أ. د. علي الهيل
أكتب لك عنك يا إمام الفقراء ويا قبلة الشرفاء ويا حامل لواء الجوعى في معركة العزة والحرية والكرامة.. يا من أسقطت كل فتاوى الحلال والحرام المسيسة والمغرضة لمصلحة الحكام اللئام، وأقمت مذهبا جديداً هو المذهب (البوعزيزي) لإضاءة الظلام ومحو الظلم والإظلام.
أكتب لك عنك، وقبلة الموت النبيل لما تفتأ تظلل المكان، ذات المكان الذي شهد طقوس موتك واستشهادك الأسطوري. يا من اتخذت قرار موتك على طريقتك حرقاً حتى النصر والعزة والكرامة، وحتى الموت الحي الذي يلهب خيال الأحياء الميتين. يا غرة العام الجديد والعالم الجديد. لقد بدأ العام الجديد بك أو أنت بدأت به، فيومه الأول يوم استضاء بنيران وأنوار جسدك الأسطوري لحظة انتفاضتك وثورتك وصرختك وحرقتك. لقد تشدق بعض الممسوخين بأنك انتحرت وانك في النار، وما عرفوا أن المشاعر الإنسانية في لحظة ما يصعب أن تفسر ثيولوجيا أو دينيا أو منطقياً، وما عرفوا أن ‘و رحمتي وسعت كل شيء’ كما قال الحق سبحانه وتعالى. لأنك كنت مقتنعاً أن لا بد من فعل راديكالي خارقٍ للعادة لإحداث الثورة العربية الكبرى من جديد، ولأسباب هي الأخرى جديدة، وهذه المرة تكون (قرطاجة عقبة بن نافع) منبع شرارتها من جسدك الخرافي المتمرد على سلطة المكان والزمان العربيين الجائرين، والتي تأخرت كثيرا لانتفاء الفعل الذي يتناسب معها، فإن الثورة هي أيضاً فعل راديكالي خارق للعادة. لم تكتف يا أسطورة القرن بإشعال أصابعك العشرة شموعا وقناديل تضيء بها دروب المضطهدين والمقموعين في تونس، وعلى كل امتدادك الجيوبيولوجي العربي، بل أشعلت جسدك الخرافي كله من أجل أن نرى وأن نبصر النور فقد أدخلتنا عصر التنوير ونبهتنا لما يدبر لنا بليل ويحاك لنا بوضح النهار. لأول مرة نرى خرافة حقيقية واقعية تحدث قبالة أعيننا؛ هي والله جسدك المشتعل وطنية وعزة وكرامة ونيراناً أيضاً. ربما أنك لم تستطع أن توصل حجم الكارثة الإنسانية التونسية والعربية إلا عبر جسدك وهو يحترق متحرقاً لدحر الخوف وإحلال العدل. فالإعلام سلطوي، يمنع أي كلام لا يعجب الفرعون والنمرود وزبانيتهما. في لحظة ما وفي مكان بعينه حرك فعل (البوعزيزي) الناس، وكأن ثورة الناس كانت مغطاةً بطبقةٍ هشةٍ من الرماد، وجاء فعل (البوعزيزي) لينفخ الرماد الهش فتندلع النار ليس في جسده فحسب، بل وفي عقول وقلوب البؤساء والمهمشين والمهشمين؛ المصادرة أحلامهم وآراؤهم وأرزاقهم في كل شارع وزقاق وبيت، في تونس وفي كل العالم العربي الممدد عبودية وقمعاً وتسلطاً من محيطه إلى خليجه. نار (إبراهيم) ونار (موسى) توحدتا معاً في جسد (محمد البوعزيزي) تصهر الواقع فتزلزل الأرض زلزالها وتولد الثورة إثر مخاض عسير، بدأت قبل سنتين من (الرديف) وما جاورها، (والثورة فعل خلاق وتراكمي) على ظلم النمرود وفرعون وجبروتهما وطغيانهما لينعم أهل تونس وما بعد تونس وما بعد بعد تونس بالعدل والخير والسلام. لقد اصطفى الله (البوعزيزي) ليطلق من جسده الشرارة الأولى للثورة، لتتوالى بعد ذلك الشرارات تترى كالمطر، أوله قطرة ثم ينهمر. ما يربو على ثمانية وثمانين شهيدا (بوعزيزيا) سقطوا كالوحي المنزل في ثورة (البوعزيزي). في شوارع تونس حقا كانت تموت الخيول العربية الأصيلة الأولى والأجدر بالتكريم من خيول السباق العربية، التي تنفق عليها بعض الأنظمة العربية المليارات كجزءٍ من سياسة إلهاء الشعوب عن الكارثة التي أيقظ (البوعزيزي) الناس عليها. ها أنذا آنس ناراً؛ نار (محمد البوعزيزي) المتقدة في الذاكرة الجمعية العربية بالذات، لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجد على النار هدىً. لقد أتى (البوعزيزيون) بقبس الثورة والتغيير من نار (محمد البوعزيزي) ليس في تونس فحسب، بل وفي كل أقطار المقموعين العرب، ووجدوا على ناره هداهم على طريق لما يكتمل بعد. يا ملهم الثوار ويا مبدع الثورات، أوليست الثورة عملاً إبداعياً؟ أيا واضع حجر أساس التغيير.. يا شيخ المجددين وأستاذ التجديديين والتنويريين.. يا عزيز القوم الحق الذي لم تذل في هذه الحياة الدنيا كما ذل غيرك مندساً تحت جنح الظلام لا يلوي على شيءٍ، بل ازددت إعزازاً وشموخاً عند أهل الأرض جميعاً وليس فحسب عند (البوعزيزيين) الذين تركتهم يتمون البناء الذي بدأت وازددت عزة ورفعة إلى عزتك ورفعتك، ولن تذل إن شاء الله عند رب مليكٍ عزيز مقتدر. يا أبا ذر القرن الواحد والعشرين العربي.. يا من حملت الشعلة على جسدك وأضأت لنا أولمبياد النصر والظفر ‘من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار’، وحركت فينا السواكن وأحييت فينا الموات وجلبت لنا باستشهادك الأسطوري مواسم الفرح والخصب والانتشاء. مدادي في لحظة الكتابة لك عنك هو بعض من شظايا الشرر المتطاير من عينيك وأنت تعلن صرختك المدوية المزلزلة: ‘إذا الشعب يوماً أراد الحياة…’ والنيران تلتهم كل شبر في جسدك، وأشبار الوطن المحلي والعربي الكبير شبراً شبراً كانت تتحرر من حولك وفي معيتك مع كل شبر كان يحترق من جسدك، وأشبال الوطن وماجداته كانوا يشاركونك مهرجان الموت وقوفاً.
كان جسدك وهو يحترق يحرق معه الخوف من حكام رعاديد من ورقٍ، ويبشر بغد هو الأفضل. أحرقت يا طارق العصر كل مراكبك وصحت بالقوم: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس عندكم من خيار سوى النصر أو الشهادة. وضعت عربة خضارك خلف الخيول العربية الأصيلة في شوارع (منزل بوزيان) و(سيدي بوزيد) فجمحت كل الخيول جموح أنفةٍ وإباءٍ وكبرياء وثارت كالبراكين على مروضيها البدناء البلهاء على امتداد البلاد التونسية والعربية، ولحقت بركب خيولك تجر عربة خضارك رمز ‘إما أن أكون أو لا أكون’، فكنت وستكون وكانوا وسيكونون ما بقي الكون. كنت وستظل ما بقي الوجود الشمعة التي احترقت لتضيء الطريق للآخرين وقد فعلت. من هنا من الدوحة أكتب لك عنك، إن المسافة بين الدوحة و(منزل بوزيان) لم نعد نحسبها بالأميال فقد أسقطت لغة الأميال.. أصبحنا نقيسها بالدماء قطرة قطرة، حيث مارست طقوس إمامتك ككل الأنبياء الأتقياء الأنقياء الأصفياء، وجهرت بالنار المشتعلة في كل مكان من جسدك أمام السلطان الجائر: لا. تتطايرت هذه اللا حمما أحرقت الأرض من تحت أرجل الطواغيت المرتبكة في حضرة إعلانك موتك عليهم. ولا غرو في ذلك ولا عجب، فأنت العزيز ابن العزيزة والعزيز، وأنت للعز أم وأب وأنت (البوعزيزي)، وأنت (محمد)، حمدت خصالك. لقد أخاف موتك الكثير من الحكام العرب فهرعوا يرشون شعوبهم بالمال والطعام، خشية أن يظهر لهم (البوعزيزي) آخر، وما دروا أن العالم العربي يزخر بآلاف (البوعزيزيين) في حالة كمونٍ حذر وسيخرجون إن شاء الله قريبا، وأن ثقافة (البوعزيزي) سيعاد إنتاجها أكثر وأكثر في العالم العربي، ولكن نظام (شين الهاربين) لا يمكن أن يعاد إنتاجه، ولا يمكن أن يذهب جسد (البوعزيزي) المحترق وأرواح شهداء ثورة تونس والعالم العربي هباءً منثورا. عزت نفسك الأبية على ألا ترضى بالضيم، فرفضت أن تتسول. ونيرانك التي أشعلتها لما تخبو بعد ولن تخبو. وتونس كلها والعالم العربي عن بكرة أبيه منزل بوزيان وسيدي بوزيد. وبقي أن أقول لك: إنني لم أعد أحكي لأطفالي عن خرافة (بو درياه) الذي يخرج من البحر ليخوف الأطفال، فقد أحرقت الخوف في قاموس حياتنا. الآن أنا احكي لهم عن (البوعزيزي) الخرافة الحقيقية الوحيدة التي أصبحت أؤمن بها.’ كاتب قطري