زهرة مرعي
بحث حثيث اتبعه الشريط التلفزيوني الذي قرر الوصول إلى سبب الموت الغامض لياسر عرفات بالتعاون مع زوجته. كان صاحب الشريط ومساعدوه يقتفون أثر الأطباء واحداً واحداً عرباً وفرنسيين. وكانت الإنطلاقة من مستشفى برسي في باريس، حيث نقل عرفات من رام الله، وحيث تدهورت حاله وقضى نحبه. بعد سنوات على الرحيل اللغز لعرفات، وإن كانت كافة التحليلات قد قالت بمسلمة الإغتيال بالسم دون دليل، فقد توصل التحقيق الإستقصائي الحثيث وعلى مدى تسعة أشهر لقناة الجزيرة إلى أن الرجل الرمز قتل بالبولونيوم. كيف؟ الأمر لا يزال لغزاً آخر وربما يبقى كذلك، لكن البروفسور فرانسوا بروشو المسؤول في أحد المختبرات السويسرية والذي قدم لنا ما أطلق عليه حقيبة عرفات، والتي تضمنت مقتنياته الخاصة بما فيها قبعته الروسية الشهيرة، أكد أن عينات من هذه المقتنيات أظهر تحليلها أنها مشبعة بالبولونيوم. العينات تمثلت ببقعة دماء موجودة على القبعة الطبية الزرقاء التي كانت على رأسه قبل الرحيل. وبأخرى من قبعته الروسية، ومن فرشاة أسنانه. نسبة البولونيوم في مختلف هذه العينات تتراوح بين 50 و60 ‘. جمع من الأطباء لاحقهم التحقيق الإستقصائي الذي أعدته الجزيرة من باريس إلى تونس إلى مصر. بعضهم من العرب ويحمل الجنسية التونسية أو المصرية، وأحدهم فلسطيني. أكثرهم رغب بالبقاء بعيداً عن هذا الملف، وطلب بالبحث عن الحقيقة ‘مش عندي’. منهم من تصرف بعصبية، ومنهم من تهرب أو حاول، إنما فريق الجزيرة كان ملحاً ومصراً بحيث كان يسجل معهم حواراً بالصوت وعبر الهاتف كدليل على جهده. كذلك كان الأمر مع البروفسور فرانسوا بريكير خبير الأمراض المعدية الذي أشرف على علاج عرفات في مستشفى بيرسي، والذي تمنع عن الحديث للجزيرة.
الطبيب الفلسطيني الذي كان ملازماً لعرفات الدكتور عمر دقة تهرب من الجزيرة التي لاحقته بعد الهاتف حتى سفارة فلسطين في تونس حيث هو الآن نائب سفير منظمة التحرير، وهو أنهى البحث مع الصحفي بالقول ‘كل ما عندي موجود في رام الله’. قالها عبر الهاتف. فاللقاء الشخصي معه لم يكن متاحاً. وفي مصر قال الدكتور عمر زكي الذي زار رام الله وكشف على عرفات على رأس وفد طبي مصري رسمي: رفعنا التقرير إلى الفريق عمر سليمان.
من التفاصيل المهمة جداً التي كشفها التحقيق الإستقصائي تتمثل في تخلص مستشفى بيرسي من العينات البيولوجية لعرفات من دم وبول في سنة 2008، أي بعد أربع سنوات على وفاته. وهذا مثير للتساؤل. ولهذا كانت نصيحة البروفسور فرانسوا بروشو الذي حلل عينات من مقتنياته الشخصية لزوجة عرفات بضرورة إخضاع عينة من عظامه للتحليل وبأقصى سرعة، لأن البولونيوم يتحلل مع مرور الزمن.
وهكذا تم إقفال التحقيق الإستقصائي على سؤال من الصحفي لسهى عرفات: ما هي خطتك القادمة؟ سأطالب بإستخراج جثمان زوجي. هذه مسؤوليتي كأم وشريكة على مدى 20 سنة. لكن السؤال هل سيستجيب المعنيون بالأمر وهم متواطئون منذ سنوات في طمس الحقيقة؟ وهل يبقى التحقيق الإستقصائي الناجح لقناة الجزيرة مؤكداً لفرضية تسميم عرفات من قبل الموساد الصهيوني، بعيداً عن حقيقة ناصعة ساطعة لا لبس فيها؟ ربما. لكن من السلطة جاء تعليق لصائب عريقات يطالب بمحكمة دولية لكشف كيف قتل عرفات. ولم نعرف إن كان موقفاً شخصياً أم رسمياً؟ وإن كان رسمياً متى تبدأ آلياته؟
أمر ونهيلم تعد جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودة في مصر كشائعة تنتشر وتكبر دون حقيقة تستند إليها، بل أصبحت واقعاً. كافة القنوات المصرية تحدثت عن تلك الجماعة التكفيرية التي قتلت طالب الهندسة في السويس إثر إفتعال إشكال معه على خلفية مرافقته لخطيبته. ووالد الضحية الأولى لجماعات التكفير في مصر يرفض تقبل العزاء. برنامج ‘الحقيقة’ مع وائل الأبراشي على قناة دريم عالج هذا الموضوع وغيره من موضوعات الحرية الشخصية مع رجال دين ومدنيين. رجال الدين كالوا سيلاً من أوصاف الجهل على من يقومون بهذه الأفعال وأدانوهم. بعض المشاركين في حلقة الحقيقة وجدوا في مثل تلك السلوكيات المنتشرة في شوارع مصر بعد نجاح مرسي في منصب الرئاسة المصرية، بأنها تعبير عن كبت لأكثر من نصف قرن. فمن قال أن مصر قبل نصف قرن كانت تدين وتهين غير المحجبة؟ وتجلد من يسير مع خطيبته في وضح النهار وتحت أشعة الشمس الساطعة؟
إلى برنامج وائل الأبراشي جاء إتصال من السيدة نور. تروي عبر الهاتف بأنها سيدة محجبة، وترتدي ملابس محتشمة كانت في طريقها إلى عملها في الزمالك، فإذا بسيدة منقبة ترافق ملتحيا تقول لها: يحصلك أيه لو تنقبت؟ دافعت المرأة عن نفسها. ازداد التهجم عليها. سبها الملتحي. وعندما هددتهما بالتوجه إلى الشرطة للشكوى ‘رفعت المنقبة يدها وأدتني ألم’ (صفعتها على وجهها). وهكذا صار بين جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مصر يد ضاربة ناعمة، وقاتلة ذكورية.
