أطلقت مجموعة من الكتاب والمثقفين السوريين رابطة ثقافية سموها «الرابطة السورية للثقافة الجديدة» تنشر «القدس العربي» ها هنا بيانها التأسيسي:
يعيش الوطن السوري منذ أكثر من ثلاث سنوات مرحلة من أخطر مراحل تاريخه الحديث، مرحلة تهدد كيانه السياسي والمجتمعي والأخلاقي والتاريخي؛ لكنها مع ذلك مقدمة لبناء وطن يقوم على مبادئ الحرية، والعدالة، والانفتاح، والتقدم، ودولة القانون والمؤسسات، والنظام الديمقراطي، وحقوق الإنسان بما في ذلك حق التعبير عن الهويات الدينية والثقافية والقومية في جميع تمايزاتها وتعيّناتها.
إن الكارثة السورية التي نعيش وقائعها اليوم هي الأخطر بكل المقاييس في مسلسل نكبات المنطقة وكوارثها. فما حصل لم يكن تدميراً للعمران المادي في سوريا وحسب، بل هو تدمير للوطن بكل أبعاده وعناصره، وفي مقدمة ذلك الإنسان، وما قد يتبع هذا من تفكيك للحمة الوطنية المؤسسة والجامعة لسوريا.
والأفدح في هذه الكارثة أن المشاريع الطائفية والإقصائية بصورها المختلفة، أخذت تعيد إنتاج منطقها الماضوي، وتخليق منظومتها الفكرية والأخلاقية والسياسية، في محاولة لفرض شرعيتها بأساليب القهر والفرض وعدم الاعتراف بالآخر.
وبالمقابل، فإن المشاريع المؤسسة للفكر الديمقراطي المدني الحامل للروح الحضارية السورية مهددة بالتراجع والغياب، ما يعني إفساح الفرصة أمام قوى الاستبداد والتأخر التاريخي للاستفراد بالوطن، والتحكم بمصيره.
من هنا تبدو الحاجة ماسةً لمواجهة تلك القوى، عبر عملية تجذير لثقافة وطنية جديدة تتجاوز ثقافة النظام الحاكم من جهة، وتمثل من جهة أخرى الإنسان في صيرورته التاريخية والإنسانية، لتعبر بصدق عن التفاعلات الحضارية التي اغتنت وتميزت بها سوريا في مختلف مراحل تاريخها الطويل.
ورغم المحنة الكبرى الراهنة، ورغم آلة القتل العدمية العمياء التي تتحرك وتفتك وتدمّر، فإن المشهد غنيّ بأشكال متنوعة من المقاومة، منها الإبداع الفني والثقافي في أرقى نماذجه، وأشدها تعبيراً عن الروح السورية الحقيقية.
ولا شك أن السبيل الأفضل إلى تطوير الأدوات الثقافية، وتفعيل دورها في عملية المقاومة تلك، وفي تحسين نوعية الحياة على المستويين الوطني والإنساني، هو الحوار المفتوح الشامل لفضاءات الماضي والحاضر والتطلع إلى المستقبل الأفضل الذي ينهل من إيجابيات تاريخنا الحضاري، ويبني على أصالة ونبل مكنونات شعبنا بكل طوائفه.
بقوة هذه الرؤية تداعى عدد من العاملين في مجال الثقافة والفنون إلى تأسيس (الرابطة السورية للثقافة الجديدة)، وذلك بدافعٍ من قلقهم البالغ تجاه ما يتهدّد الثورة السورية والإنسان والوطن من أخطار ناجمة عن طبيعة النظام بالدرجة الأولى، ومفرزاتها من المشاريع الظلامية المبنية على توظيف الأحداث السوداء واللحظات القاتمة في تاريخنا للتعبئة الغرائزية.
وايماناً منا بأن الجوهر العميق للثورة السورية هو جوهر مدني حضاري تغذّيه شعارات وطموحات خلاقة تتّسق وتنسجم مع قيم الإنسان النبيلة…
وتطلعاً صادقاً وطموحاً منّا في أن يكون للمثقف والكاتب والأديب والفنان وسائر الناشطين المبدعين دور يكمل ويغني أدوار العاملين في الميادين الأخرى في تخليص الوطن من أزمته الراهنة، وبناء مستقبله المشرق الجديد؛ هذا الدور الذي غُيّب عن قصدٍ أو غير قصد، ما ولّد لدى شريحة واسعةٍ من أصحاب الرأي في العالم انطباعاً خاطئاً عن طبيعة الثورة السورية تغلب عليه سمة العنف والصراع المسلّح الخالص…
آخذين بعين الاعتبار ذلك كلّه نعلن أن الرابطة السورية للثقافة الجديدة قد تأسست للأهداف التالية:
1ـ إيجاد دعم للإنتاج الإبداعي والثقافي المعبر عن المرحلة وتحدياتها، بما يحمله من قيم جمالية ووطنية وإنسانية، ليشكل منطلقاً لثقافة وطنية جديدة، وليحتضن مختلف أشكال الإبداع التي من شأنها تجاوز إحباطات الإحساس بعدميّة الصراع وانغلاق الآفاق، وبثّ الإيمان بحتمية تحقّق الحلم الكبير في إعادة بناء الوطن والإنسان.
2ـ تعرية الأفكار الإقصائية المتطرّفة المدمرة، والعمل على ترسيخ قيم الحرية الخلاقة التي تتعزز في ظروف سيادة الديمقراطية والمجتمع المدني وتحقيق الحوكمة الصالحة والعدالة.
3ـ إتاحة قنوات حرة للتواصل والحوار الجادّ والفاعل بين المثقفين السوريين في مختلف انتماءاتهم وتطلعاتهم، دون شروط مسبقة، طالما كان الهدف واحداً هو الرغبة في وقف الكارثة المحدقة، والانعطاف بالحالة الراهنة باتجاه مستقبل جديد.
4ـ تأكيد دور المرأة السورية وأهمية ممارستها الحرة لدورها المتميز والفاعل في بناء الوطن حاضراً ومستقبلاً.
5ـ كما كان الشباب محركي الثورة، فإنهم سيبقون ضمانة لسلامة مسيرتها وأهدافها، ما يتطلب تمكينهم من إثبات رؤيتهم لغدهم المأمول في مناخات من الحرية، بعد أن أطلقت الثورة إبداعاتهم الغنية بالمحتوى الفكري والاجتماعي والوطني، والحس الجمالي الفني.
6ـ المحافظة على الثقافة الشعبية، بجميع ما تمتلكه من قدرات إبداعية وجمالية، والتركيز على أهمية التواصل بين الشعب ونخبه المبدعة، في معادلة تقوم على التكامل والتفاعل المنتج الخلاق.
7ـ إنّ (الرابطة السورية للثقافة الجديدة) تجمع ثقافيّ يعلو على الانتماءات المتخلفة الخانقة سواء أكانت قومية، أو دينية، أو طائفية، أو مذهبية، أو مناطقية؛ كما أنه يلتزم بعدم الارتهان لضغوط السياسة أو المال أو أي ورقة ضغط أخرى يمكن أن تطعن في صدقيته، أو تشوه مشروعه الوطني.
ويؤكد الموقعون على البيان أنهم يقدمون أنفسهم بوصفهم لجنة تحضيرية تولت مسؤولية طرح الفكرة أمام المثقفين والمبدعين السوريين، وذلك بعد سلسلة طويلة من النقاشات والمداولات، بانتظار أن ينعقد مؤتمر تأسيسي خلال أقرب وقت، لوضع نظام داخلي للرابطة، إضافة إلى برنامج محدد للانطلاق في العمل وفق الأهداف المذكورة في البيان.
والدعوة الآن موجهة إلى الجميع للتوقيع، والانضمام، تمهيداً لتحديد موعد لانعقاد المؤتمر التأسيسي.
أعضاء اللجنة التحضيرية لتأسيس الرابطة السورية للثقافة الجديدة:
د. أحمد برقاوي، إسلام أبو شكير، تيسير خلف، ثائر هلال، حسام ميرو، د. سمير تقي، د. عارف دليلة، عاصم الباشا، د. عبد الله تركماني، مأمون البني، ماهر صليبي، محمد برهان، نبيل المالح، واحة الراهب، وليد قوتلي، يارا صبري، يحيى القضماني