زياد عبدالقادر1- وهم التسمية: 17 ديسمبر 14 جانفي:كان الخيال تعلّة الواقع في عالم يهيمن عليه مبدأ الواقعية. أما اليوم فالواقع أصبح هو تعلّة النموذج في عالم يحكمه مبدأ الاصطناع(1).جان بودريار قال هذا. قاله في معرض حديثه عن التكرار المداري للنماذج والتوليد المصطنع للفوارق. يطرح هذا القول مسألتين وثيقتي الارتباط: تتعلق الأولى برصد كيفية اشتغال المصطنع ( اللامرجعية الالهية للصور نموذجا )، في حين تتعلق المسألة الثانية بتسليط الضوء على اختفاء مبدأ الواقع ونشوء مفهوم فوق الواقع Lhyperr’el.كيف يشتغل المصطنع؟ حسنا، خذوا الأيقونة نموذجا:’ إن عبدة الأيقونات كانوا المفكرين الأكثر حداثة والأكثر جرأة، لأنهم كانوا يعملون، تحت شعار أن الله يشعّ في مرآة الصور، على موته واختفائه في ظهور صوره ( التي كانوا ربما يعرفون أنها لا تمثل شيئا، وأنها كانت مجرد لعبة، ولكن هنا بالتحديد كانت تكمن لعبتهم الكبرى- كانوا عارفين أيضا بخطورة نزع القناع عن الصور لأنها تخفي حقيقة أنه لا يوجد شيء خلفها )'(2).ماذا أردنا بهذا المدخل البودرياري؟ لا شيء سوى فضح التفخيم الخبيث لحادثة احتراق البوعزيزي. لفضح هكذا خبث نعيد طرح السؤال الدولوزي في استلهامه للأثر النيتشوي المسيح الدجال: ‘ إذا حسبنا حساب التزويرات التي تبدأ مع الأناجيل والتي تجد شكلها النهائي مع القديس بولس، ماذا يبقى من المسيح، ما هو نموذجه الشخصي، ما هو معنى موته؟في رأي نيتشه لا يستدعي المسيح الحقيقي إيمانا، بل هو يأتي بممارسة. لم تكن حياة المخلّص شيئا غير هذه الممارسة، كما لم يكن موته شيئا آخر…إنه لا يقاوم، لا يدافع عن حقه، لا يخطو خطوة ليبعد عنه الشيء الأقصى. عدم الدفاع عن النفس. لكن كذلك عدم مقاومة الشر ومحبة الشر (3).هذا الاستسلام للنار، وجهة نظر العدمية السلبية هي كلّ ما تحتاجه السلطة الغاشمة لحفظ أفرانها وادامة سلطانها. ذا هو المعنى الأول لموت البوعزيزي. تشفط النار هول الحدث لصالح مانويات الشهادة والانتحار. ذلك أنها، كعنصر مطهّر، تخرجنا من سياق التاريخ إلى متاهة الميتافيزيقا (4). لذلك وجب التنبه إلى أن التأريخ للثورة التونسية بالسابع عشر من ديسمبر ليس أكثر من مخاتلةٍ تجعل من شبه المستحيل تحرير هكذا حدث من شرَك المنظورات الأخلاقية وردّه إلى أفقه السياسي وعذابه البشري. السابع عشر من ديسمبر تاريخ ذو دلالة تيولوجية بامتياز. هذا هو المعنى الثاني لموت البوعزيزي.الأمرُ جديرٌ بضحكةٍ هوميرية !2- وهم اللامرجعية:ثمّت أمر آخر. الانتحار موت غير قابل للتبادل و كمية غير قابلة للتحويل والقياس. لعلّ هذا ما يفسّر الوعيد الالهي بنسيانهم حدّ عدم عرضهم على الحساب (5). المنتحر طاقة ضائعة ليس بالامكان تحويلها كمّا أونوعا، ذلك أن النوع يُشتقّ من الفرق في الكمية بين طاقتين يُفترض أن بينهما علاقة.