وفي أستوديو الحقيقة قال ضيف لدى الأبراشي مستنتجاً: هذا في الزمالك فما بالك في الأحياء الشعبية؟ وهذا ما نقرأ عنه الكثير في الصحف ولا نجده بالحجم نفسه على الشاشات. إنها فتاوى التكفير. الناس تنصب نفسها قاض وجلاد. تفتي، تستنتج، تصدر الأحكام وتنفذها. فهل باتت الحرية الشخصية محكومة بأفق أهل النهي عن المنكر في مصر؟ وفي رام الله تُكسر العظامإن كانت بعض الشعوب العربية تموت مجموعات تلو مجموعات بضربات السلطات، أو ضربات أطياف المعارضين الذين يتباهون بذبح مخالفيهم من الوريد للوريد، أو حتى تفجيرهم، ففي رام الله المحتلة تمارس من تعرّف عن نفسها ب’السلطة’ سلطة الدفاع عن الصهيوني شاوول موفاز وبكل الوسائل المتاحة. فحتى في فلسطين المحتلة يُدفع بالمدنيين إلى الواجهة لتكسير عظام المحتجين. ففي رام الله كانت مجموعة من المصورين والصحفيين في طريقها للإحتجاج على زيارة زعيم حزب كاديما الصهيوني لرام الله، وبينما هم في طريقهم إلى مقر الرئاسة هاجمتهم عناصر الشرطة بلباسها المدني، ونزلت بهم ضرباً مبرحاً. هذا الدفاع الوحشي عن زيارة موفاز، أو هذه الرغبة وهذه الحماية لمثل تلك الزيارة تجلت بكسور للعديد من الصحافيين والمصورين وبعضهم لا يزال في المستشفى. كما تسببت بجروح بليغة لدى آخرين. بعد هذا الإعتداء السافر من قبل شرطة رام الله أو من أسماهم المتظاهرون ب’أجهزة دايتون’ ترك لدى المحتجين مشروعية المطالبة بسقوط حكم العسكر في فلسطين. خاصة عندما تتضافر جهود هذا العسكر مع جهود سلطة الإحتلال معاً ضد الشعب الفلسطيني الذي يأبى المهانة. إعتداء رام الله الوقح على الصحافيين، ووقوف شرطة رام الله مدافعاً عن موفاز المجرم يشكل نسخة طبق الأصل لأي نظام عربي قمعي، سواء كان تحت الإحتلال الصهيوني، أو تحت الإحتلال القمعي المهيمن على عقول كافة الحكام العرب. هو ضيق أفق بحرية الرأي، وضيق صدر بغير الرأي ‘السلطوي المعلب’. المرأة السعودية إلى الرياضة الأولمبية؟
في بدايات ستينيات القرن العشرين كانت رائدة الفضاء السوفياتية فالنتينا تريشيكوفا تمخر عباب الفضاء في رحلة إلى القمر كأول إمرأة في العالم. وبعد دزينة من السنوات طويناها من القرن الواحد والعشرين صدر بيان عن الرئاسة العامة للرياضة والشباب في السعودية بالموافقة على مشاركة المرأة السعودية في أولمبياد لندن شرط موافقة ولي أمرها ووجوده معها. وشرط ارتدائها الزي الشرعي المناسب. وشرط عدم الإختلاط بالرجال.
هو ثالوث شروط الموافقة ليكون للمرأة السعودية صوت رياضي خارج بلادها، وهو حق شرعي ممنوعة منه الفتاة في مدرستها السعودية. هذا البيان الرسمي السعودي ‘المتقدم في طرحه والسابق لزمانه’ إستدعى إحتفالية من قناة BBC اللندنية وحواراً مع مدير حملة ‘لا رياضة بدون نساء’ للوقوف على رأيه. البيان الرسمي الذي حاولت المذيعة الدفاع عنه ‘كإنجاز’ وجد فيه علي الأحمد تمييزاً أشد من الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وذلك إنطلاقاً من أحكام القانون الأولمبي. دافعت المذيعة عن القيم والعادات، ودافع الأحمد عن حق المرأة بالحياة. حاولت المذيعة الإلتفاف عليه بإستنتاج وجود ولي الأمر برضاها، فسخّف من مشاركة رياضية في أولمبياد ب 5 أو 100 إمرأة، فيما ملايين الفتيات ممنوعات من ممارسة الرياضة في مدارسهن. مجتمعات لا تحقق المساواة في الحقوق والواجبات بين طرفي المعادلة الإنسانية والمجتمعية لن تتطور. وإن فعلت فشكلاً، وأفقياً فقط لا غير.
صحافية من لبنان