التاريخ المسيحي للأدب الجزائري

حجم الخط
11

صحيح أن الأدب الجزائري عانى طويلاً من الرقابة، لا سيما في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال، حيث النشر آنذاك كان مرتبطاً بولاء الكاتب للنظام، ما ضيع علينا نصوصاً مهمة، لم تجد طريقها إلى النور، كما تجشم طيلة عقد من الزمن حالة من الركود، من المراوحة في المكان عينه، دون قدرة على التجدد، حيث انغمس الكتّاب في تكرار أنفسهم، وفي تكرار الثيمات التي يكتبون فيها، من حرب التحرير إلى الثورة الاشتراكية، التي لم تكن سوى شعار في الخطابات السياسية، وفي التلفزيون، مع ذلك تحسب له القدرة على الانفتاح، على احتواء غير الجزائريين وغير المسلمين في فضائه، لم يكن أدباً يكتب فقط من طرف الجزائري، عربيا كان أم أمازيغيا، وليس شرطاً أن يكون كاتبه مسلماً، فقد حفل هذا الأدب بتاريخ مسيحي مهم، ما تزال آثاره واضحة لحد الساعة، ساهم كتاب مسيحيون ونقاد في تكريس الأدب الجزائري، في الارتقاء به إلى المكانة التي نعرفها عنه اليوم، مع أن هناك ميلا ـ غير معلن ـ نحو طمس هذه الهوية المسيحية، وإصرار غير مبرر على إخراج المسيحيين من التاريخ الثقافي للبلد.
إن مقاربة تاريخ هذا الأدب، في زمنه المعاصر، تحيلنا بالضرورة إلى إدراك التأثير المسيحي، وإلى ملامسة التنوع العقائدي، الذي يكاد يصير غائباً في العقدين الأخيرين.

أب النقاد الأدبيين

قضى جان ديجو أكثر من عشرين سنة في الجزائر، قسيساً، قيماً على مكتبة وناقداً أدبياً، يمكن أن نُرجع إليه الفضل في تأسيس النقد الحديث في الجزائر، التي عاش فيها بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي. كان يكتب بالفرنسية، لكنه يقرأ بالعربية أيضاً، لم يفوته أي نص أدبي صدر في جريدة أو مجلة، أو كتاب ألفه جزائري، سواء صدر في الجزائر أو خارجها، وكان جان ديجو، أول من وضع بيبليوغرافيا للأدب الجزائري نهاية السبعينيات، ألحقها ببيبليوغرافيا ثانية مطلع الثمانينيات، منذ جهود جان ديجو لم تعد البيبليوغرافيات في صلب اهتمام النقاد، يكتفون بمقالة عن كتاب أو بمحاضرة، دونما فهم أدق لعمل الناقد. ترك القسيس جان ديجو إرثاً تحسده عليه مؤسسات بأكملها، فقد عاش اثنين وسبعين عاماً، (توفي سنة 1993) بعد أن أصدر أهم دراسة عن الشعر الجزائري (منذ 1830 إلى غاية الاستقلال) فضلاً عن كتابه الآخر المهم بعنوان «تحولات الأدب الجزائري المعاصر» مع كتابين منفصلين عن محمد ديب، وآخر عن آسيا جبار، وصولاً إلى عمله الشامل في «موسوعة أدب المغرب الكبير» التي صدرت عام 1984، وأعمال أخرى عن النساء في الأدب، وعن الأدب المغاربي إجمالاً.
جان ديجو هو الاسم الأكثر تداولاً، في المرجعيات الأكاديمية، هذا المسيحي الخجول في حياته، كما عرف عنه، لم يكن خجولاً حين الكتابة النقدية، لم يكن يهادن ولا يداهن، بل يصفي الأدب بغربال من الحياد، لم ير مانعاً من وقف كاتب ياسين عند حده، ففي مطلع الثمانينيات، بينما شهرة كاتب ياسين تطوف الأرجاء، نعته جان ديجو بالمحتال، بذريعة أن ياسين لم يكتب في حياته سوى رواية واحدة (يقصد بها رواية «نجمة») وما تلاها (أي رواية «المضلع النجمي») لم تكن أكثر من تنويعة عن سابقتها، وخدع ناشره والقراء، هذه الجرأة لم يتقبلها كاتب ياسين فشن عليه حرباً، شاركه فيها محبوه، ثم ساد تيار محافظ في الأدب، بداية التسعينيات، ميالاً للحزب الإسلامي (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) سعى إلى طمس اسم جان ديجو، بلا جدوى، لأنه لم يجد بديلاً، فكل دراسة محكمة عن الأدب الجزائري لا بد أن تبدأ من إرث هذا القسيس، الذي عاش مهتماً بالأدب الجزائري أكثر من اهتمامه بصلواته اليومية.

جان ديجو هو الاسم الأكثر تداولاً، في المرجعيات الأكاديمية، هذا المسيحي الخجول في حياته، كما عرف عنه، لم يكن خجولاً حين الكتابة النقدية، لم يكن يهادن ولا يداهن، بل يصفي الأدب بغربال من الحياد.

آل عمروش

من النادر أن نعثر على عائلة أدبية مثل عائلة عمروش. الأم فاطمة، كتبت رواية سيرية بعنوان «قصة حياتي» مع توطئة لكاتب ياسين، صدرت عام 1968، تسرد فيها حياتها بين جبال جرجرة وتونس، سيرة مفعمة بالقصص الإنسانية، تتمازج مع تاريخ البلد بدايات القرن الماضي، بينما الابن جان موهوب، فقد عاش شاعراً وصحافياً ومذيعاً، أشرف على مجلة أدبية نشرت بعض أعمال أشهر كتاب النصف الأول من القرن العشرين، على غرار أندري جيد وهنري ميشو، كما خلف أرشيفاً إذاعياً مهماً مع أسماء ثقيلة، مثل رولان بارت، وإدرغار موران، فضلاً عن دواوينه، مثل «رماد» و«نجمة سرية» والأخت هي طاووس عمروش، التي يكاد يلتصق اسمها باسم دار الثقافة في بجاية، التي عاشت مغنية وكاتبة، نتذكر روايتيها: «العزلة يا أمي» و«العاشق الوهمي» بالإضافة إلى كتابها الآخر المهم «البذرة العجيبة». عائلة عمروش كانت عائلة مسيحية، لم تنصرف فقط إلى الأدب، بل أيضاً في توثيق الثقافة الشعبية، في قرى ومدن القبائل. الأم وابناها كلهم يحملون شهادات تعليمية، وساهموا في تكوين أجيال تلتهم. يمثلون ثلاثتهم صورة لامعة عن هذا الأثر المسيحي في الأدب الجزائري، كيف أن اختلاف المعتقد لم يكن سوى ثراء، تعدد، تنوع، أضاف لوناً آخر للأدب الجزائري، الذي يحتاج اليوم العودة إلى هذا الانفتاح، كي لا يضيق أفقه في انغلاق لغوي أو ديني.

مارسيل بوا والمركز الأسقفي للدراسات والأبحاث

عام 1961، بينما الجزائر تدنو من استقلالها، الفوضى تسود الشوارع، المعمرون الفرنسيون يحزمون حقائبهم ويغادرون، حل شاب في الثلاثينيات من العمر، يدعى مارسيل بوا، وصل في وقت كان فيه الآخرون يغادرون، عمل قسيساً وأتم تعلمه للغة العربية، اشتغل مدرساً، وكوّن الجيل الأول من أبناء الاستقلال، قبل أن ينتقل إلى الترجمة، هو أول مترجم عمل على نقل الرواية الجزائرية من العربية إلى الفرنسية، وهي مهنة لم يتخل عنها طوال حياته، إلى غاية وفاته عام 2018. أتاح القسيس مارسيل بوا الأدب الجزائري المكتوب بالعربية في الفضاء الفرنكفوني، بل كان صديقاً مقرباً من مؤسس الرواية الجزائرية بالعربية عبد الحميد بن هدوقة.
بين ديره واشتغاله الأدبي قضى مارسيل بوا حياته، في منح الأدب الجزائري إشعاعاً، تماما مثلما يفعل المركز الأسقفي للدراسات والأبحاث، الذي يكاد يصير أنشط مؤسسة ثقافية، في الجزائر العاصمة، يتيح تعليماً ومكتبة ومحاضرات في الأدب والثقافة الجزائريين، مركز يخيل من يتابع نشاطاته أن العاملين فيه لا يكلون وأن أبوابه لا تغلق أبداً، هذا المركز التابع للكنيسة الكاثوليكية صار وجهة أساسية لكل باحث في شؤون الأدب الجزائري، مواصلاً العمل الذي قام به من سبق من مسيحيين أسسوا تقاليد في الأدب الجزائري، ودفعوه للتقدم خطوة إلى الأمام.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية