بعيد استقلال البلاد كرم الشعب التونسي القوى التي ناضلت ضد الاحتلال الفرنسي، في انتخابات لها ما لها وعليها ما عليها، ومنحهم ثقته غير المشروطة لتصدر مجلس تأسيسي أول. ولم يرى الحكام الجدد في تلك الفترة ضيرا في التعامل والاستفادة من تركة النظام الكولونيالي الفرنسي، رغم أنهم كانوا يرون فيه زمن النضال رمزا للهيمنة والاستعباد. وتحت شعار ‘الرؤية المرحلية’ للزعيم الأوحد وقع القبول بتركة وزارة الداخلية الفرنسية، التي كانت كتابة دولة، و’تونستها’ والاستفادة من آليات وأدوات ومناهج عملها وأدائها التي وثقها التاريخ والأدب بما يؤكد أننا لا زلنا نعيش على وقعها إلى اليوم.
كما وقع القبول بالكثير ممن اشتهروا بمناصرة ما يسمونها بـ’الحماية الفرنسية’ والعمل في ظل نظامها والكثير من وشاتها… وجلنا سمع أو علم بنماذج ممن كان يشي للفرنسيين عن المناضلين وأصبح بعيد الاستقلال يتمتع ببطاقة وامتيازات مقاوم.. والنماذج على ذلك كثيرة ساهمت في تحويل الحكام الجدد آنذاك، بعد سنوات قليلة، من مناضلين إلى أشباح بائسة مسكونة بروح النظام الكولونيالي وفلسفته وعنصريته وظلمه.. وبعد تاريخ نضالي أصبح الحزب الدستوري بؤرة للفساد والجور.. وبعد صعود الدساترة لسدة الحكم بثقة الشعب تحولوا إلى عصابة مختصة في جلد الشعب وزمرة من المنافقين يهللون لنظام مافيوزي أسقطه حراك الشعب من أجل الحرية والكرامة والعدالة مهدت له نضالات كثيرة في صراع طويل ومرير.
وقد أعاد الشعب الانتصار للقوى التي وقفت في صف حراكه والتي ساهمت بنضالاتها المختلفة ومنحها ثقته مرة أخرى لتصدر مجلس تأسيسي ثان في انتخابات لها هي أيضا ما لها وعليها ما عليها. وفي الوقت الذي انتظر فيه الجميع حملة قانونية وشرعية عارمة وعادلة على كل رموز الفساد وأزلام النظام البورقيبي-النوفمبري ذو الأصل الكولونيالي، وجدنا أنفسنا أمام عملية مماطلة على نطاق واسع، بل ذهب حكامنا الجدد، على ما يبدو استفادة من تجربة الزعيم الذي انتمى له الكثير منهم، أشواطا في محاولة جديدة لتطويع وتدجين النظام البائس والاستفادة من أزلامه في أكثر من موقع وأكثر من مناسبة.
فهاهم يحافظون على جل مكونات شبكة وزارة الداخلية وأهم مفاصلها ورؤوسها وأساليب عملها ويحاولون على ما يبدو تدجينها وتوظيفها لصالح حكمهم، ولم نرى سوى بعض الإقالات والمحاسبات الباهتة. كما نجد اليوم الكثير من المسئولين في الوزارات والدواوين من أزلام بن علي وقع الإبقاء عليهم تحت شعار ‘كفاءتهم وخبراتهم العالية’. وأخيرا وليس آخرا، ها نحن نجد أنفسنا أمام شق في المجلس التأسيسي يدافع على بقاء أحد رموز النظام البورقيبي-النوفبري على رأس البنك المركزي وشق آخر يدافع بدوره بشراسة ‘الشرعية’ على تعويضه بآخر هو أستاذه في الانخراط في النظام البائس وشاهد زور على ديمقراطية بن علي.
يبدو بكل وضوح من خلال هذه النماذج، وغيرها كثيرة لا يتسع المجال لعرضها، أن التاريخ يعيد نفسه في بلادنا وأن النظام الكولونيالي، كما وجد ضالته في بورقيبة وبن علي وأعوانهم، يجد اليوم ضالته في حكامنا الجدد، مع اعتبار فارق أنه بعيد الاستقلال كان شريكه في ذلك زعيم أوحد كان ظاهرا على المسرح السياسي، أما اليوم فإن الشريك يقف خلف ستار يحرك عرائس ثلاثة ولم يعد يسمى الزعيم بل أصبح الشيخ الذي أفتى مؤخرا بأن ‘التداول على المناصب ليس سوى نظرة شكلية للديمقراطية’.. وما علينا إلا أن نتخيل كيف سيكونون مناضلي الأمس بعد سنوات قريبة جدا.
د. ياسين الحلواني