التآكل الذاتي للمجتمع العراقي

حجم الخط
0

قليلة هي الشعوب التي لم تتعلم من أخطائها المتكررة، وأقل منها تلك التي لم تتعظ بدروس غيرها المتواترة. إما لأنها استمرأت حالة التخلف الفاشية فيها، واستعذبت وضعية العطالة المجبولة عليها، وإما لأنها استهانت بتجارب سواها رغم نجاحها، واستكبرت الاستعانة بخبرة الآخرين رغم أهميتها، على خلفية أوهام عراقتها التاريخية واصالتها الحضارية وقدمها المدني وأولويتها الدينية. ولهذا يبدو ان الصواب جانب الفيلسوف (ماركس) حين قال ‘ليس في مقدور أمة أن تكرر الحماقات نفسها كثيرا (جدا)’. ولعل تخبط المجتمع العراقي في دوامات صراعه السياسي وأعاصير احترابه الاجتماعي، وعواصف تهتكه الوطني، وزوابع تفككه القيمي، من دون وجود بارقة أمل توحي بتطلع القيمين على مصيره والمسؤولين عن مستقبله، نحو البحث عن مخارج واقعية تقيه شرور التمزق الوشيك، والسعي لإيجاد حلول عقلانية تجنبه مآزق الانهيار المحتمل. نقول إن معطيات هذه الحالة الشاذة باتت تعزز الانطباع المتضمن؛ انه ليس في وارد حسابات أطراف المعضلة العراقية، الاهتداء إلى سبل تجاوز أخطاء الماضي للحفاظ على مكتسبات الحاضر، كما ليس في نيتها تلافي انحرافات الحاضر لضمان سلامة المستقبل. وهو الأمر الذي سيجعل من الركون إلى منطق العقل وفيصل الحكمة، أمرا متعذرا إن لم يكن مستحيلا، لاسيما في ضوء تصاعد حمى التخندق الديني/الطائفي، والتمترس القومي/ العنصري، والاستقطاب القبلي/العشائري، والتحصن السياسي/الحزبي. ولهذا فان إصرار المجتمع العراقي على ترويج ثقافة العنف البيني، رغم كل المآسي التي حلت بأفراده، ورغم جميع الكوارث التي جنتها مكوناته، بات يعد في طليعة تلك الشعوب التي أثبتت أميتها السياسية رغم تشدقها بالديمقراطية، وبرهنت على جهالتها الحضارية رغم تبجحها بالعقلانية، وأكدت همجيتها الإنسانية رغم تغنيها بالتعددية. ذلك لأن المجتمع المغلوب على أمره، والمستلب في وعيه، والمنكوب في كبريائه، غالبا ما يكون أشبه بالمرجل الذي يغلي بالنزعات العدوانية، أو بالبركان الذي يمور بحمم الاحتقانات العصبية. فإذا ما عجز عن تفريغ تلك الشحنات خارج كيانه، وتمكن من إزاحة تلك الاحتقانات بعيدا عن بيئته، فان مسألة الانكفاء على الذات لجلدها، والانتحاء صوب الأنا لتحطيمها، ستغدو حقيقة واقعة لا مناص منها أو الالتفاف عليها، بحيث لن يتردد في البحث عن كبش فداء يسقط عليه جام غضبه. وهكذا يتحول البعض إلى دريئة لطعان البعض الآخر، وينقلب هذا الطرف هدفا لمرمى الطرف الآخر، كما هو حاصل الآن بين مكونات المجتمع العراقي. فبصرف النظر عن التجارب المأساوية التي سبق للمجتمع العراقي أن خاض غمارها في عقد الأربعينيات من القرن المنصرم، حين تعرضت الطائفة اليهودية العراقية إلى محنة التهجير القسري، بعد أن استباحت حرماتها ونهبت ممتلكاتها وشردت عوائلها (ظاهرة الفرهود)، بزعم موالاة أبنائها للحركة الصهيونية يومذاك، مثلما وقع لآلاف العوائل العراقية المسالمة، إبان الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات من القرن الفائت، والتي انتزعت من بيوتها وجرّدت من مواطنيتها، وهجّرت، من ثم، بين ليلة وضحاها إلى الحدود الإيرانية، بحجة أنها موالية لحكومة الملالي في طهران. نقول انه بصرف النظر عن تلك الحوادث المؤسفة، وما تمخض عنها من جروح سيكولوجية عميقة وندوب سوسيولوجية غائرة، لم تبرح آثارها رابضة في قاع الوجدان العراقي. إلاّ أنها، ويا للعجب، لم تشكل دروسا يتعظ بحصيلتها العراقيون، لا بالمانع الوطني أو الوازع الديني أو الدافع الإنساني، لتفادي مظاهر العنف الطائفي التي اجتاحت ربوع العراق، كما النار في الهشيم، اثر سقوط الدولة وانهيار النظام وتلاشي السلطة، نتيجة لتداعيات الغزو الأمريكي عام 2003، فضلا عن استشراء نوازع التقتيل والتنكيل والتمثيل، وكأن الضحايا ليسوا من أبناء الوطن الواحد والدين الواحد والقومية الواحدة. والأنكى من ذلك فان مآسي الأمس وكوارث اليوم، لم تقف حائلا دون إعادة الكرة والانزلاق مجددا صوب هاوية التطهير الجماعي، كما يحدث الآن لأبناء هذا البلد (العراق) من الدين المسيحي، إمعانا في تمزيق روابط نسيجه الاجتماعي، وتفكيك عرى تآلفه الروحي، التي طالما كانت من معالم تكوين المجتمع وملامح خصوصيته الحضارية. ولهذا ورغم أن غالبية العلوم الاجتماعية والإنسانية لم تبرح تؤكد ان المجتمعات البشرية كافة صغيرها وكبيرها قديمها وحديثها غنيها وفقيرها، ملزمة بالخضوع لأواليات الجدلية الاجتماعية والانصياع لقوانينها، بكل ما تنطوي عليه تلك الالزامات من ضرورة الانخراط، ليس فقط في أتون التحرر من رواسب الماضي الأسطوري، والانعتاق من مخلفات الوعي البدائي فحسب، بل الإسهام في تطوير مقومات الحاضر السياسي، والمبادرة في تثوير مستلزمات المستقبل الثقافي. فان الواقع لا يعدم وجود مجتمعات، كما هي حال المجتمع العراقي، تعاند مثل هذه الجدلية وتسعى للخروج على قوانينها الموضوعية، وتشرع بالتقهقر، من ثم، إلى حضيض بربريتها الأولى، ليس لأنها تفتقر للمقومات المادية والمؤهلات المعنوية، اللازمة لإحداث مثل ذلك التحول التاريخي وإنجاز مثل تلك القفزة الضرورية، إنما لعجزها المزمن في تقدير قيمة ما تملك من جهة، وتخلفها المتوطن في إمكانية استثمار تلك المعطيات استثمارا خلاقا من جهة أخرى. وبدلا من أن تجتهد في البحث عن أسباب عقمها الحضاري وانسدادها التاريخي للتغلب عليها وتخطيها، فهي تلجأ إليها كمبرر لتقاعسها عن اللحاق بالركب الإنساني، وكمسوغ لتخليها عن الإسهام في إثراء مدنيته. ولعل هناك من ينفي إمكانية حصول مثل هذه الردة أو وقوع مثل ذلك النكوص، بواقع إن الفاعل الاجتماعي (الإنسان) لا يملك خيار تخطي أو تجاوز تلك القيود الطبيعية/الحتمية، من منطلق كونه موجودا مغروزا بالجغرافيا وكينونة مشروطة بالتاريخ وذات مؤطرة بالواقع. بيد أنه إذا كانت السيرورة الطبيعية نفسها تشهد، في بعض الأحيان، انحرافا عن مسارها المفترض، أو بالعكس تخطيا لغائيتها المتوقعة، وفقا للمبدأ الذي ينص على ان لكل قاعدة شواذ. فلماذا والحالة هذه، لا يعتري السيرورة الاجتماعية انحراف مماثل أو تخط مشابه، استنادا لذات المبدأ، لاسيما ان عوامل من مثل الإرادة والوعي، تلعب في الحالة الأخيرة دورا حاسما، بالقياس إلى انعدام تأثيرها في الحالة الأولى. وهكذا فان صحّت احتمالات تعرض المجتمع العراقي لديناميات الجدلية الاجتماعية، وتأثر مكوناته بعوامل اشتغال سيرورتها، فالمرجح أنها ستكون ديناميات معكوسة، إن صح التعبير، تعمل على تفكيك مدماك وحدته الاجتماعية بدلا من لملمة شعثها، وتحلل سبيكة قيمه الرمزية بدلا من اتحاد عناصرها، وتآكل معمار شخصيته الحضارية بدلا من سمتنة أصولها. وعلى خلاف مواقف الشعوب الحيّة والأمم الواعية، التي ما أن تتعرض للاختلالات البنيوية المباغتة، والتصدعات القيمية المفاجئة، والانكسارات النفسية الطارئة، حتى تسارع إلى تغليب حسها الوطني على هوسها العصبوي، وتبادر إلى كبح جماح انتماءاتها الفرعية وولاءاتها التحتية، لصالح انتمائها الجمعي وولائها الفوقي. فان المجتمع العراقي يجد في تلك النوائب والمصائب، فرصة مؤاتية لإطلاق العنان لمكبوتة من نوازع العنف، وسبيلا ملائما لتحرير مخزونه من دوافع الفوضى، بحيث إن تواتر حالات تعرضه لمثل تلك الهزات السياسية والانعطافات التاريخية، تبيح لنا الاستنتاج بان مؤشر خطه البياني آخذ بالانحدار، وفقا لمضاعفات المتوالية الهندسية، مع تكرار وقوع كل حدث وتوالي حصول كل واقعة، للحد الذي تنذر بارتداده إلى قبائل ما قبل المجتمع وأقوام ما قبل الدولة. أخاء العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية