البيت السعودي المرهون للارادة الامريكية
د. مضاوي الرشيد البيت السعودي المرهون للارادة الامريكية أثارت تسمية الملك عبد الله للوجود الامريكي في العراق خلال القمة العربية الاخيرة بالاحتلال حفيظة بولتون المسؤول السابق والممثل الامريكي في الامم المتحدة وفي تصريح هذا الاخير بدت لهجة التأنيب والعتاب واضحة وصريحة ومرفقة بدعوة للاعتذار والتراجع عن تسمية الامور باسمائها مما دفع وزير الخارجية السعودي الي اصدار توضيح وتبيان هدفه اعادة الوئام لعلاقة كادت زلة لسان ان تعكر صفوها وتثير جيشا اعلاميا امريكيا يتربص مثل هذه الزلات ويبني عليها تكهنات بعيدة عن الواقع والحقيقة. طمأن وزير الخارجية الجمهور الامريكي ان العلاقة لا تزال متميزة ووطيدة لن تفسدها اسماء لها رمزيتها ودلالاتها وربما كانت زلة لسان الملك موجهة للاستهلاك المحلي والاقليمي العربي. ولكن بعصر الترجمة الفورية والاعلام العابر للحدود تجد مثل هذه الزلات طريقها السريع الي صفحات الصحافة الامريكية لتحدث زوبعة في فنجان ما تكاد تهب حتي تخمد حتي اشعار آخر.عبر بولتون بكل صراحة وعفوية عن وجهة نظر امريكية تري نفسها الحامي للبيت السعودي منذ اكثر من نصف قرن. في الخمسينات والستينات اعتبرت الولايات المتحدة نفسها المدافعة عن هذا البيت ضد موجات الثورجية العربية ومن ثم تحول هذا الدفاع من المرحلة المبطنة والمقنعة الي حالة مفضوحة تطلبت تجنيد آلاف من الامريكيين ودخولهم الاراضي السعودية لصد غزو الكويت ورغم ان الخزينة السعودية كانت الممول الاول للحملة الامريكية والمتحمل لكل تكاليفها الا ان الدم الامريكي لا يعوض بالاموال علي ما يبدو اذ ان بولتون ذكر البيت المحمي بانه ما زال مرهونا للارادة الامريكية وامريكا ليست شركة دفاع ذات تكاليف مالية معينة تنتهي مهمتها عندما تسدد الفاتورة. ورغم ان الفاتورة قد دفعت وما تزال تدفع مما ادي الي عجز في الخزينة السعودية في منتصف التسعينات ودين قومي في بلد يملك ربع مخزون العالم للنفط الا ان السعودية لم تستطع ولن تستطيع ان توفي دينها والذي لا يتطلب المال فقط بل يتطلب علاقة ازلية تقوم علي اساسها الرهينة بتقديم السمع والطاعة الي ما لا نهاية. تذكير بولتون بدين التسعينات يطرح من جديد الحكمة من وراء الاستعانة بالامريكان علي المدي المتوسط والبعيد وان نجحت السعودية في درء خطر الغزو العراقي سابقا الا انها ما تزال رهينة هذه الاستعانة بعد سبعة عشر عاما علي انتهائه. لقد ردت السعودية الدين بمال ومواقف مساندة للسياسة الامريكية خلال هذه الفترة ورغم ان القيادة السعودية فقط هي البيت المرهون الا ان شعب الجزيرة هو ايضا قد جر الي بيت الطاعة مع قيادته. ومهما حاولت السعودية التملص من هذه الطاعة والبحث عن منافذ وموارد باتجاه الشرق كما حاولت القيادة فعله عندما بدأت سلسلة رحلات وتعاقدات مع قوي ناشئة في الهند والصين وآسيا الا انها لا تزال تدفع الدين المستحق. قد يستغرب البعض من استمرارية هذا الدين في بلد له من القوة الاقتصادية والثروة النفطية ما يمكنه من التخلص والتملص من علاقة المرهون مع الدائن. ولكن المعضلة الحقيقية في السعودية لا تكمن في وجود الثروة وحجمها وانما في شرعية البيت السعودي ذاتها وانعدام القدرة الداخلية علي التصدي للأزمات بمعزل عن الارادة الامريكية. لم تستغل القيادة السعودية ثروتها لتفعيل استقلالها واستقلال قراراتها ولكنها استعملت هذه الثروة لجر الولايات المتحدة الي علاقة متميزة معها لحمايتها فقط وحماية آبار النفط ولو كانت لهذه القيادة شرعية داخلية متأصلة لما لجأت الي قوة عظمي لها طموحاتها في السيطرة علي اجزاء من العالم. قد يتفهم البعض موقف الدول الخليجية الصغيرة والتي بحجم سكانها القليل لا تستطيع ان تبني سياسة دفاعية تعتمد علي القوة البشرية ولكن السعودية بحجمها وتعداد سكانها ظلت رهينة علاقة غير متوازنة تتعرض للانتقاد ليس فقط في السعودية ذاتها بل في الولايات المتحدة نفسها.تذكير بولتون جاء ليضع النقاط علي الحروف ويصور النظرة الامريكية للكيان السعودي، فالولايات المتحدة لا تجد في السعودية دولة مستقلة وكيانا له شرعية بل تراه بيتا مرهونا رغم دفعه لكل الفواتير المستحقة وهي بذلك لا تتعامل معه كما تتعامل مع حلفائها في اوروبا وخاصة بريطانيا والتي هي ايضا ما زالت تدفع دينها المستحق الذي تكبدته خلال الاستعانة بالامريكان لتخليصها من الخطر الالماني خلال الحرب العالمية الثانية. وبينما استطاعت فرنسا تحت قيادة ديغول ان تفرض نفسها اوروبيا علي الاقل وقاومت القواعد العسكرية التي انتشرت في اوروبا ظلت بريطانيا مرهونة للولايات المتحدة واستضافت قواعدها العسكرية واستمرت في تبعيتها للقرار السياسي الامريكي وخاصة فيما يتعلق بمغامرات شرق اوسطية. ولكن الرهينة البريطانية استطاعت اقناع الولايات المتحدة ان لها من التاريخ والحكمة الدبلوماسية والحنكة السياسية ما يجعلها تفرض نفسها علي الولايات المتحدة كحليف الند للند يجب الاستماع اليه واحترامه ليس لان بريطانيا لها من حكمة لقمان وفصاحة حسان ما يبهر الولايات المتحدة ولكن لان لبريطانيا من المؤسسات القديمة التي لا تزال تمارس سيادتها وتناقش احلافها مع الجميع من منظور المصلحة القومية وليس من منظور الحفاظ علي بيت ثاتشر او بلير.من الخطأ مناقشة العلاقة السعودية ـ الامريكية من منظور العلاقات الدولية اذ ان العلاقة لا تخضع لمعايير العلاقة بين دول بل هي تخضع لمعايير مشخصنة بين ادارات امريكية متعاقبة وبيت سعودي مؤلف من اشخاص لهم طموحاتهم الخاصة وعلاقاتهم المتميزة مع طيف كبير من شركات النفط الامريكية والدبلوماسيين الحاليين والمتقاعدين ومؤخرا مع باحثين يمزجون بين البحث العلمي والضغط الاعلامي والسياسي في دهاليز البيت الابيض من اجل تقوية علاقات الصداقة المزعومة. جاء تفصيل هذه العلاقة بمنهجية نقدية فذة في كتاب اسمه مملكة امريكا للكاتب روبرت فيتالس فصل فيه النظرة الامريكية للبيت السعودي وصورها بشكل دقيق حينما وصف العلاقة بأنها علاقة تقوم علي مبدأ ان البيت السعودي من اهم ركائز التوسع الامريكي او ما اسماه الامبراطورية الامريكية. امريكا لا تنظر للبيت السعودي كبيت له تمثيل وشرعية داخلية يتم علي اساسها التعامل مع كيان مستقل بل تراه بيتا هشا مهمته تفعيل السياسة التوسعية الامريكية في المنطقة. ومن خلال عرض تفصيلي لمراحل العلاقة السعودية ـ الامريكية يعرض فيتالس سير شخصيات امريكية سياسية واقتصادية كان لها الدور الفعال في تسويق البيت السعودي