بهذا المعنى يحرمنا المنتحر من قيس المسافة بين القامع والمقموع، بل إنه يوفّر على النظام عناء كشف طبيعته في سعيه لاجتثاث ما يراه شرّا. إن القصد الخفيّ في هذا المقام يختفي في طيّة المشابهة الدينية التي يضمرها الفاعل السياسي: فمثلما يوفّر المنتحر على الرب عناء تعويضه ثوابا أو عقابا وذلك بنسيانه واسقاطه من كراريس حسابه، فإنه يوفّر على النظام عناء جبر عذابه والاعتراف له بدَيْنه، ذلك أنه كائن بلا مرجع (6)، عذاب ضائع غير قابل للأرشفةِ. من هنا نفهم حرص الفاعلين السياسيين القافزين إلى حلبة الثورة التونسية على القول إنها ثورة من دون مرجعية قيادية أو إيديولوجية.هذا هو المعنى الثالث لموت البوعزيزي. المعنى الذي يتكتّم عنه فاعلون سياسيون لا مرجع لهم في السياق الواقعي لعذابات المواطن التونسي في صيغته الأشدّ فقرا ومهانة. من أجل هكذا رهان يشتغل العقل السياسي الذي اختطف الثورة من أصحابها الحقيقيين. لا شكّ أن درامية الحدث ( موت البوعزيزي ) قد اضطرّت هكذا عقلا، يدرج الانتحار في خانة الحرام المطلق والمنتحرَ في خانة الكائن المنسي واللامرجعي(7)، إلى مناقضة بنيته الفقهية المانوية مكرَها، واعتماده تاريخا لثورة يُراد أن يزجّ بها في اليُتم الهوويّ والانبتات التاريخي. وعليه سيظلّ السؤال الدولوزي في صيغته التونسية عالقا كالصخرة في باب مغارة: ماذا يبقى من البوعزيزي، ما هو نموذجه الشخصي، ما هو معنى موته؟ على الأرجح أنه موت عالق ويرادُ له أن يظلّ كذلك مادام الجهاز الروحي لعصره فاقدا كلّ قدرة على تحيين أدواته وبعثرة مانوياته. يجرّنا هذا إلى طرفة القول: إنّ السابع عشر من ديسمبر 2010 تاريخ قائم خارج الأفق النظري للتنوير، تاريخ مسلوب من الانسان، مسحوب جهة الله. ذلـك أن البوعزيـــزي- وفق ما يرى ذلك قرّاء الكراريس الصفراء- لم يمت جوعا أو فقرا إنما يأسًا من رحمة الله. هكذا يتمّ افقاد الثورة التونسية كلّ مراجعها الأرضية. ربّ درامية تحدو بنا إلى توسيع أفق السؤال الدولوزي بطرح الأداة الاستفهامية لماذا. لماذا السابع عشر من ديسمبر؟للأمر علاقة مثلما أسلفنا باستراتيجية افقاد الثورة التونسية سندها الهووي، لتسهيل افراغها ومن ثمّة اجهاضها، أما الوسيلة الحاسمة في ذلك فليست شيئا آخر سوى اعلاء حدث الاحتراق إلى مرتبة الرمز لتسهيل امتصاص واقعية الحدث ومن ثمة افنائهِ. الأمر شبيه بما تفعله النار: تقتات من نفسها مسرّعة بذلك موتها، تدمّر مراجعها وتختصر المسافة بين الإسم والجسم إلى حفنةٍ من رمادٍ. ربّ طبيعة تكوينية تعيد إلى أذهاننا تعريف جان بودريار للمصطنَع Simulacre: ‘ المصطنَع ليس اطلاقا هو ما يخفي الواقع، بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع. المصطنع حقيقي.’. ‘ هذا هو الاصطناع من حيث هو متعارض مع التمثيل. ينطلق التمثيل من مبدأ معادلة الرمز بالواقع. أما الاصطناع فينطلق بالعكس من وهم مبدأ المعادلة، ينطلق من النفي الجذري للرمز باعتباره قيمة، إنه ينطلق من الرمز كردّة وعملية موت لكلّ مرجع’.ماذا نفهم من هكذا قول، من هكذا مشابهة، سوى أنّ حدث احتراق البوعزيزي هو المصطنَع عينه. تدميرُ ثنائية الدال والمدلول، افتراسُ الرمز للمرجعية التي كان يمثلها الواقع…إلخ، ألا تشابه انتصاب الرمز البوعزيزي محلّ الواقع الذي ثار عليه، بل حتى محلّ عذابه الشخصي؟ البوعزيزي غدت له ساحة باسمه وأقيم له متحف تُعرض فيه عربته وفنانون يقتاتون من لحمه. هكذا يصفّي الفاعلون السياسيون عذابات شعب كامل بتذويت العذاب وتجريده ( جعله مجرَّدا ) كما تجرّد الخرائط تفاصيل الأقاليم، ومن ثمة رفعه إلى مرتبة الواقع الذي ثار عليه.الفوريّة مضاف إليها اختصار المسافة بين الرمز والواقع إلى الدرجة صفر، هو ما يسمح بامتصاص الواقعات. ربّما لذلك تظلّ انتفاضة 05 جانفي 2008 احراجا تارخيا لكل دكتاتورية: ثماني أشهر من الحصار والمداهماتِ، آلاف الحناجر الهادرة، فكر نضاليّ ينضج في الساحاتِ، قيادة ثورية، شهداء وجرحى، سجناء ومطاردون…كلّ ذلك سيكون أشبه بأكوام حجارةٍ مسنونةٍ من شأنها أن تهشّم نواعير كلّ طاحونةٍ للاصطناع.3- وهمُ ‘الشعب يريد’ :’ إذا الشعبُ يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر’ (8)’ من المؤكد أنه لم يلتق الحقيقة ذلك الذي كان يتكلّم على ارادة الحياة، فهذه الارادة غير موجودة. لأن ما ليس موجودا لا يستطيع الارادة، وكيف يمكن لما يكون في الحياة أن يرغب أيضا في الحياة ‘.نيتشه قال هذا في هكذا تحدّث زرادشت. يُفترض بنا أن نسأل: ما الذي تريده ارادة ما من وجهة نظر العبيد الخارجين من نفق الظلمات إلى ضوء الحياة بعد أكثر من نصف قرن من التجهيل والاستبداد؟الجوابُ بسيط: تريد أن تُمثّل، أن تحصل على الاعتراف. ‘في الواقع، لقد جرى كلّ شيء بين عبيدٍ أكانوا منتصرين أو كانوا مهزومين. إنّ هوس التمثيل، وأن يمثِل ( المرءُ ) ويجعلُ نفسه يُمثَلُ، أن يكون له ممثِلون وممثَلون: ذلك هو الهوس الذي يشترك فيه كل العبيد، العلاقة الوحيدة التي يتصورونها في ما بينهم'(9). ارادة التمثيل تستتبع ضرورةً ارادة استسناد قيم متداولةٍ. ما الذي يعنيه هكذا قول؟ ما الذي يفسّر هرولة التونسيين إلى انتخاباتٍ رمت بهم في غابةِ الوحش؟ الجوابُ بسيط: أخلاقُ العبيد التي لا يمكن أن تُقرأ خارج الأفق الروحي لثقافةٍ لم تجد طريقها بعدُ إلى التنوير. إذن، ما الذي يمكن أن تعنيه ارادة الشعب غير ارادة الاستيلاء على كلّ وعد بالحرية وردّه إلى مجرّد صيغةٍ للوعيدِ الالهيّ؟ ثمة أمر آخر، ما الذي تعنيه كلمة ‘الشعب’ أصلا؟ ما المراد برفعها بديلا عن شعارات 05 جانفي 2008، ‘خبز حرية كرامة وطنية’ و ‘الكدّ في المناجم والمال في العواصم’؟يمكن القول إنه ليس من كلمةٍ أكثر خبثا من كلمة الشعب، ذلك أنها تصرف الأنظار عن التناقض الطبقي بين التشكيلات الاجتماعية لصالح تسوية موهومة بينها. لا عجبَ إذن أن تكون البرجوازية اللاوطنية والعصابات الكمبرادورية المستفيدَ الأكبر من هكذا شعار، فقد تمّ امتصاص احتمالات العنف الثوري بهذه الكلمة السحرية ‘الشعب’ التي فتحت الباب على مصراعيه أمام وحش الرومانسية ليلتهم غضبَ الفقراء والمهمّشين وجيوش المعطّلين ويلقي في أسماعهم خرافاته عن ضرورة التآلف بين التونسيين والتضامن فيما بينهم لتجاوز الأزمة. نرى إذن كيف تمّ اختصار قوى العمل إلى ذواتٍ متجانسة طبقيا، ليتمّ حلّ التناقض فيما يبنهم، والقاء المسؤولية على الجميع. إنه التوزيع العادلُ للأزمة بعدما تعذّر التوزيع العادل للثروة. هنا بالذات يكمن التضليل الإيديولوجي لشعار ‘الشعبُ يريدُ’ بتحديده للأزمة في وجودها الفعلي كأزمة بشكل عام بدل أن تكون أزمة عامة.أفتح الصفحة 42 من كتاب ‘في تمرحل التاريخ’ لمهدي عامل وأقرأ:’والفارق كبير جدا بين أن تكون الأزمة أزمة عامة وبين أن تكون أزمة بشكل عام، فهي في الحالة الأولى، شكل تاريخيّ محدّد من الحركة المحورية للصراع الطبقي، ترابط فيه التناقضات الاجتماعية انصهاريا، فتتحرّك جميعها في شكلها السياسي، وتصبّ في نقطة انصهار هي منها تناقض تتكثف فيه، فتجد بحلّه، وفي حلّه، الشرط الأساسي لحلّها. والحلّ ذاك، كالشرط هذا، واحد، هو تغيير السلطة الطبقية بانتزاع سلطة الدولة من الطبقة المسيطرة ووضعها في يد الطبقة المسيطرة النقيض.أما في الحالة الثانية، فالأزمة، من حيث هي أزمة بشكل عام، لا وجود ماديًا لها، لأن ليس لها شكل تاريخيّ محدد. فهي إذن ليست في حركة الصراع الطبقي أزمة إلاّ على أساس من انتفاء تحدّدها بهذه الحركة الفعلية المتميزة. حين ينتفي واقع هذه الحركة بانتفاء الآلية التي تتحكّم به في تميزه، تتسطح الظاهرات الاجتماعية ويتبسّط التناقض فيها، فتتماثل الأزمات كلها بشكل ترى فيه الارادية عند أيّ أزمة مناسبة الثورة. لذا، يمكن القول إن الارادية مناسبية، بمعنى أن المنطق المناسبيّ منطقها. فالثورة مطلق في انتظار مناسبته، لا تربطه بها علاقة الضرورة. فالمناسبة إذن هي، في منطق الارادية، انفلات الصراع الطبقي من آليته الضرورية، وتبعثره أحداثا تأخذ بالصدفة شكل أزمة، فتظهر الثورة حينئذٍ كضرورة مباشرة. وما الضرورة هذه سوى ضرورة الارادة، لا ضرورة الصراع الطبقي'(10). هذا ما حدث عشية 14 جانفي 2010: لقد تمّ اعدام الشعارات الطبقية التي رفعتها انتفاضة الحوض المنجمي لصالح شعار رومانسي مستقلّ عن تاريخ الصراع الطبقي للبنى الاجتماعية. هاكُم المعنى الخفيّ لاسقاط شهداء الحوض المنجمي من المرسوم المتعلّق بشهداء الحوض المنجمي. ملاحظات ختامية / في فضح مخاتلاتٍ لا تنتهي:إن رأس الاشكال في اسقاط شهداء الحوض المنجمي من المرسوم 97- وفق ما يرى فقهاء القانون الثوري يتحدّد في مصادرتين اثنتين:الأولى ميقاتيّة (11) تتذرّع بالحاجة إلى ضبط تاريخ واضح لاندلاع الثورة وانتهائها. والثانية سياسوية أخلاقوية تتذرّع بالاحراج الذي يمكن أن يستتبع الاعتراف بشهداء الحوض المنجميّ، في علاقةٍ بتوسيع المرسوم ليشمل ضحايا الدكتاتورية على مدى أكثر من نصف قرن من الاستقلال.تقدّم المصادرة الأولى المثالَ على أن كتبة المراسيم تحت قبّة مجلس اختطاف الثورة التونسية يعانون معاصرة اجبارية تمنعهم من قراءة الحدث في ضوء الحركة التاريخية للبنية الاجتماعية، من أجهزةٍ وسلطةٍ ومؤسسات وعلاقات انتاج. وهنا سنقتصر على ايراد ملاحظتين:أوّلا- أنّ الميقاتية ليست سوى أثر الوهم الذي يحاول حزب حركة النهضة أن يثبّته في الأذهان في سعيه إلى تثبيت سيطرته الايديولوجية. إن التضليل الايديولوجي في التاريخ الذي يُراد تثبيته للــثورة التونسية ( 17 ديسمبر 14 جانفي ) ينطلق من منظور هيجلي، يرسم حركة التاريخ خطّا مستمرّا متصلا، ضدًّا على قراءة علمية تفهم هكذا حركة على أنها تقطعات وقفزات بنيوية. في عبارة رشيقة له، يشيرُ مهدي عامل إلى أن ‘ في هذا التحديد تبرير لما يمكن أن يأتي به مستقبل الفكر أو البنية الاجتماعية من تطور جديد هو في الحقيقة حركة رجعية أكثر منها تقدمية، تعود بالفكر، أو بالبنية الاجتماعية، إلى ما قبل ما وصل إليه، في تطوره، من ضرورة السير في هذا التطور، أو القفز به إلى اطار بنيوي آخر يجد فيه حلاّ صحيحا لتناقضاته’. (12) ثانيًا أنّ التاريخ الذي يحاوَل الصاقه بالثورة التونسية سيظلّ تاريخا غيبيّا يسهّل الركوب عليها، طالما أنه لا يقدّم تحديدًا علميا لطبيعة الأزمة التي مرّ بها تطوّر البنية الاجتماعية ( هل هي أزمة هيمنة طبقية أم أزمة سيطرةٍ طبقيةٍ؟ هل هي أزمة إيديولوجية أم اقتصادية أم سياسية، أم هي أزمة عامة؟). إنه في ضوء هذين الملاحظتين تنحلّ خيوط المصادرة الثانية. يتعلّق الأمرُ بالتضليل الإيديولوجي في اثارةِ ملف اليوسفيين وشهداء أحداث الخبز وغيرهم من سجناء الرأي وضحاياه، ردّا على الأصوات المطالبة بادراج شهداء الحوض المنجمي في المرسوم 97.إنّ الكشف عن وجه التضليل في هكذا مصادرةٍ تطرح نفسها في صيغة احراج سياسوي وأخلاقوي ، يتلخص في جملة من الملاحظات:أوّلا – أن الصراع اليوسفي البورقيبي لم يكن صراعا بين حزبٍ حاكم ونقيضه الثوري، بل تمايزا داخل الحزب الواحد، ما يفسّر أنّ الصراع بين الشقين لم يُحدث تحويلا ثوريا في التناقض بينهما. ما نريدُ قوله، إن الصراع اليوسفي البورقيبي حاصل بين طرفين متماثلين سياسيّا وطبقيّا، وإن اختلفا إيديولوجيا. لذا، كان من قبيل المستحيل أن يمثّل الخط اليوسفي بديلا ثوريا في حال انتصاره على نظيره البورقيبي وانتقاله إلى موقع السيطرة الطبقية، ذلك أنّ هذا التحوّل لم يكن ليحدث في إطار التناقض الطبقي مع الخط البورقيبي، بل تحرّكا آخر في إطاره نفسه. اليوسفيون سقطوا من أجل الشرق البعيدِ جدّا، لا من أجل تونس وجماهيرها الكادحة. ثانيًا أن المحاولة الانقلابية سنة 1962، شأنَ كلّ الانقلابات، لم تكن خيارا شعبيّا، إنما حدثا فوقيّا يحاول استبدال قيادةٍ بقيادةٍ.ثالثا أنّ أحداث الخبز سنة 1984 لم تكن أكثر من ردّة فعل رومانسيةٍ تفتقد الوضوح النظري والقيادة الثورية. ما يمكن قوله من وجهة نظر علمية، أن أحداث الخبز مثال ساطع على الغموض النظري في عدم التمييز بين التناقض الاقتصادي الأساسي وهذا التناقض في الحقل الاقتصادي للصراع الطبقي. ‘غموض ناتج عن عدم فهم هذه الضرورة في تحديد هذا التناقض الأخير في نسبته إلى التناقض الأساسي’ (13). لعلّ ذلك ما يفسّر انقلاب الشعاراتِ في أقلّ من أيّام ثلاثةٍ من النقيض إلى النقيض.رابعا أنّه لابدّ أن نتحلّى بالكثير من الشجاعة لنقول إن الاسلاميين والقوميين واليساريين الذين يُزايد بهم مجلس اختطاف الثورة، كانوا يناضلون انطلاقا من الخطوط الكبرى لأحزابهم المشدودة بحبال من مسدٍ إلى مرابع نجدٍ وقاهرة المعز. يكفي أن نحاول تلمّس أثر الفكر الذي دافع عنه هؤلاء في حركة الواقع الاجتماعي، أي في تذكية الصراع الطبقي ونقله من ضيق الدكاكين الحزبية وساحات الكليات إلى رحابة الشوارع وأتربة الأزقة، حتى نكتشف اغترابه وبؤسه. لابدّ من الكثير من الشجاعة ومن الوقت أيضا، قبل أن تسقط الأوهام والأراجيف التي علقت بالثورة التونسية. لابدّ من الكثير من المعرفة العلمية قبل أن يقتنع الراكبون على الثورة أن انتفاضة الحوض المنجمي 2008 هي الثورة. الثورة التي هي تأطير الجماهير لتلعب دور طبقةٍ ثوريةٍ تصنع فكرها في برد الساحات ودخان القذائف المسيلة للدموع، مسلّحة بوعي علمي استمدته من ممارسة يومية للنضال لمدة فاقت الستة أشهر ومن تراكم وعي طبقي فاق نصف قرن، قبل أن تخوض معركتها بفكرثوريّ واضح الملامح: اظهار اختلافها الطبقي عن السماسرة وكمبرادورات الاقتصاد الوطني. ربط تطور الفكر الثوري الذي اكتسبته بالحركة المحورية للصراع الطبقي. المقصود بذلك أن تصير الحركة الخاصة بالممارسة السياسية للجماهير حركة تقوم في أساسها على تسييس كلّ ممارسةٍ للصراع الطبقي، بهدف اجراء التحويل الثوري في علاقات الانتاج.إذن، من تراهُ سيمحو من ذاكرة التاريخ أن شعارات اسقاط النظام انطلقت شتاء 2008 ولأوّل مرة، مترافقة مع شعارات التوزيع العادل للثروة والقطع النهائي مع ايديولوجيا الطبقة المسيطرة؟ من سينكر، من دون أن يلعن نفسه، أنّ فجر الجماهير أطلّ من قرى الفسفاط؟ فجر الجماهير الذي يُحاول أردأ ساسة هذا الوطن حشره في ظلام الدكاكين.أيها التونسيون، أيتها التونسياتُ سلامًا ! 1- جان بودريار المصطنع والاصطناع المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى 2008 – ص 472- جان بودريار مرجع سابق ص 503- جيل دولوز نيتشه والفلسفة منشورات الجامعة الفرنسية ص 1994- نستحضر في هذا المقام عبارة محمود المسعدي في كتابه…. ‘ليس أطهر ممّن احترق فصفّته النارُ’. ستظل للنار في الأفق الروحي للثقافة العربية الاسلامية دلالة ماهويّة بوصفها أداة للعقاب الأخرويّ والدنيويّ. نشير إلى قصة النبي ابراهيم مع النمرود مثالا.حتى أننا ربّما لا نبالغ إذا ذهبنا إلى أنه ليس من مفردةٍ أكثر اختراقا لنصّ القرآن من مفردة النار ومشتقاتها. 5- إنّ من شأن كلّ تأويليةٍ لمفردة النسيان في النص القرآني أن تصبّ في دلالة العقاب الأقصى:’ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى’ الآية 136 سورة طه – ‘نسوا الله فنسيهم’ الآية 67 سورة التوبة. تُجمع أغلب التفاسير على أن دلالة النسيان تنصرف إلى تخليد مقترف الكبيرة في قرارة الجحيم. ما يعمّق هكذا دلالة هو ما تكادُ تجمع عليه أغلب المذاهب من تحريم الصلاة على قاتل نفسه. تحريم الصلاة على المنتحر، كطقس من طقوس تجسير المسافة بين الميت وخالقه، يُشرع الباب على معاني النبذ والبراءة منه وعلى الرغبة في تطهير الذاكرة من إسمه ورسمه. ما يمكن فهمه، كمحصّلةٍ، أنّ صلاة المّيت وقف على الذين سيُعرضون يوم الحساب على خالقهم، أمّا المنتحرون فأمرهم مفروغ منهم، كما لو أنّ فعل الانتحار يُعدم كتاب الأعمال بحسناته وسيّئاته، فلا تعودُ من ثمة حاجة لتقديم صاحبه بين يدي خالقه. 6- من نافل القول أنّ بنية الفكر الفقهي لا تسمح مطلقا باثارة مفهوم ما عن الذات أو الكيان. فحتى كلمة الانسان، في القرآن كما في السّنة، ظلّت سديمية لا علاقة بها بالحياة وبانشباك الكائن بتفاصيل أيّامه وأهوالها. إنّ طرح الانسان في هكذا سياقات فجائية هو ما يسمح بطرحه على مستوى أنطولوجي. ولأنّ هكذا مستوى يمكن أن يسدّد الضربة الأقسى لبنية الفكر الفقهي يُناور هذا الأخيرُ لتجريد الانسان من كلّ أعذاره – التي دفعت به إلى اختيار موته – كصيغةٍ من صيغ تبرئة القدر، المرادُ به الاله. ذا هو كوجيتو الفكر الفقهي: أنتَ تنتحر إذن أنتَ لم توجد.7- تثير وضعية المنتحر في الثقافة الاسلامية صورة الغلادياتور أو الضحية المقدّسة المدنسة Homines sacri / Home sacer. والمقدّس هو السيّء، المجرمُ، المحكوم عليه بأنه مذنب يجبُ التضحية به بحيث لا يُعتبر قاتله مذنبا ولا يحقّ لأحد الأخذ بثأره. إنه انسان زائد، لذلك لا يجب أن يُذكر أصلا. الثأر للانسان المقدّس، تماما كما الصلاة على قاتل نفسه، كلاهما محرّمان طالما أنهما صيغتان من صيغ الاعتراف بمن لا مرجعية هووية له.8- بيتٌ للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، رُفع في الساحاتِ وعُدّ شعار الثورة التونسية.9- جيل دولوز مرجع سابق ص 10410- مهدي عامل في تمرحل التاريخ – دار الفارابي ص 4211- إنّ القصد من اعتماد مفردة الميقاتية هو الاشارة إلى نظرةٍ مثاليةٍ للتاريخ ضدّا على مقاربةٍ علميةٍ تقرأ حركته في ضوء الشروط الاجتماعية المحددة في كلّ بنية اجتماعيةٍ. إنّ من شأن هكذا مقاربة مثالية تفصل الانتقالات التاريخية الكبرى عن شروطها المادية أن تختزل الثورة إلى مجرّد حدث مغتربٍ عن قوانين بنيته، ما يسهّل اختطافه واعدامه. 12- مهدي عامل أزمة الحضارة أم أزمة البرجوازيات العربية دار الفارابي الطبعة الثالثة 1981- ص 120 13- لتمييز أكثر دقّة بين التناقض الاقتصادي والشكل الاقتصادي للتناقض السياسي، يُستأنس بمهدي عامل مقدمات نظرية دار الفارابي الطبعة الخامسة 1986- ص 126qadqpt