من ليفربول انطلقت موسيقى البيتلز، متجاوزة بريطانيا إلى غيرها من أقطار العالم، في زمن كان لا يزال فيه اعتبار لاختلاف المكان وبعد المسافات، لكن هذه الموسيقى أوصلت الشرق بالغرب، وجمعت بين مختلف الثقافات، بل صارت ثقافة كونية بذاتها، ومن يقف اليوم أمام البيتلز بعد مرور كل هذه السنوات الطويلة، ويتأمل آثارهم ومسيرتهم ومصائرهم التراجيدية أو السعيدة، وإلى أي علو ارتفعت هذه الموسيقى وحلقت بعيداً، يجد نفسه يتساءل ما هو الشأن الخطير حقاً بخصوص هؤلاء الفتية الأربعة، وما هو الركن الأكبر الذي اعتمد عليه فنهم، أهي الموسيقى، أم الصوت، أم الرؤية الخاصة والموقف تجاه العالم؟ وما يدور داخل كل عقل من هذه العقول الإبداعية، التي اجتمعت لعشر سنوات فقط، منذ عام 1960 إلى عام 1970 الذي شهد انفصال الفريق، بعد دخول الجنس اللطيف إليه بشكل أو بآخر، وكان التفكك بسبب الزوجات كما قيل، وعلى الرغم من الاستمرار بشكل فردي في ما بعد، وعمل كل منهم على مشروعه الفني الخاص، الذي أتاح له تقديم تصوراته وأسلوبه الموسيقي بحرية كاملة، دون الحاجة إلى الالتزام بأفكار الآخرين والتكيف معها، من أجل خلق التناغم المطلوب، وكما كان كل عضو من أعضاء الفريق نجماً داخل هذا الكيان، صار نجماً بمفرده أيضاً، لم تنقص شهرته أو جمهوره أو قدرته الإبداعية، وحقق نجاحاً هائلاً، ولم يخفق في صنع عالمه الموسيقي والفلسفي المختلف عن ما يقدمه أقرانه، حتى جون لينون، الذي توفي مبكراً عندما تم قتله وهو في عمر الأربعين، استطاع خلال فترة قصيرة بعد الانفصال، أن يصنع اسماً منفرداً وشخصية فنية وإنسانية عالمية بشكل فريد، أما جورج هاريسون، الذي عاش لفترة أطول، فقد واصل بحثه عن السكينة في الموسيقى الهندية الكلاسيكية، وتعاون بشكل أكبر مع صديقه وأستاذه رافي شنكار، الذي علمه العزف على آلة السيتار العتيقة، وعلى الرغم أيضاً من عدم اختفاء هؤلاء النجوم أو تأثرهم سلبياً بالانفصال، الذي كان منطقياً وصائباً، وربما ضرورياً من أجل التطور والانطلاق نحو آفاق جديدة، والانضباط الدقيق مع الواقع والمرحلة العمرية، التي لم تعد تناسبها أغاني المراهقين ورقصاتهم، على الرغم من كل ما سبق، ظل فريق البيتلز مفتقداً في نفوس البعض بصورته القديمة، واجتماع أعضائه معاً عزفاً وغناءً، وتلك القوة الفنية التي يصنعها وجودهم المكتمل.
لا تقتصر موسيقى البيتلز على الإيقاع الراقص، وأصوات الغيتار الصاخبة، وهم بالطبع بارعون في هذا النوع من الأغنيات، لكن المستمع يجد في ألبوماتهم أغنيات كثيرة، بطيئة أو متوسطة السرعة، بإيقاعات مختلفة تماماً، وتوظيف لآلات موسيقية أخرى غير الغيتار والدرامز، واستخدام قوالب موسيقية معينة، وابتكار قوالب وأشكال جديدة، وممارسة التجريب في أقصى صوره أحياناً، والتنوع في الإيقاع والميلودي وطرق تحقيق الهارموني، والاشتباك مع بعض الأنواع الموسيقية الأخرى غير الروك والبوب، والوقوع تحت التأثيرات المختلفة سواء الاجتماعية أو النفسية أو السياسية، التي تظهر في كتابة الكلمات واختيار المواضيع، كما يتنوع الغناء باختلاف الأصوات والأسلوب، الذي كان يخضع للتجريب هو الآخر، فلم يكن يكتفي أحدهم بأن يطلق الحروف ويؤديها مغناة وينتهي الأمر، والحق أن التنوع الغنائي لديهم يكاد يتساوى مع التنوع الموسيقي، فهناك دائماً ابتكار في الغناء، وطريقة نطق الكلمة وتقطيع الجملة، والضغط على بعض الحروف بدرجة تصنع تأثيراً كبيراً في نفس المستمع.
