التاريخ والأنثروبولوجيا في رواية «العفاريت» لإبراهيم الحجري

بناء المسار السردي، الأنساق الأنثروبولوجية والتاريخية:
يستهل السارد الحكي في نص «العفاريت» بمناجاة تكشف لنا منبع الحكاية وأصولها التي تضرب في المحكي الأنثروبولوجي، حيث الضريح ملجأ روحي ومادي وفضاء لطقوس وممارسات شاذة: «ها قد دفنوك في التراب يا سيد الصالحين، وراحوا يتمسحون بحوشك الحجري، وراحوا يتمسحون بحوشك بحثا عن جسد أنثوي و«قرعة ماحية وأوراق عشرة دراهم حمراء ليسكتوا بها جوع أبنائهم وزوجاتهم… ها قد دفنوك، يا قطب دكالة» («العفاريت»). إن المحكي السردي هنا يكشف جدلية الشخصيات والفضاء. ففضاء الضريح بكل ما يؤشر إليه من ممارسات وخوارق ينعكس على أفعال وهويات الشخوص، كما يتجلى من نعت ”العفاريت” عنوان النص. إن بناء المسار السردي ينطلق في هذه الرواية من النوية الدلالية «عفاريت» التي تحضر باعتبارها علامة تنتج مجموعة من دوال الخطاب الروائي، لتنمو بعد ذلك نسقية الحكي في آتجاهات مختلفة، انطلاقا من ظهور الشخصية مسعود على مسرح الرواية. وهكذا يمكن أن نستحضر مسار الشخصية – مسعود، الحامل لسمات الخارق، ما يجعله شخصية أسطورية في اللاوعي الجمعي: «أصله مزدوج: أمه سوسية وأبوه فرجي (قبيلة بنو فرج) أرضعته الجنية التي ستفتح له في ما بعد، باب إدراك عالم الجن». وحضور الشخصية مسعود باعتبارها مركز الحكي، سيعرف سلسلة من التحولات داخل هذا المسار الروائي، فنجده يتحول إلى متصوف، صاحب كرامات: «ترك الشاب مسعود جواده يسير في السهول والهضاب والجبال، وأغفى متلمسا فيضا روحانيا، ويحكى أن السكان المجاورين الذين أمدوه بالفأس، كانوا يرون الفأس تحفر وحدها وهو جالس ينظر إليها».
مسعود شخصية عجائبية بالنظر إلى أنه يمتلك قدرات خارقة على إدراك الغيب، والتحدث إلى كائنات غير آدمية، وتسخير الدواب والحيوانات (من أنت أخرج) كما أنه مزدوج الهوية، وهذا يذكرنا بالمسخ والتحول في الخطاب العجائبي، مسعود «أصله مزدوج: أمه سوسية وأبوه فرجي وأرضعته الجنية التي ستفتح له، في ما بعد إدراك عالم الجن»، وهذا التهجين على مستوى الهوية يجعل من مسعود شخصية المتناقضات بهوية غريبة تنحدر من المجهول، وكل هذه السمات تحضر كمفسر للظاهرة العجائبية، وفضلا عن ذلك فهذه الأصول التي تنحدر من المتخيل الجمعي وموقع المقدس والأنساق الثقافية التي تؤطر لوجوده، خولت له أن ينهض أيضا بوظيفة سياسية أيضا، لأنه سيستقبل ويتصدى لكل من سولت له نفسه محو أو الهوية الثقافية للنحن. فالمرجع المقدس، يحضر بدوره كمفسر للظاهرة العجائبية، باعتبار أن الشخصية ولي من أولياء الله أوتي ما أوتي من التقوى والورع، وبالتالي الكرامات والخوارق، وتحلق حوله الناس و«استقام مسعود شيخا عارفا يزدهي بالحكمة.. يتوافد على مقامه من كل الجهات، زائرين ومبروكين».

بناء المسار السردي ينطلق في هذه الرواية من النوية الدلالية «عفاريت» التي تحضر باعتبارها علامة تنتج مجموعة من دوال الخطاب الروائي، لتنمو بعد ذلك نسقية الحكي في آتجاهات مختلفة، انطلاقا من ظهور الشخصية مسعود على مسرح الرواية.

إن السارد هنا يكشف المفارقة داخل الواقع انطلاقا من رمزية شخصية مسعود نفسه، الذي يتوزع بين الحقيقة والخيال، والواقع والمتخيل، العقل والخرافة، حيث تنتفي الحدود ويتم تغييب إعمال العقل. وهكذا تنطبع شخصية مسعود بقدسية المكان العجائبية، ما سيجعله عاملا مولدا لمختلف المسارات السردية للشخوص والأحداث. إذ سترتبط شخصية مسعود، نسقيا بفئات – الشخوص السالبة كما هو، الأمر بالنسبة للعسكري، التي تحضر كرمز لاستغلال سذاجة المجتمع وبؤسه، وبالتالي نيل مطامعها الغريزية الجنسية. ومن أجل ممارسة الاستغلال المادي، كما هو الحال بالنسبة للشخصية الفرعية ”الوسيطية” التي تستغل الفضاء المقدس لممارسة مجموعة من الطقوس كتقديم النذر للولي أملا في الشفاء: «يُذبح الديك خارج السور على الحجرة المقدسة. تحمر الخضرة من أثر الدم. ينهض الديك المذبوح والدم يسيل، تعود الروح شيئا فشيئا إلى الجسد المحموم… ينهض الجسد البارد ومعه بركات جديدة، ومدارك رهيبة، ومكاسب ثمينة». إن آستثمار المحكي العجائبي هنا يمثل استبطانا لسيكولوجية الذات وسبر لأغوارها وكشف عن لاوعيها ومعاناتها، في ظل واقع الاستغلال والتناقض. كما تظهر شخصية المرأة وزوجها باعتبارهما فئة تدخل في علاقة تقابل مع شخصية الفقيه، الذي يمتلك بدوره قدرات خارقة تؤهله لتخليص جسد الزوجة من الجن، فهي تقع ضمن نسق الشخوص السالبة، مثل شخصية العسكري. وهي شخصية تلعب دورا مزدوجا داخل مسرح الحدث. فهو الراعي القوي البنية الذي يشتغل في ضيعة القائد، وفي الوقت نفسه وقع عليه الاختيار للسفر إلى فرنسا لمحاربة المد النازي، فصنع أمجاد هذا البلد وفي الأخير تنكر له الكل.. فضلا عن شخصيتي مسعود والعسكري، نجد شخصية القائد المغربي المتواطئ مع المستعمر، صورة الخائن للوطن، الانتهازي الذي راكم الثروة انطلاقا من علاقته المشبوهة مع المستعمر.
انفتاح النص الروائي وتعدد الخطابات:
إن توزيع الشخصيات الروائية إلى مقولات – مسارات مختلفة يكشف المفارقة بين واقع شخوص المجتمع المغرق في الماضوية، والذهنية المجتمعية التي تستغل رمزية التصوف وقدسيته، وثقافة الأولياء والصالحين لممارسة مختلف أشكال الاستغلال الجنسي والمادي، باسم هذا الرصيد التاريخي كله لتلبي مطامعها المادية والغريزية، وهذا ما يكشف ميثاق السرد بين السارد والمتلقي. فصوت السارد الضمني يمثل أحد مظاهر الخطاب الدالة، التي تكشف خصائص خطاب السارد وما يحمله من رؤى للعالم، ويمكن أن نتبين ذلك جليا من خلال خطاب النهاية: «في هذا الوقت الذي أوشك فيه الانتهاء على كتابة هذا النص، كانت القناة الفضائية للجزيرة تعرض برنامجا مصورا حول الكوم les gommes المغاربة المشاركين في الحربين العالميتين للجيش، الذي أهلكه هتلر لولا تدخل رجال شمال إفريقيا … كنت أشعر بالأسى وأنا أستحضر تجربة العسكري وآخرين عرفت أن المشاركة في الحرب هذه شكلت لهم أمراضا وعقدا نفسية شتى». يشكل خطاب النهاية وحدة سردية تتعالق مع خطاب البداية لتعلن نهاية ذلك التعاقد بين السارد والقارئ المتخيل من خلال مؤشرات نحوية داخل الخطاب، وهو ما يجعل من خطاب السارد خطابا بعيدا عن الحياد، فهو محمل بالنوايا والمقاصد، إنه بتعبير باختين خطاب تنكسر داخله نوايا الكاتب.
إن نص ”العفاريت” هي رواية الاحتفاء بالشخوص والأمكنة، وفضلا عن ذلك فهي رواية تتأسس على التعدد اللغوي والخطابي، فرحلة الشيخ مسعود، الذي تسمح له أصوله السوسية بممارسة الكرامات وكل الخوارق المرتبطة بالأولياء، تكشف عن سلطته الرمزية: «ترك الشاب مسعود جواده يسير في السهول والهضاب والجبال على غير هدى، وأغفى متلمسا فيضا روحانيا يدله على وجهته». إننا هنا أمام محاكاة لخطابات أجناسية متنوعة تعمل من خلال التفاعل على نسج تمثيل صورة عن الواقع الدرامي الذي تتخبط فيه شخصيات المجتمع المغربي، بعد أن تم إسقاط التاريخي والأنثروبولوجي والخارق داخل الخطاب الروائي، من أجل تحيينه وكشف ملابساته داخل الواقع، وكذلك من أجل تعرية اللاوعي الجمعي والتخلف الفكري الذي يعاني منه هذا المجتمع في ظل تنكره للتاريخ وهيمنة ممارسات شاذة باسم المرجعية الدينية.

٭ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية