إياد سليمان
مثلما أصبح رمضان خلال السنوات الأخيرة سوقاً مزدهرة للأعمال الدرامية التي تحاول جذب المشاهدين للبقاء أمام التلفزيون لأطول فترة ممكنة حتي يتعرضوا لأكبر كم من الإعلانات، كان للمسلسلات التاريخية التي تدور في الفترة منذ فجر الإسلام وحتي سقوط الأندلس مكانة كبيرة في سوق الدراما الرمضاني، ويدور الجدل دائماً حول مدي قدرة صانعي هذه المسلسلات علي نقل الماضي البعيد إلي شاشة التلفزيون كما هو دون تزييف، وبعدما كانت مسلسلات الأندلس موضة في السنوات الماضية جاء الدور هذا العام علي خالد بن الوليد وأبناء الرشيد ليكونا في صدارة الأعمال التاريخية والتي تكون في الأغلب من الانتاج السوري بحكم التخصص، غير أن كلا المسلسلين لم يسلم من الهجوم دينيا وتاريخياً.
إن مسلسل خالد بن الوليد كان محاولة من المخرج محمد عزيزية تقليد المخرج الراحل مصطفي العقاد وخاصة في مسألة اللباس (هل صحيح لبس جميع الصحابة من المهاجرين والانصار الملابس البيضاء) إضافة إلي الاطالة في الاحداث لدرجة الملل، وطبعا متوقع من المخرج التركيز علي شخص خالد بن الوليد بطريقة تطغي علي الشخصيات الاخري وكأن النصر في المعارك التي خاضها الرسول والمسلمين كانت رهنا بقدرات خالد بن الوليد فقط، ولا أحد ينكر عبقرية خالد وخوضه جميع المعارك بلا هزيمة واحدة وأنه أنقذ جيش المسلمين في معركة مؤتة من إبادة محققة، ورغم الإعتراضات حول ظهور شخص خالد بن الوليد كما قرأت فأنا لا أري في الامر شيئا يخالف الشرع رغم عدم توفيق المخرج في إختيار الشخص المناسب، فقد أحسست جمودا وبرودة في شخص الممثل بسام ياخور الذي تقمص شخص خالد رغم براعته وتوفيقه في إداء دور أبي مسلم الخراساني في مسلسل صقر قريش قبل عدة سنوات.
أما مسلسل أبناء الرشيد، فإنني كنت سعيدا بتصوير العمل في قصور تعود الي فترة بني العباس وقد أعجبتني الملابس التي أرتداها الممثلون، ولكنني لم أعجب بفحوي المسلسل وهنالك أمور كثيرة مغالطة للأحداث التاريخية وكان هنالك تحيز واضح للمأمون حتي مقابل شخص أبيه، كذلك فإن المسلسل أهمل شخص مسرور الذي قام بقطع رأس جعفر، وقد ناقض المخرج الاحداث عندما أظهر هيبة الخليفة والرعب الذي يقع فيه الاخرون ورغم ذلك أعطي للمأمون الحق في الصراخ في وجه أبيه عندما أصدر قرار إعدام جعفر، أما طريقة إعدام جعفر فكانت هزيلة تدعو المشاهد لكره الرشيد والتعاطف مع جعفر والعباسة، رغم أن قرار نكبة البرامكة لم يكن بسبب سخيف كهذا، فلو قبلــنا فرضــــيا برأي المخرج، فعندما يوافق الخليفة علي زواج أخته من شخص ما فطبيعي أن يسمح لهما أن يمارسا حقهما الطبيعي، وفي هذه النقطة محاولة لإضفاء صفة اللاعقلانية علي شخص الرشيد.
ولقد أحسست بمقت شديد عند مشاهدة المسلسل وذلك لاسباب عديدة، فالرواية التي إعتمد عليها المسلسل هي الرواية الفارسية لقصة الرشيد والعباسة رغم أن هنالك رواية عربية تسرد الامور بشكل مخالف تماما للرواية الفارسية، وحسب الرواية العربية فإن نكبة البرامكة كانت نتيجة طبيعية للنزاع علي السلطة والخوف من سيطرة العنصر الفارسي علي الحكم كما أن الرواية التاريخية بشكل عام لم تحو أي ذكر للعباسة وأنها تزوجت من جعفر أو حتي شاركت الرشيد في جلسات المنادمة، فالرشيد كان ورعا وتقيا، يغزو سنة ويحج سنة، وشخصية الرشيد كما ذكرت في ألف ليلة وليلة ما هي الا تشويه لاهم خلفاء بني العباس، كما أن المسلسل يحط من قدر زبيدة زوج الرشيد، فالكل يعرف درب زبيدة والذي أطلق علي طريق الحج من العراق الي مكة، وقد إهتمت السيدة زبيدة براحة الحجاج فوفرت لهم محطات يرتاحون فيها وحفرت لهم الآبار ليشربوا منها، وكل ما إهتمت به زبيدة هو أن تضمن ولاية العرش لولدها الامين وهذا حقها كأم وكهاشمية أبا عن جد وقد كان الرشيد في حيرة من أمره حول من يخلفه فكل أولاده كانوا قريبين الي قلبه وقد قرر أن يقسم الدولة الي ثلاث: المشرق يحكمه المأمون، حاضرة الخلافة يحكمها الأمين أما مصر وولاية أفريقية فهي من نصيب إبنه المعتصم علي أن يخلف أحدهم الاخر بعد مماته.
أما بالنسبة للخلاف حول السلطة، فإن من أفسد الامين والمأمون هم الحاشية والاتباع وفي السلطة لا يوجد للعواطف مكان (السلطان محمد الفاتح أصدر أمرا بقتل جميع إخوته ليصفو له الامر وأصبح هذا الامر عرفا يتبعه جميع من جاء بعده حتي تبدل بما يعرف بالقفـص)، أما بالنسبة لتهمة اللواط التي وجهت الي الامين تلميحا فلم يكن لها ذكر في التاريخ وفيها محاولة من الشعوبيين لمعاقبة الامين بعد ألف ومئة عام لانه خلع المأمون عن ولاية العرش ولأنه في نظرهم غير أهل للخلافة، ففي أيامنا هذه عادت الشعوبية للظهور من جديد في حلة جديدة لتحاول القضاء علي كل دور كان للعرب في التاريخ الجاهلي والاسلامي ولذلك فإنني أعتب علي المخرج لأنه لم يتوخَ الموضوعية وفي الظروف التي نعيشها اليوم فإن هذا المسلسل هو خدمة خالصة لمن له مآرب أخري وكما قيل في التراث العربي: لأمر ما جدع قصير أنفه.
وخلال السنوات الماضية إحتكر الممثلون تيم حسن وجمال سليمان الادوار الرئيسية في المسلسلات الاندلسية، وفي هذا العام ذهب الممثل جمال سليمان ليمثل في مسلسل مصري، أما تيم حسن فقد إفتقدناه في رمضان هذا العام، وعدم ظهور هؤلاء الممثلين مع التركيز علي المسلسلات الاجتماعية والفانتازيا التاريخية فإنه لم يتبق مكان لمسلسل جديد يتناول مواضيع أندلسية، وقد يكون السبب كذلك ضيق الوقت في إختيار موضوع جيد ومعالجته كمسلسل كما يجب، فالمواضيع المتعلقة بالاندلس فيها عمق كبير وعبر كثيرة جمة في حاجة للوقوف عندها لاستنتاج العبر والدروس، كذلك فــإن الاندلس لكثيرين اليوم هو موضوع بعيد جدا بالنسبة لهم عن واقع ما يحدث في عصرنا هذا وهذا خطأ لا يمكن قبوله. وسبب آخر قد يعود الي أن منتجي المسلسلات خلال 2006 وخاصة الدول الخليجية لديهم إهتمامات أخري بعيدة عن كل البعد عن كل ما يتعلق بالاندلس.
والتاريخ العربي والأندلسي خاصة غني جداً بالأحداث ويمكن أن يعالج الكثير منها ضمن مسلسلات جديدة وأنني أقترح بعضا منها كالصراع بين الشرق والغرب من خلال معركة بلاط الشهداء، مأساة الموريسكيين في الاندلس بعد سقوط غرناطة عام 1492م، محاكم التفتيش وما قامت به من فظائع ضد الموريسكيين في الاندلس، العلاقة بين الممالك الشمالية وإمارة قرطبة (هل هو جزء من تاريخ إسبانيا أم جزء من تاريخ العرب؟)، حيثيات إكتشاف العالم الجديد وكيف حصل كريستوفر كولومبوس علي معلوماته عن الطريق الي الهند كما كان يعتقد، الربط بين الحروب الصليبية في الشرق والحروب الصليبية في الغرب (الاندلس) والعلاقة العضوية بينهما، عملية الانتحال الحضاري وعملية ترجمة الكتب العربية الي الغرب، قصة إبن رشد حول علاقة العقل والدين بطريقة تاريخية مدروسة، تأثير زرياب علي الحضارة الغربية اليوم مثل الموسيقي وآداب المائدة والازياء، قصة محمد إبن أمية والثورة الاندلسية الكبري وأخيراً شخصية الخليفة عبدالرحمن الناصر.
ولقد تأخرت السينما المصرية كثيرا في تناول هذا الموضوع، وأعتقد أن التوقيت اليوم جد مناسب في ضوء أقوال الحبر الاعظم حول النبي محمد صلي الله عليه وسلم والاسلام والهجمة الاوروبية والغربية التي لا تنفك تهاجم الرسول والحجاب والاسلام مما يعكس الخوف والعنصرية اللذين يظهرهما الغرب في التعامل مع الاسلام والعرب، كما أن الطاقة الكامنة في السينما المصرية وقدرتها علي الوصول الي العالمية قد يخدم مصلحة الامة ويدفع الي دينامكية جديدة تأتي في صالح حوار الحضارات وأخذ الاندلس نموذجا للتسامح والحوار. أن الدراما السورية التي تناولت موضوع الاندلس كانت الي حد كبير موفقة في نقل الوضع الذي كانت عليه الأمور في تلك الايام ولكنها ما زالت في حاجة الي توضيح العلاقة بين الاحداث التي وقعت وعاشها العرب في الاندلس في تلك الايام وما يحدث اليوم من أوضاع مزرية وأجزم بأن علي المخرج أو المؤلف اليوم أن يسترسل قليلا في خياله لاضافة أحداث قد تكون وقعت فعلا أو قد تكون من بنات خياله ولكنها قد تخدم صالح الامة وتقدم التحدي الفكري المطلوب لنقاش أمور حدثت في الماضي وتحدث اليوم أيضا متشابهة في العبر ولكنها تختلف من حيث الاحداث والشخصيات.
ومن يعتقد أن الدراما التاريخية تضر بالتاريخ فهو لانه لا يؤمن بتاريخه ولا يتماثل معه ولا يؤمن به، إعادة بناء الحدث ليس بالضرورة أن يكون طبق الاصل كالحدث نفسه، وإعادة بناء الحدث هو محاولة لاعادة التواصل بين الماضي والحاضر من أجل بناء مستقبل يعتمد علي التجربة التراكمية، التواصل التاريخي مهم جدا لفهم الانا والحفاظ علي خصوصية الانسان العربي، فمن لا يعرف تاريخه فإنه يصبح كالغراب، يحاول تقليد الاخرين ولكنه لا ينجح وعندما يحاول العودة الي مشيته السابقة فإنه لن يفلح.
ومن يفهم التراث العربي ويتعرف علي الشخصيات العربية والاسلامية العملاقة التي صنعت تاريخنا سوف يستطيع مواجهة الاخرين، فالاخرون يعتزون بتاريخهم رغم أنه في معظم الاحيان كان مظلماً ولا يشرف ونحن اليوم نخجل من تاريخنا ونصبح عرضة للسخرية من الاخرين لاننا لا نعرف تاريخنا ولا نستطيع مناقشته والدفاع عنه، وقد يحاول البعض الاعتماد علي الفانتازيا التاريخية لبناء الدراما التاريخية التخيلية والتي لا تقوم الا بتشويه الفكر وتجعلنا سخرية للآخرين.
ويحضرني في هذا السياق فيلم روبن هود الذي عرض قبل عدة سنوات وكان البطل الذي يمثل شخصية روبن هود هو شون كونري والذي يعرف أيضا من خلال أدواره الرائعة في سلسلة أفلام جيمس بوند، هذا الممثل الاسكتلندي لم يحاول أن يخفي الحقيقة البشعة لشخصه وشخص ملكه ريتشارد قلب الاسد في الفيلم ورغم سرده لاحداث المذبحة البشعة التي نفذها ريتشارد قلب الاسد وجنوده في العشرين من آب (أغسطس) من عام 1191م علي أسوار عكا وقد ذبح في المجزرة أكثر من 2.500 إمرأة وطفل من العرب الرهائن بعد أن أعطاهم الامان بالاتفاق مع المدافعين عن مدينة عكا، رغم أن شون كونري أو روبن هود قد ذكر المذبحة والتي إعتقدت أن الغرب لا يعرف عنها أو يتجاهلها فإنني كنت معجبا بشجاعته حين إعترف بالمذبحة بعد 815 عاما من التعتيم ودار في ذهني كثير من الافكار حول الموضوع ولكن رغم بشاعة ما قام به روبن هود فإن الغرب والعرب وكل الناس معجبون بشخصه ولم أصادف في أي مصدر كان نقدا أو محاولة للإساءة الي شخصية الملك العظيم (المجرم) ريتشارد قلب الاسد ومساعده روبن هود فهل يتعظ العرب المرتزقة الذين لا ينفكون يهاجمون ويحتقرون التراث والتاريخ العربي؟ وأختم كلامي بقول الشاعر: قل للذي يدعي في العلم فلسفةعرفت شيئا وغابت عنك أشياءباحث فلسطيني مختص في التاريخ الاندلسي وتاريخ الشرق الاوسط2