لا تقتصر موسيقى البيتلز على الإيقاع الراقص، وأصوات الغيتار الصاخبة، وهم بالطبع بارعون في هذا النوع من الأغنيات، لكن المستمع يجد في ألبوماتهم أغنيات كثيرة، بطيئة أو متوسطة السرعة، بإيقاعات مختلفة تماماً، وتوظيف لآلات موسيقية أخرى غير الغيتار والدرامز، واستخدام قوالب موسيقية معينة، وابتكار قوالب وأشكال جديدة، وممارسة التجريب في أقصى صوره أحياناً.
وكأطفال يلعبون ويحب الجمهور لعبهم، كانوا يدخلون إلى الغناء أصوات أخرى كالتنهدات مثلاً، أو بعض الحروف التي لا تشكل معنى بذاتها، لكن يستخدمها البعض أحياناً للتعبير عن الرفض أو الإعجاب وهكذا، كما أدخلوا إلى أغانيهم بعض الكلمات الأجنبية، كما في أغنية «ميشيل» التي تُغنى بعض مقاطعها باللغة الفرنسية، ويلاحظ المستمع ذلك التنوع الكبير في افتتاحيات الأغاني، وطريقة الدخول بالصوت البشري بأساليب مبتكرة، وكذلك ذهب هؤلاء الفتية بثورانهم الموسيقي الهائل، واندفاعهم الفني نحو التجديد، إلى الموسيقى الكلاسيكية، فلم تنفر نفوسهم منها، ولم ينظروا إليها كقيود ثقيلة يجب التحرر منها، فمن يستمع إلى أغنية إليانور ريغبي، يشعر بأنه استمع إلى رباعية وترية مغناة، وفي أغنية بيني لين يلمح أثراً لباخ في استخدام النحاسيات، وعلى نظام الراغا في الموسيقى الهندية الكلاسيكية، ألف جورج هاريسون أغنية Love You To مستخدماً السيتار والطبلة، لتبدو كأغنية هندية قديمة ناطقة باللغة الإنكليزية، كل هذا التنوع جعل موسيقى البيتلز غير محدودة، لكنها لم تفقد بساطتها، ولم تصل إلى درجة التعقيد الموجودة لدى بينك فلويد أو كوين مثلاً، ورغم ذلك لا يمكن وصفها بالبساطة وحسب، لأنها أتت ببعض اللمسات الفذة، التي تُكتشف بالإصغاء الجيد وتكرار الاستماع، فالأمر قد يكون محيراً إلى حد ما، وتختلف حوله الآراء، لكن المتعة الفنية ثابتة وحقيقية في النهاية.

لم يظهر فريق البيتلز في فضاء فارغ من المجموعات الموسيقية، لكنه كان بحق الفريق الأول الملهم لمجموعات أخرى كثيرة ستأتي من بعده، وبعد أن تخطى اختبارات الزمن والمنافسات القوية المتلاحقة، ظل محتفظاً بمكانه في تاريخ الموسيقى، وتاريخ الفرق الغنائية تحديداً، كمثل أعلى لا يصل إليه أي فريق آخر مهما بلغت قوته، ففي البيتلز الكل يكتب الأغاني ويلحنها، والكل يعزف على آلته الموسيقية التي تميز ظهوره، وآلات أخرى أيضاً كالبيانو، وإن لم يعزف عليها أمام الجمهور، والكل يغني ويجيد الغناء، ويمتلك الصوت المتفرد المتميز بسماته الخاصة، والكل لديه الشخصية الفنية القوية، فقد كان كل من جون لينون وجورج هاريسون وبول مكارتني ورينغو ستار، أنداداً يتنافسون في ما بينهم بشراسة، خصوصاً في النصف الثاني من مسيرتهم الفنية، فهذه المجموعة اللطيفة من الأصدقاء الذين ينتمون إلى مدينة واحدة، المتقاربين في العمر فلا يزيد الفرق بين أكبرهم وأصغرهم عن ثلاث سنوات، ويجمعهم روح الفريق والعمل الجماعي والإخلاص في سبيل شيء اسمه البيتلز، كانوا في حقيقة الأمر ينافسون بعضهم بقدر ما ينافسون الفرق الأخرى، أو المغنين الآخرين بشكل عام، وربما يكون هذا من أهم أسباب التميز والتفوق اللانهائي، ومن يستمع إلى ألبومات البيتلز، يجد التآلف والاختلاف في الوقت نفسه، بين أغنيات أبدعها لينون أو مكارتني على سبيل المثال، تعبر عن طابع الفنان الخاص، وما يود قوله وفعله موسيقياً، ورغبته في أن يصنع الأغنية الأهم داخل الألبوم، وعلى الرغم من أن قصر المدة الزمنية التي اجتمع فيها أعضاء هذا الفريق، إلا أنها تنقسم لمراحل تجعلها تبدو طويلة، فكم اختلف الأمر في بداية الستينيات عن نهايتها، وكان الانتقال من الأبيض والأسود إلى الألوان، ومن تصفيف الشعر بالشكل نفسه، بحيث يكون قصيراً من الخلف وطويلاً من الأمام يغطي كامل الجبهة، إلى شعر طويل يلامس الأكتاف، بالإضافة إلى إطلاق الشوارب واللحى الكثيفة، والتخلص من بقايا ملامح المراهقة، وتبدلها إلى نضج سريع وجدية غامضة إلى حد ما، ومن البدلات الرسمية وربطات العنق، إلى ملابس أكثر تحرراً وغريبة أحياناً، ومن الأغنيات التي تعبر عن مشاعر المراهقين، وتثير صرخات المعجبات الصغيرات، عندما يسمعن كلمات الحب الساذجة البريئة، إلى أغنيات تتناول الحب بصورة أخرى، لا أكثر حسية وحسب، وإنما بشكل أعمق يعبر عن الشخص الناضج، الذي يستطيع أن يقرر إذا كان واقعاً في الحب بالفعل، ويدرك حلاوة هذا الحب ومخاطره أيضاً.
ومن أقدم الأغنيات التي اشتهر بها فريق البيتلز، أغنية «تويست آند شاوت» وهي ليست من إبداعهم الخاص، وإنما هي أغنية أمريكية قديمة غنتها بعض الفرق من قبل، لكن أداء البيتلز جعلها تبدو وكأنها تنتمي إليهم، وارتبطت بحالة الجنون والهوس بهذا الفريق في بداية الستينيات، والرقص السائد في تلك الفترة.
من الصعب اختيار بعض أغنيات البيتلز دون غيرها، وتناولها كنماذج كافية للتعبير عما صنعه هذا الفريق فنياً في عالم الموسيقى، والتوقف عند الأغنيات المشهورة فقط رغم جمالها وقوتها واستحقاقها لهذه الشهرة، قد يحجب التمتع بأعمال أخرى لا تقل أهمية وجمالاً، وفيها تجارب فنية مذهلة لم يفعلها أحد من قبل، تدل على أن عقول هؤلاء الفتية لم تكن فارغة، ولم يكونوا مجرد مجموعة من الشباب الساعين وراء الشهرة والأموال وإعجاب الفتيات، كانت العقول مشغولة بالموسيقى أولاً وأخيراً، ومليئة بالأفكار التي ربما لم تقم كل هذه الأعمال بالتعبير عنها بما يكفي.
ومن أقدم الأغنيات التي اشتهر بها فريق البيتلز، أغنية «تويست آند شاوت» وهي ليست من إبداعهم الخاص، وإنما هي أغنية أمريكية قديمة غنتها بعض الفرق من قبل، لكن أداء البيتلز جعلها تبدو وكأنها تنتمي إليهم، وارتبطت بحالة الجنون والهوس بهذا الفريق في بداية الستينيات، والرقص السائد في تلك الفترة، وطبيعة الحركة التي يفرضها الإيقاع الموسيقي على الجسد، بالإضافة إلى الكثير من أعمالهم الخاصة الراقصة أيضاً، أما الأغنيات العاطفية فتوجد مجموعة رائعة من هذا النوع في مراحل البيتلز كافة، ومن أجملها أغنية «وأنا أحبها» بلحنها الهادئ، وكلماتها البسيطة التي تعبر عن مشاعر الحب الصافية الخالية من الشكوك أو المخاوف، وهي من مرحلة الأبيض والأسود، أما أغنية «شيء ما» فتبدو كقصيدة سهلة غير مركبة، ذات لحن رائع، وهي تعبر عن هذا الشيء الذي لا يمكن وصفه أو تعريفه، الذي يسبب الحب والانجذاب، والجميل في هذه الأغنية هو الذهاب مع تلك المشاعر بغير ثقة مطلقة، وكذلك تعد أغنية Don’t Let Me Down من أجمل أغنيات البيتلز العاطفية على الإطلاق. من ناحية الكلمات والموسيقى والغناء، وهذا التكرار لعنوان الأغنية، الذي لا يمل منه المستمع، وجمعها بين الجدية والمرح في بعض مقاطعها، والاعتراف بالوقوع في الحب تماماً، والتسليم إلى درجة الرجاء بأن لا يخذله الحبيب، ومن الأغنيات المتميزة والرائعة حقاً أغنية Nowhere Man التي تجعل المستمع يبتسم ويفكر في الوقت نفسه، ويتأمل حال هذا الرجل الضائع في اللامكان لا يعرف إلى أين يذهب، ويسأل هاريسون الذي كتب الأغنية ويكرر السؤال ألا يشبهنا هذا الرجل قليلاً، تبدو موسيقى هذه الأغنية كلحن للأطفال سهل الحفظ والترديد، وكان للغناء البطيء سحره ولإيقاع الكلمات الأثر الكبير في إيضاح المعنى الشامل، ويعد الاستماع إلى أغنية A Day in the Life تجربة فريدة حقاً، بتأثيراتها الموسيقية التي قد تصيب المستمع بالدوار، حيث تبدأ هادئة ثم تتطور الموسيقى بشكل مذهل وغير متوقع، ولا شك في أن أغنية Yesterday من أهم وأشهر أغاني البيتلز على الإطلاق وعلى مر العقود المتلاحقة، والغريب أنهم كانوا في منتصف العشرينيات من العمر عندما أصدروها، ورغم ذلك يجد المستمع فيها الحنين إلى الأمس الخالي من الهموم عندما كان الحب سهلاً وبسيطاً، ومن هذه الحكمة المبكرة، انتقل الفريق إلى حكمة أكبر وأجمل في أغنية Let It Be الذي قد يشعر المستمع العربي عندما يصغي إليها بأن البيتلز يقولون له «دع المقادير تجري في أعنتها» تعتمد هذه الأغنية أيضاً على تكرار العنوان كثيراً، ويؤدي ذلك إلى المزيد من الراحة لا الانزعاج، وهي موجودة في آخر ألبوم أصدره الفريق قبل التفكك، وقد تكون أغنية دينية لذكرها للسيدة العذراء، أو تكون أغنية عن الحياة وطبيعتها بشكل عام، والحلول المقترحة للتعامل معها.
كاتبة مصرية