البندورة وشكل ‘حروب الغذاء’ القادمة

حجم الخط
0

البندورة (الطماطم) الاردنية واخواتها الخضروات، تسببت في ازمة خانقة في الاردن انسحبت الى دول الخليج العربي، الامر الذي تسبب في ارتفاع اسعار الخضار وبالاخص البندورة الى اسعار خيالية لم يسبق في تاريخ الاردن والعالم العربي كله ان وصلت اليها، وانضمت كل من محاصيل سورية ومصرالمشابهة الى الازمة لتشعل اسعار الخضروات اكثر فأكثر، ولتصبح المعاناة ‘الخضرواتية العربية’ اكبر واشد وكأن العالم العربي يحتاج الى مصائب اكثر! حتى هنا لا يوجد جديد سوى في قيمة الاسعار والتي يمكن تداركها عند البعض او لا يمكن تداركها البتة عند البعض الاخر فيتم الاستغناء عن هذا النوع أو ذلك من الخضروات، ليبقى الموضوع موضوعا شخصيا بحتا تحكمه ظروف كل عائلة ومع عدم التقليل من المشكلة الا انها تبقى محددوة ومعالجة. لكنني ـ وبتأثير أزمة البندورة الاردنية ـ قرأت إمكانية حدوث ما لا يخطر على البال، فماذا لو اشتعلت حرب من نوع جديد في العالم، او المنطقة العربية على الاخص وهي المقصودة بثلاثة ارباع المؤامرات الدولية وبما يزيد عن تسعة اعشار الطمع العالمي، وكان محور هذه الحرب ‘الغذاء العربي’ بمعني ماذا لو قصف الانتاج الزراعي العربي؟ تجربة ‘ البندورة ‘ وما تبعها من خضروات تركت مؤشرات اثار اقتصادية خطيرة على بعض المجتمعات العربية تميزت هذه التأثيرات بأنها سريعة تشبه تلك التأثيرات التي تحدثها الحروب الطاحنة وتركتني اتمعن بهذه التجربة الفريدة، ودفعتني لمحاولة التعلم منها، وبدء طرح تساؤلات صحية كثيرة منها، ما الذي يحصل لو ان المحاصيل الزراعية العربية تعرضت لحرب كبيرة وهل يمكن ان يصار الى حرب في المستقبل تسمى ‘حرب الخضروات’ وما هو شكلها وما هي تداعياتها؟

التفكير في مثل هكذا حرب مجرد التفكير يثير الهلع ويدفع الى تصورات كارثية، إذ ان الامن الغذائي العربي لطالما شكل هاجسا متواصلا، وخطاً من خطوط الدفاع لاي شعب ولاي امة، إذ ان الوطن العربي يعاني في حالاته الراهنة من نقص في بعض المنتوجات الزراعية مثل القمح والذرة دون اي تهديدات تذكر، فكيف اذا دخلت المنتوجات الزراعية داخل اطار الحروب والنزاعات السياسية في منطقتنا الحساسة.

الاحتجاج بعدم إمكانية حصول ذلك كلام يوهم المرء اكثر مما يدفعه الى التعقل، فتجربة البندورة انتجت ‘مقضات مضاجع’ للكثير من المفكرين في السياسة والاقتصاد ورغم ان تركيزهم كان حول الاسعار وبعض الاجراءات الحكومية المعتادة الا انني ازعم ان ‘البندورة الاردنية’ اشعرتنا بحجم الدمار الذي من الممكن ان يحدث لو تم في حالة ما حدوث مثل هذا التخيل، ونشبت تلك الحرب وبهذه الصورة، والمشكلة ان ضحايا هذه الحرب ستكون ومن سخرية القدر البندورة والبطاطس والكوسا والاخوات الخضروات الاخريات. هل يمكن ان تصل الامور في منطقتنا الى ما يسمى مثلا ‘بالحماية الخضراء’ بحيث يصبح هنالك حاجة الى حماية الزراعات الوطنية في كل بلاد المنطقة خوفا من هجوم بطائرات الرش، وهذا الهجوم هذه المرة لا يعنيه البشر او الدفاعات الصاروخية ولا الدرع الصاروخي الامريكي ولا الصواريخ البالستية، بل كل ما يعنيه قصف الخضروات والمزروعات الوطنية لانشاء حالة من الدمار الاقتصادي الهائل، والشعوب قد تصبر طويلا، لكن مع بطون مأمونة اما ان يتم الصبر الطويل دون غذاء فهذه حالة لم تحصل بعد.

المثير للخوف ان الامتدادات الامنة زمنيا ومكانيا للحروب التقليدية كثيرة ومتنوعة، ولكن الامتدادات الامنة بالنسبة للأمن الغذائي مكشوفة بل وغير موجودة، فالانسان لا يستطيع الصبر اكثر من ايام على فقدان غذائه هذا اولا، ثم من الناحية الطبيعية فإن اصلاح دبابة او ناقلة قد يحتاج الى ساعة يوم يومين عشرة، الا ان اصلاح الموسم الزراعي يحتاج الى امد طويل. مثل هذا التفكير يقودنا الى التأمل بعيد النظر في تحصين دولنا اقتصاديا، والدفع بها الى تأمين احتياطات وافرة من السلع الغذائية طويلة الامد، الامر الذي قد يكون احد الحلول وليس كلها والذي من شأنه ان يخفف الوطأة على شعوب المنطقة في حالة تفكير بعض الجهات المريضة بفعل ذلك.

النظر الى هذا الموضوع بعين الاستغراب والاستهجان والتندر، والاعتقاد بعدم امكانية حصوله هو ضرب من التفكير السطحي غير بعيد المدى فكم شهدنا خلال العقدين الماضيين حالات سياسية واقتصادية كنا نعدها من المستحيلات لكننا عشناها وشهدناها وتأثرنا بها، واستشهد بحوادث مثل، الحب الالماني الفرنسي الانكليزي، انيهار الاتحاد السوفياتي، والازمة الاقتصادية العالمية، وفياضانات باكستان، وحرق البشر بالصوت والصورة في العراق.

التطلع والتمعن المحكم للامور حولنا والبحث والتمحيص وفق نتائج وتداعيات البندورة الاردنية يؤكد ما جاء هنا ويدفع الى التعقل والتفكير في تحصيل مجموعة آمنة من الخطوات الاقتصادية التي من شأنها بعث روح الطمأنينة في الاجواء فكم بيت من بيوت الاردن خلت منه البندورة حين كان المثل الشعبي الاردني الدارج ‘ارخص من البندوة’ متداولا في الزمن الماضي وكم هو مستهجنا هذه الايام؟! جيل سليمان[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية