تراجع في المستوى وانحسار في المتابعةدمشق ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر: تؤكد أغلب الدراسات بشأن الدراما السورية أنها تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر بأحداث الانتفاضة الشعبية التي عمت أرجاء البلاد منذ منتصف آذار/ مارس الماضي وتصاعدت إلى ثورة لم تتمكن المواجهات الأمنية والعسكرية من السيطرة عليها أو تحجيم آثارها.
أولى هذه الآثار انعكست في بداية الانتفاضة حين أوقفت العديد من شركات الإنتاج مشاريعها الدرامية وبالتالي انخفض عدد المسلسلات المنتجة لهذا الموسم إلى ما يقارب النصف قياسا إلى الموسم السابق، تخوفا من أزمات التسويق والإعلان التي فرضت نفسها بقوة هذا الموسم. وثاني هذه الآثار تجلى في عجز الكثير من الشركات عن تسويق أعمالها، إما لمقاطعة بعض الفضائيات العربية للدراما السورية وإما لإحجام الشركات المعلنة عن دعم هذه الأعمال في ظل الأحداث الطارئة، وثالث هذه الآثار تجلى بضعف المتابعة المحلية والتي وصلت حد إعلان المقاطعة من قبل بعض المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المختلفة.
وفي قراءة راجعة أو معكوسة لهذه الآثار الثلاثة نكتشف مدى الترابط بينها، حيث أن ضعف المتابعة كان متوقعا منذ البداية، بل شكل محرضا لشركات الإعلان على الإحجام عن تمويل بعض الأعمال، كما شجع بعض الفضائيات على مقاطعة الدراما السورية أيضا، وهذه العناصر المتوقعة بدورها شكلت سببا كافيا لأكثر من شركة إنتاج لوقف مشاريعها الدرامية في تلك الظروف غير المستقرة. غير أن الإعلام السوري يرفض الاعتراف بهذه المعطيات على وضوحها، ويُصر معدو استبيان صحيفة الثورة السورية الذي نُشر يوم الثلاثاء 13-9-2011 أنه ‘عندما اقترب موعد شهر رمضان المبارك انطلقت الأحاديث من خلف الأبواب المغلقة تبشر بمعوقات كبيرة تقف في وجه التسويق، ولكن رغم ذلك كله أثبتت الدراما السورية أنها أقوى وأكثر مناعة’. مع أن هذا الاستبيان يعترف في مقدمته بأثر الأزمة قائلاً ‘كانت مؤشرات المُتابعة في سورية تختلف بين منطقة وأخرى، فالأزمة الأخيرة أرخت بشيء من ظلالها على عملية المُشاهدة’ مع الاحتفاظ بحقنا في تقدير كمية ومساحة هذا ‘الشيء من ظلالها’، بل نقرأ في هذه المقدمة ما هو أهم ‘وإلى جانب المسلسل الدرامي الذي يتابعه الناس بشغف عادة في رمضان حضرت (الأخبار) بقوة والسعي لمعرفة ما يجري إن كان بالمتابعة الخبرية أو بمتابعة ما يعرض من تحليلات ونقاشات’ متفاديا الإشارة إلى المزاج العام للجمهور الذي لا يكتفي بمتابعة الأخبار وتحليلات الحدث، بل هو مشارك في صناعتها من خلال التظاهرات التي تكثفت في شهر رمضان ليلا ونهارا، وإلى أثر المواجهات الأمنية والعسكرية وسقوط عشرات الضحايا يوميا، ناهيك عن الجرحى وأعداد المعتقلين التي فاقت أي توقع، حتى أن هذه الأحداث شكلت لكثير من السوريين دراما رمضانية خاصة تابعوها بكثير من الألم والقسوة وشاركوا في صناعتها على حساب المسلسلات الرمضانية التقليدية. مع ذلك نجد ضرورة التوقف مع نتائج هذا الاستبيان الذي دأبت صحيفة الثورة على إعداده سنويا، بغض النظر عن المقدمات والتفسيرات التي قدمها معدو الاستبيان. بل في محاولة لفهم هذه المقدمات والتفسيرات التي حكمت عمل الاستبيان. حيث نقرأ في البداية أحد العناوين الفرعية ‘دراما فوق التحديات’ لنكتشف كم أنه تعبير إنشائي بلا أي دلالة، حيث نقرأ في عنوان تالي عبارة ‘انخفاض نسبة المُشاهدة’ مثلاً، ونكتشف أنه من أصل (850) استمارة وزعت على المشاركين في الاستبيان تم استُبعاد (120) استمارة ممن اعترفوا بأنهم لم يتابعوا أي مسلسل في شهر رمضان وهذه النسبة تصل إلى 14.11′ من المشاركين، وحتى لو سلمنا بعشوائية انتقاء العينة من قبل معدي الاستبيان، سنكتشف ضخامة هذه النسبة قياسا للسنوات السابقة حيث بلغت 5.1′ في العام المنصرم، وكانت أقل نسبة في عام 2007 حيث بلغت 2.15 ‘، والمؤشر الأوضح في هذا الاستبيان أن نسبة 42.31′ ممن لم يتابعوا الأعمال الدرامية هذا العام اعترفوا أن ذلك (بسبب الأحداث في سورية). ونسبة 24.28’ اعترفت أن السبب يرجع لعدم اهتمامها بالمسلسلات ‘ففي النتيجة باتت متابعة الأعمال الدرامية شأناً أقل أهمية أمام ما يعيشه المواطن من أحداث’ كما نقرأ في تفسير الاستبيان ذاته للنتائج السابقة.
وكي تستقيم قراءة تلك الأرقام، أجد ضرورة العودة إلى الملاحظة التي أوردتها سابقا ‘وحتى لو سلمنا بعشوائية انتقاء العينة من قبل معدي الاستبيان’ فعشوائية العينة هي الضمان الوحيد لإمكانية تعميم النتائج التي يمكن الحصول عليها من (850 ) استمارة لتشمل المجتمع السوري بملايينه التي فاقت (22) مليون نسمة، فالجهة التي قامت بالاستبيان كانت صادقة بإشارتها إلى توزيع أوراق الاستبيان في أكثر من محافظة سورية، وضمن شرائح عمرية ومهنية مختلفة، لكن ذلك غير كاف للحكم على عشوائية العينة التي شملها الاستبيان، خاصة وأن نتائج هذا الاستبيان خلصت إلى نتيجة تفيد أن الأقنية السورية الفضائية حصدت المراتب الأولى في نسبة المشاهدة خلال شهر رمضان من بين اثنتي وعشرين قناة شملها الاستبيان، وأكثر من ذلك أن قناة الدنيا حلت في المرتبة الأولى بنسبة 35،01 ‘ من المتابعة، بينما جاءت قناة دراما سورية ثانياً بنسبة 31،48 ‘ وتلتها الفضائية السورية في المرتبة الثالثة بنسبة 27،94. بينما ندرك أن قناة الدنيا تحديدا هي موضع رفض من شرائح واسعة من المجتمع السوري، وتحديدا الشرائح المشاركة في الانتفاضة السورية، فهذه الشرائح التي ينسب لها سبب المقاطعة أو عدم متابعة المسلسلات الرمضانية، كانت أكثر حسما في موقفها من الإعلام الرسمي ومن قناة ‘الدنيا’ تحديدا، مع ادعاء هذه القناة بأنها خاصة. وهذا شيء طبيعي في ظل الانقسام الحاد والواضح في المجتمع السوري بين موالاة لا تتابع غير الإعلام الرسمي وأشباهه وتخوّن باقي الإعلام العربي والعالمي، وبين معارضة ترفض مقولات الإعلام الرسمي وما يبث عبر أثيره، وتحديدا على قناة ‘الدنيا’، وبالتالي يحق لنا أن نتساءل عن حيادية إعلاميي الثورة، وهم العاملون في الإعلام الرسمي، الذين وزعوا أوراق الاستبيان ضمن عينات تبدو عشوائية، لكنها محكومة بالضرورة بالكثير من علاقاتهم الشخصية وأوساطهم التي يتحرون ضمن فضائها. وهذا ما نقرأه بيسر في محاولة الاستبيان أن يفسر تقدم قناة (الدنيا) إلى المرتبة الأولى لكونها ‘استطاعت أن تصل إلى قلوب ملايين السوريين من خلال تغطيتها لما يحدث في سورية الأمر الذي جعل منها قناة قريبة من الناس أكثر’ مع أنها القناة الأكثر إشكالية بالنسبة للجمهور السوري، فلا يني المعارضون عن التنديد بها وتكذيب ما يُبث عبرها.
إضافة لذلك يمكن لن دعم هذا الاستنتاج السابق بأن نسبة 73،83′ من المشاركين في الاستبيان أوضحوا أنهم لم يتابعوا أي مسلسل غير سوري، مقابل 26،16′ من المشاركين امتلكوا الجرأة على مشاهدة بعض المسلسلات العربية الأخرى، وهي نسبة تقل كثيرا عن متابعي المسلسلات غير السورية في الأعوام السابقة.
لكننا نتابع قراءة الاستبيان بغض النظر عن عشوائية العينة، لنكتشف أن مسلسل ‘الولادة من الخاصرة’ للمخرجة رشا شربتجي وتأليف سامر رضوان قد حلّ أولاً، من أصل (25) مسلسلاً سوريا شملها التصويت، علما أن المخرجة شربتجي سبق ونالت المرتبة الأولى عام 2006 عل مسلسل ‘غزلان في غابة الذئاب’، وجاء في المرتبة الثانية مسلسل ‘الخربة’ إخراج الليث حجو وتأليف د.
ممدوح حمادة، وفي المرتبة الثالثة مسلسل ‘جلسات نسائية’ إخراج المثنى صبح وتأليف أمل حنا. ونتابع تسلسل الأعمال الدرامية الباقية حتى المرتبة العاشرة: ‘الغفران’ إخراج حاتم علي وتأليف حسن سامي يوسف، ‘رجال العز’ إخراج علاء الدين كوكش وتأليف طلال مارديني، ‘الدبور 2’ إخراج تامر اسحق وتأليف مروان قاووق، ‘سوق الورق’ إخراج أحمد إبراهيم أحمد وتأليف آراء الجرماني، ‘العشق الحرام’ إخراج تامر اسحق وتأليف بشار بطرس، ‘طالع الفضة’ إخراج سيف الدين سبيعي وتأليف عباس النوري وعنود خالد، ‘يوميات مدير عام 2’ إخراج زهير قنوع وتأليف خالد حيدر. أما المسلسلات التي أتت بعد المرتبة العاشرة فكانت حصيلة عدد أصوات كل منها أقل من ثلاثين صوتاً.
وبينما انتزع الفنان قصي خولي المرتبة الأولى بين الممثلين الأكثر جماهيرية بنسبة 24،01 ‘ لأدائه في مسلسل ‘الولادة من الخاصرة’، وكان قد انتزع هذه المرتبة في عام 2006 عن دوره في مسلسل ‘غزلان في غابة الذئاب’ مع المخرجة رشا شربتجي أيضا. إلا أن الجمهور حجب المرتبة الثانية عن كل الممثلين المشاركين في الماراتون الرمضاني، لتبقى المرتبة الثالثة من نصيب الفنان عابد فهد بنسبة 15،44 ‘. كذلك حُجِبت المرتبة الأولى من الممثلة الأكثر جماهيرية ‘وفقاً لرأي الجمهور’ وللعام الثاني على التوالي، مما يدفعنا للتساؤل حول الأدوار النسائية في الدراما السورية بشكل عام، وعن بعض الأسماء التي لمعت لفترة من الزمن لكنها خبت سريعا، فيما كانت المرتبة الثانية من نصيب الفنانة نسرين طافش بنسبة 19،49 ‘، وحصلت الفنانة نادين على المرتبة الثالثة بنسبة 15،25 ‘. غير أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام هي ضآلة النسب التي منحت للممثلين والممثلات في هذا الاستبيان، مما يُعد مؤشراً عل تراجع سوية هذه الأعمال، وغياب النجم أو النجمة الساطعة على شاشتنا، وربما تكزن نتائج استطلاع للرأي أجراه أحد المواقع الإلكترونية مفاجئاً للبعض، خاصة وأنه يسأل عن أسوأ ممثلة سورية لهذا العام، فقرأنا أسماء مهمة سنوردها كما جاءت في الاستبيان:
إضافة لتراجع أعمال وأسماء مخرجين كبار فرضوا بصمتهم في الدراما السورية، مما يعزز الحكم بتراجع سوية الأعمال في هذه الدورة الرمضانية وتراجع نسب المتابع الدرامية، بغض النظر عن إشكالية الشك في عشوائية العينة التي شملها الاستبيان، وهو ما لا يمكن فهمه إلا في سياق الانتفاضة التي تجتاح الشارح السوري..