البُعد الاستراتيجي يطغى على قرار بن سلمان ولا تمايز عن ترامب

رلى موفّق
حجم الخط
0

لا يمكن قراءة حرب أسعار النفط من دون البُعد الاستراتيجي الذي تكتنفه هذه الخطوة. فهذا العام هو عام “الضغوط القصوى” والعام الذي سيرسم معالم السنوات المقبلة. لذا تضع الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، مؤثرة أم هامشية، نصب أعينها استحقاق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر 2020. المعركة مصيرية، وسيُوظف الجميع ما لديه من إمكانات لحماية موقعه أو تحصينه أو تحسينه. لن يتوانى حلفاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المرشّح لولاية ثانية، عن مساندته مهما كلّف الأمر، تماماً كما سيفعل خصومه الذين سيتحيّنون كل فرصة لتسديد ضربات له وإضعاف موقعه في السباق الرئاسي.

من هنا، يرى مراقبون أن قرار المملكة العربية السعودية بإلغاء جميع القيود على إنتاجها من النفط، رداً على رفض روسيا لدعوة الرياض في اجتماع أوبك الأخير، تخفيض الإنتاج العالمي للخام لتعويض تراجع الطلب الناشئ عن انكماش السوق بفعل توسّع انتشار فيروس “كورونا”، لا يمكن أن يكون قراراً منفرداً من دون التنسيق بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان و”سيّد البيت الأبيض” ودراسة تبعاته واحتساب تداعياته على السباق الرئاسي.

والتكهن بأن خطوة بن سلمان قد تكون متهوّرة أو متسرّعة وتضرب الإنتاج النفطي الصخري في الولايات المتحدة، بما يؤثر سلباً على “الحليف الاستراتيجي” لا تستقيم كثيراً. فتعليق ترامب بأن “انهيار الأسعار سيعود بالنفع على المستهلك الأمريكي” وقوله إنّ “أسعار النفط في مستوى لم أجرؤ أبداً على تخيّله. ومع انخفاض الأسعار في محطات البنزين، سيكون ذلك بمثابة خفض ضريبي كبير” يدل على أن الرجل ينظر إلى المسألة من منظار انعكاسها على الناخب الذي سيعيده صوته إلى “البيت الأبيض” وهذا هو المهم.

يذهب أحد الخبراء الاقتصاديين إلى الجزم باستحالة ألا تكون خطوة السعودية منسّقة مع ترامب، ولا سيما أن موسكو كانت تهدف إلى استنزاف وشل سوق النفط الأمريكي، وفق التوقيت الروسي، فجاء موقف الرياض ليقلب الطاولة. في رأيه أن ما جرى يشكل أنباءً سارة للرئيس الأمريكي الذي يواجه في سنة الانتخابات معضلتين كبيرتين لا سبيل لمواجهتهما. المعضلة الأولى تتمثل بتراجع النمو رغم أن الولايات المتحدة تعتبر الأفضل في أدائها مقارنة مع الصين وأوروبا قياساً على انخفاض معدلات البطالة. والثانية، تدني أسعار الفائدة بحيث لم يعد بيده وسيلة لإعادة إطلاق النمو، بعدما سبق أن استخدم التحفيزات الضريبية، وفي ظل توجه البنك الاحتياطي الفيدرالي إلى عدم تخفيض جديد في الفائدة. لكن ترامب الذي تُشكل الإنجازات الاقتصادية العنصر الأول في حملته الانتخابية وَجَدَ ضالته في خطوة انخفاض أسعار النفط التي تُخفّف من التأثر السلبي للمعضلتين المكبّلتين له. وليس بمستبعد أن يكون قد طلب تلك الخدمة من ولي العهد السعودي.

ما يُحاول أكثر من مراقب سياسي تأكيده، هو أن كل دولة تحاول ترتيب أوراقها على ساعة الانتخابات الأمريكية، وأن التحالف الاستراتيجي بين الرئيس الأمريكي الحالي وبن سلمان في المنطقة جزء من المعركة، ومن الاستحالة بمكان أن يحصل أي خلاف أو تمايز بين الرياض وواشنطن في هذا الوقت الدقيق، ذلك أن عودة ترامب إلى “البيت الأبيض” هي هدف فوق استراتيجي بالنسبة للمملكة التي ستُسخّر كل إمكاناتها من أجل ضمان نجاح حليفها الذي تلتقي معه في معركة الحدّ من النفوذ الإيراني ودوره السلبي على دول الجوار العربي.

في الأساس، لم يأتِ موقف موسكو في إطار معزول عن حسابات ترتيب “البيت الروسي” لأوراقه في عام “الضغوط القصوى” وللأدوار التي يطمح لأن يسترجعها في لعبة الأمم في مواجهة اللاعب الأمريكي الذي تفرَّد بالساحة بعد انهيار سياسة القطبين. وفق محللين، فإن هدف موسكو هو “إغراق” الشركات الأمريكية لصناعة النفط الصخري التي تعتمد على أسعار أعلى للنفط نظراً إلى الكلفة المرتفعة للإنتاج، واستعادة حصتها من السوق النفطية بعدما تقدّمتها أمريكا. ولكن حرب الأسعار التي لجأت إليها الرياض برفع الإنتاج إلى مستويات لم تتوقعها موسكو أربكت بوتين، فيما يُفترض أن ينعكس القرار السعودي ارتياحاً عليه، بعد أن يحتوي وقع الصدمة.

الكباش السعودي-الروسي لا بدّ له من أن يضع أوزاره غداً أو بعد شهر أو شهرين. من الصعب الجزم في مصلحة مَن ستصبّ هذه الحرب، ومن هي الدول التي ستستفيد منها والتي لديها القدرة على الصمود أكثر وتحمّل الأضرار، والتي ستخرج رابحة أو خاسرة، نظراً إلى كمّ المتغيّرات وتسارعها. اليوم، ثمّة متغيّر اسمه فيروس “كورونا” ما عاد مقتصراً على الصين، بل يضرب بقوّة العالم أجمع، وقد يقلب كل الحسابات في العواصم القريبة والبعيدة، ولكن العين ستبقى على المحطة الفاصلة في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 والتي هي الأساس، وبعدها سيعود الجميع إلى حصد الأرباح والخسائر.

اقتباس

كل دولة تحاول ترتيب أوراقها على ساعة الانتخابات الأمريكية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية