(الأناضول): على الرغم من مُضي سنوات كثيرة على ممارسة السودانيين عادة “البُطَان”، في مناسبات الأفراح، فإنها ظلت عادةُ وتقليد، تقاوم مظاهر الحداثة في السودان.
“البُطَان” اسم شعبي يُطلق على جلد الظهر العاري بالسوط، يمارسه الشباب من الفئات العمرية المختلفة، كطريقة لإبراز الشجاعة في المجتمعات المحلية.
في السودان أيضا، فإنه يعدّ مظهرا من مظاهر استعراض الرجولة والصبر على المكاره، في المناسبات المختلفة، كختان الذكور، أو “السيرة” (زفة العريس).
غالبا، يكون “البُطان” قاسٍ ومؤلم؛ إذ يَتعرَّى الشاب من ملابسه في الحفل على إيقاع الآلات الموسيقية التقليدية والشعبية، فتلهب السياط ظهره وتُدميه، قبل أن تُعالج جروحه بالملح والزيت الساخن.
بداية ظهور عادة “البُطَان” في السودان تعود إلى فترة (1821- 1885)، وظلت طريقة مُبهرة لإظهار الشجاعة والقوة، في المناسبات الاجتماعية.
ويقول المؤرخ اللبناني، نعوم شقير، (1863-1922) في كتابه “جغرافية وتاريخ السودان”، “إنه بخلاف إظهار الرجولة والشجاعة أمام الفتيات في الأعراس، فإنه كان فيصلا بين المُتخاصمين من الشبان”.
فإذا اختلف شابان لسبب ما، دعا أحدهما الآخر إلى “البُطان”، فإن رفض اعتُبر جبانا، ورفضت البنات زواجه، كما أن المجتمع يحتقره.
أما إذا وافق؛ فإن الداعي والمدعو يأخذان سوطا، ويجمعا الناس للشهادة عليهما، ثم يشرعان بضرب بعضهما بالتناوب، إلى أن يسقط أحدهما من شدة الضرب.
كتاب شقير يقول، “إذا أحب شاب فتاة، ونافسه عليها آخر، فإن البُطان يفصل الأمر، ويفوز بها الغالب”.
وفي حلقة “الدَّلوكة” (قرع طبول شعبي تُغنى على إيقاعاته أغاني الحماسة والفروسية)، يكون البُطَان لمُجرد المُباهاة، كما يذكر شقير.
وفي وصف التقليد، فإن من أراد “البُطَان” يأتي إلى ضاربات (الدَّلوكة)، ويهز سوطه فوقهن قائلا “ابشرن بالخير”.
ثم يقف الجميع صفا واحدا؛ يخرج أولهم فيضرب كلَّ من في الصف، ويرمي السوط قبل أن يعود إلى مكانه في الصف، ليظهر الثاني ويتناول السوط ويفعل مثله، وهكذا إلى أن يأخذ كل واحد منهم نصيبه ضاربًا ومضروبًا.
محمد المهدي بشرى، رئيس قسم الفلكور بمعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، يرى أن “ممارسة البُطَان، في السودان بمثابة استعادة للتراث القديم، والعودة إلى القبلية والهوية الأصلية”.
وفي حديث للأناضول، قال بشرى إن “التراث واحد من الممسكات الوطنية، وحافز للوحدة، لكن عودة عادة الجلد بالسوط، تمثل انتكاسة في الثقافة السودانية، ورجوع إلى تراث متخلف”.
ويتفق حسن عابدين، الطالب بجامعة النيلين، (22 عاما) مع نظرة “بشرى”، فيقول إن “البُطَان عادة سيئة، وتركت آثارًا بالغة في ظهري، وعمودي الفقري”.
“ظللت لفترات طويلة أنام على بطني، لأن ظهري أصابته تقرحات بالغة التعقيد” يضيف عابدين للأناضول.
لكن الشاب عاطف حسن (32 عاما) له نظرة مخالفة، فهو يرى أن “عادة الجلد بالسوط، كانت وستظل مفخرة لأبناء قبيلته”.
ويقول عاطف للأناضول، “على الرغم من التحذيرات المتكررة، فإنني لن أتوقف عن عادة الجلد بالسوط، فهي عنوان للقوة والرجولة”.
وتكررت في الأونة الأخيرة، التحذيرات من ممارسة “البُطَان”، إذ نبَّه الأطباء من خطورة الأمراض المنقولة عبر الدم الذي يسيل نتيجة الضرب بنفس الأسواط دون استبدالها.
وعدم استبدال “السوط”، يرفع احتمالات نقل العدوى عبر الجروح العميقة التي تسببها آثار الجلد في الجسد، خاصة إذا كان أحد الشباب مصابا بأمراض خطيرة تنتقل عن طريق الدم.
وعلى الرغم من ممارسة العادة الضارة بصحة الجسد، فإنها عادت بقوة في مناطق واسعة من السودان، بما في ذلك العاصمة الخرطوم.
ومؤخرًا، انتشرت بكثافة في الجامعات السودانية، خاصة في النشاطات واللقاءات الثقافية، في ساحات الكليات المختلفة، للتعبير عن عادات وتقاليد مناطق الطلاب في الأرياف البعيدة، باعتبارها تراثًا من الصعوبة بمكان التخلي عنه.