السلطة العربية ليست واحدة، رغم ان الجميع يمارسها، العامل الرئيس في رسم ملامحها وطبيعتها هو نصفها الاخر او ملعبها، اي الشعب، الذي هو محل ممارسة السلطة، هي تعمل فيه وهو يعمل فيها، تبدأ السلطة بوعود براقة وتنتهي بسم زعاف يحمي محيطها الاستراتيجي ومجالها الحيوي. نموذجا السلطة العربية القائمة اليوم هما النموذج العشائري المعاصر، والنموذج العسكري الجمهوري، كلاهما له بنيته، وكلاهما يسعي للبقاء ما امكن ويبقى الاختلاف في مدى انغراسهما في بيئتهما، الطبيعة العشائرية اشمل في ذلك، ولذلك تجد استقرار الانظمة العشائرية اكبر وضوحا، لطبيعة المجتمع ذاته، كما يظهر ذلك في الطلب المستمر على التوريث من جانب السلطة العسكرية الجمهورية، وهي النموذج الاخر لشكل السلطة العربية وهنا اود ان اشير الى عدة نقاط. 1: ان السلطة العربية عموما سلطة ذات بنية سرطانية تسري في المجتمع حتى تتمكن منه تماما فيصبح هو في حاجتها اكبر من حاجتها اليه.2: ان النموذج العسكري اكثر اقصاء للغير من النموذج العشائري، نظرا لاختلاف طريقة تسلمه للسلطة عن النموذج العشائري المتواتر.3: في حين ان من طبيعة السلطة العشائرية محاباة الاقارب والمقربين، والمجتمع العشائري يقوم على ذلك اساسا، على امل منه ان يكون الجميع من العشيرة، فان السلطة العسكرية تنشئ داخليا نظاما مشابها له تستولي فيه على كل شيء، مما يجعلها جمهورية قبلية، وما قام به بن علي في تونس حاليا وما هو قائم في مصر اليوم وفي العراق ايام صدام، شاهد على ‘ اسرنة’ النظام او عشرنته.4: ارجو ان لا يعتبر هذا الكلام تبريرا لاوضاعنا العربية، فكلنا في الهم شرق وعامل الزمن في النهاية يتجه نحو تفكيك السلطة العشائرية كما العسكرية كذلك، ولكن تبدو التكلفة حاليا اكبر لدى الانظمة العسكرية الجمهورية منها من الانظمة العشائرية، لامتدادها على مساحة اكبر وتحكمها في رقاب شعوب اكثر مع العامل الاقتصادي الاقل وفرة مما هو كامن لدي النموذج العشائري الاخر.5: طالما ان النموذجين مرضيان تاريخيا لان العصر تجاوزهما، الا ان النموذج العشائري يبدو انسانيا اقرب الى العصر لاحتضانه افرازات النموذج الاخر الساقطة او الهالكة، فأنظمة الخليج العشائرية يبدو انها سائرة في احتضان المزيد من جلادي النظام الجمهوري العسكري العربي، وهي بادرة قد تكون ايجابية لدى تلك الشعوب، فبأسرع ما يجد الجلاد ملجأ بأسرع ما يفكر في الفرار وتخليص الشعب من براثنه.6: يجب ان اشير الى أن مثل هذا الكلام ليس على عواهنه، ففي فترة ماضية كان النظام الجمهوري هو من يوفر الحماية للهاربين من عنف النظام العشائري والطائفي والقبلي انها ايام النظام العروبي الناصري الذي التحم بجماهير الامة. فالعيب اذن ليس في النظام بقدر ماهو في وظيفته ومن يمثله وارتباطه بأمته وجماهيره وتطلعاتها.7: اذا لم تتمكن الشعوب التي دفعت الثمن غاليا للتخلص من انظمتها الديكتاتورية من اقامة انظمة تعددية، بحيث يصبح الثمن المدفوع مستحقا، وسقطت ثانية في فجوة الوعود البراقة، وفي مقدمتها تونس التي ينظر اليها كمثال اليوم، فان الكارثة ستتكرر والاحباط سيكبر، وستصبح مجتمعات النموذجين العشائري والعسكري امام استحقاقات من جديد، في حين تكون الثروة الملطفة الناضبة قد نفدت ربما او في طريقها العاجل للنفاد فيتحول العالم العربي كله الى جحيم، وغني عن التعريف ما لثروة دول الخليج من دور كبير في الحفاظ وفي استمرار التعايش بين دول الجمهوريات العسكرية العربية حتى ان بعضها اتي على حساب اهل الوطن ذاته.8: الواضح مما حصل في تونس ان البطالة ثورة كامنة، فهل ندرك ذلك وارتفاع الاسعار قنبلة موقوتة وكلا النموذجين للسلطة العربية لا يستطيعان معهما ردا او اتقاء، فالحكومات هي فرضا حكومات خلق وظائف ومكافحة التضخم وليست حكومات القطط السمان او هوامير الصحراء فهل يعتبر اولي الالباب؟ عبدالعزيز محمد الخاطر