كان الاستثمار الجديد سيعود عليها مباشرة بالربح، ويزيد من قيمة أصولها الاستثمارية وثرواتها بصورة مؤكدة.
وبسبب التحولات في سوق الطاقة لأسباب بيئية وتمويلية وتكنولوجية فإن الشركات الصغيرة العاملة في قطاع النفط والغاز تعاني حاليا من زيادة معدل الإفلاس، الذي وصل عمليا إلى مستويات مقلقة، بما في ذلك الشركات العاملة في مجال خامات الوقود الصخري. هذا في حد ذاته يمثل رادعا للبنوك التي تشارك في تمويل أعمال هذه الشركات وتقلل احتمالات دخول مستثمرين جدد إلى القطاع.
ومن الملاحظ أن الدول العربية النفطية، خصوصا دول مجلس التعاون الخليجي، بدأت تشعر بثقل أعباء التغيرات الجديدة في سوق الطاقة في السنوات الأخيرة. وسجلت ردود الفعل لهذه التغيرات ظهور دعوات قوية إلى وضع سياسات للتكيف الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط والغاز بشكل عام. وتعتبر دولة قطر وإمارة دبي في مقدمة البلدان العربية التي تتبع سياسات ثابتة منذ سنوات لتنويع مصادر الدخل ليس من باب رد الفعل للظروف الطارئة في سوق النفط والغاز، ولكن كسياسة دائمة تأخذ في اعتبارها التغيرات المتوقعة على المدى الطويل، والرغبة في وضع مقومات للاندماج مع السوق العالمي، بما يتجاوز الاعتماد المفرط على الثروة المتاحة من النفط والغاز.
تبخر الفوائض المالية
وقد حذر صندوق النقد الدولي في دراسة صادمة نشرت أخيرا من أن الفوائض المالية المتراكمة لدول مجلس التعاون الخليجي والتي تقدر قيمتها حاليا بنحو 2 تريليون دولار يمكن أن تتبخر تماما خلال 15 عاما. وقد أثارت هذه الدراسة قدرا كبيرا من الفزع لدى صناع السياسة الاقتصادية في دول الخليج. وما تزال اقتصادات دول الخليج المصدرة للنفط حتى الآن شديدة البعد عن الوضع الصحيح الملائم للنمو المستدام، الذي يأخذ في اعتباره أيضا ارتباطا صحيا بالاقتصاد العالمي، وتوفير قدرات إنتاجية محلية تكون قادرة على إتاحة الكم الكافي من الوظائف الملائمة لاستيعاب النمو في الأيدي العاملة، خصوصا بين شباب المواطنين الذين لا يجدون فرصا ملائمة للعمل، ويعانون من البطالة.
ولا تتوقف المخاطر التي تواجهها الدول العربية المصدرة للنفط على مجرد تآكل فوائضها المالية، بل إن تأثير العوامل البيئية الوقائية على سوق النفط، قد امتد فعلا من مجرد تقييد الاستثمارات الجديدة إلى إعادة تقييم المخزون الاحتياطي المؤكد من النفط والغاز لدى هذه الدول والشركات العاملة فيها، ولدى غيرها من الدول والشركات. وقد أشارت صحيفة “فايننشال تايمز” قبل أيام إلى أن خبراء تقييم المخزون المؤكد في حقول النفط والغاز حول العالم يميلون الآن إلى إعادة تقييم قيمة هذا المخزون بما يأخذ في اعتباره السياسات الوقائية لحماية البيئة والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. وتشير عملية إعادة التقييم إلى أنه في حال استهداف تخفيض درجة الحرارة على الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية عما كانت عليه في بداية عصر الثورة الصناعية، فسيؤدي عمليا إلى تقليل استهلاك العالم من النفط والغاز، وتخفيض المستوى العام للأسعار، وإخراج ما يقرب من ثلث قيمة الأصول الاحتياطية المؤكدة حول العالم من السوق، لعدم جدوى استخراجها اقتصاديا. وتقدر قيمة تلك الأصول المعرضة للتبخر تماما في هذا السيناريو بنحو 900 بليون دولار بالأسعار الحالية، أو ثلث قيمة الأصول التي تحتفظ بها شركات النفط والغاز حول العالم.
ونظرا لضعف مردود سياسات تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل في الدول العربية المصدرة للنفط حتى الآن فإن هذه الدول تجد نفسها وجها لوجه مع الحاجة إلى تطبيق سياسات مالية ذات طابع انكماشي، أو غير توسعية، مع العمل على تغطية فجوة التمويل، بتخفيض الإنفاق العام وتعويض العجز بدعوة رأس المال الأجنبي إلى المشاركة في تنمية القطاعات غير النفطية، والتوسع في فرض الرسوم والضرائب.
وإذا نظرنا إلى ميزانيات الحكومات العامة في العام الحالي، فسوف نجد أن القاسم المشترك الأعظم في ميزانيات دول مثل المملكة السعودية والكويت، وحتى في الجزائر والعراق، يتمثل في تخفيض الإنفاق العام، وزيادة الضرائب والرسوم، وتقديم حوافز للمستثمرين الأجانب، وتمويل جزء متزايد من الإنفاق العام عن طريق الاقتراض المحلي والخارجي.
على سبيل المثال فإن السعودية اضطرت إلى تخفيض الإنفاق، وتسجيل عجز في الميزانية للعام الثالث على التوالي، من المتوقع أن يصل في العام الحالي إلى 187 بليون ريال (حوالي 50 بليون دولار)، ما يعادل 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك على الرغم من تخفيض الإنفاق العام بنسبة 2.7% عن العام الماضي، وزيادة الضرائب والرسوم، والتوسع في الاقتراض من الخارج، وزيادة السحب من الفوائض المتراكمة.
وعلى العكس من ذلك، ونظرا لاستقرار سياسة تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل، فإن الميزانية السنوية الجديدة لكل من قطر والإمارات تسجل زيادة في الإنفاق العام، خصوصا في بناء الاستثمارات. وقد سجلت ميزانية قطر للعام الحالي زيادة في الإنفاق بنسبة 2% عن العام الماضي، وخصصت الميزانية نسبة هائلة لتمويل الاستثمارات في البنية الأساسية والمشروعات العامة تعادل 43% من الإنفاق الكلى، وهي أعلى نسبة في المنطقة، ومن أعلى النسب على مستوى العالم.