للناخب الامريكي وكأنه بيت اصلاحي اعتمد في السابق علي حنكة ملوك تم عرضها واستعراضها. فيذكر مثلا ان ملوك السعودية كانوا دوما محطة للتركيز الاعلامي الامريكي والذي يدبلج صورهم بطريقة تقربهم الي قلوب حلفائهم في البيت الابيض. وليس من المستغرب ان يكون رؤساء شركات النفط ورموز الادارات الامريكية من يدفع ثمن البهرجة الاعلامية. وبدا هذا واضحا في تقلبات الرأي العام الامريكي عند كل مرحلة انتقالية عاشتها السعودية مع تبدل الملوك. فبعد ان صور الملك سعود وكأنه الملك الاصلاحي تحول فجأة الي الملك المخلوع ليحل محله الملك فيصل والذي استطاعت الآلة الاعلامية ان تتجاوز صورته القاتمة في مرحلة السبعينات مع الازمة النفطية ليعود ويظهر كملك الاصلاح والتطور. من يقرأ كتاب فيتالس يشعر ان هؤلاء الملوك يعيشون مرحلة انتخابية في الولايات المتحدة وليس في بلدهم وتتكرر هذه البهرجة الاعلامية في مرحلة حكم الملك فهد ومن ثم عبد الله الملك الحالي. نجد اليوم ان هذه المحاولات الاعلامية البائسة تعتمد علي مقولات الموروث العروبي للملك الحالي مما يستدعي قدرته المزعومة علي قيادة العرب وكأن ملوك المرحلة السابقة كانوا من السويد او النرويج. وهنا نقارن بين هذه الصورة الاعلامية وصورة الملك فيصل السابقة والتي اعتمدت علي تفعيل الموروث الاسلامي لذلك الملك مقابل تعهده بالقضاء علي المد الشيوعي والذي كان حينها من اجل اهتمامات الادارة الامريكية وكأن الملوك السعوديين السابقين ينتمون للبوذيين والهندوس. سيظل البيت السعودي المرهون حقل تجارب امريكية تقررها الادارة الامريكية وتفعلها الآلة الاعلامية لتسويقها في الشرق والغرب. ولكن المعضلة الحقيقية تبقي ذاتها وهي تتلخص في كون البيت السعودي ينظر له من منظور الكيان الجوهري لتفعيل الدور الامريكي في المنطقة وليس كدولة تفرض نفسها علي المجتمع الدولي بمؤسساتها وشرعيتها الداخلية وثروتها النفطية.لقد جرت القيادة السعودية شعبا كاملا وحولته الي بيت مرهون للارادة الامريكية ولا يمتلكه اصحابه فيتلقي تصريحات بولتون وامثاله بانبهار واستغراب من كيفية التعامل مع كيانه. هذا الكيان الذي لا يستطيع حتي ان يبوح برأي يخالف نظرة البيت الابيض للعالم ولو كان الرأي مجرد استجابة شكلية للجمهور السعودي المتعطش لكلمة لا ولو لمرة واحدة واقليمي له طموحات تختلف عن طموحات الولايات المتحدة وبيوتها المحلية.جاء رد وزير الخارجية السعودي علي تعليقات بولتون باهتا وغامضا وغير قادر علي استرجاع ما فقدته القيادة السعودية السابقة والحالية من سيادة ولم يبق له سوي تفضيل وتوضيح مقاصد الملك عندما فرق بين ما سماه الشرعية والقانونية المتعلقة بالاحتلال الامريكي للعراق ولكنه لم يفصح عن نقاط الاختلاف رغم انه قد رطب العلاقة مع الولايات المتحدة علي الاقل اعلاميا. وبينما لا تتردد زعامات العالم بما فيها من اصوات صريحة في الولايات المتحدة ذاتها في تسمية الاسماء بأسمائها وجد الوزير نفسه مضطرا لان يلجأ الي سفسطائية كلامية لن تقدم ولن تؤخر في تغيير مفهوم الاحتلال الحالي للعراق. لقد تجاوز هذا الاحتلال مرحلة التسميات وخرج للعالم بزيه الحقيقي المطلخ بدماء العراقيين ومؤامرات البيوت العربية اسميناه احتلالا ام لم نسمه.9