سد تشرين على طول نهر الفرات بالقرب من منبج شرق سوريا
لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا لمراسلها ريتشارد سبنسر من سوريا قال فيه إن نهر الخابور كان مليئا بمياه الفيضانات قبل بضع سنوات فقط، لدرجة أنه كان بمثابة خط أمامي لا يمكن اختراقه في الحرب بين تنظيم “الدولة” وأعدائهم الأكراد والمسيحيين. ولكنه اختفى الآن وبدا قاعه البني مغبرا في شمس الخريف. ولم يعد السكان المحليون الذين فروا خلال الحرب لزراعة الأرض، والصحراء تتوسع في وجه الجفاف المدمر في جميع أنحاء سوريا.
ويقول سبنسر إن هناك العديد من الأسباب لهذه الكارثة الجديدة، بالإضافة إلى العديد من الأسباب في هذا البلد المنكوب. ويدعم تقرير نشرته منظمة السلام الهولندية “باكس” هذا الأسبوع مزاعم السكان المحليين المتبقين بأن الخابور جف بعد أن قامت القوات المدعومة من تركيا بغزو شمال سوريا قبل عامين وبنوا عليه سدا. ومع ذلك، فإن الصراع المحلي ليس سوى واحدا من أسباب أزمة المياه. وينعكس مصير الخابور، أحد روافد نهر الفرات، عبر العراق وسوريا، على الأرض التي كانت تعرف سابقا باسم بلاد الرافدين، مهد الحضارات. لقد دمرت سهول نهري الفرات ودجلة وروافدهما التي كانت خصبة في يوم من الأيام بمزيج من الحرب وتغير المناخ والسياسات البيئية السيئة.
دُمرت سهول نهري الفرات ودجلة وروافدهما التي كانت خصبة في يوم من الأيام بمزيج من الحرب وتغير المناخ والسياسات البيئية السيئة
وقالت الصحيفة إن المزارعين يغادرون الأرض مع تراجع الغلال. ودخلت حياة من بقوا في حلقة مفرغة، حيث يستخدمون مضخات الديزل للعثور على المياه الجوفية التي باتت أعمق من أي وقت مضى تحت الأرض، مما يؤدي إلى تعرية الخزانات وتلويث الأرض والهواء بالأبخرة والمخلفات.
وقال جاسم محمد، مزارع من دير الزور في الجنوب، “فشلنا في زراعة أي قمح هذا العام.. هذه كارثة، لا قمح ولا خبز”. وأضاف أنه تمكن من ري مزرعته، على بعد ميلين من نهر الفرات، مرة واحدة فقط حتى الآن هذا العام وكان يعتمد الآن على ضخ المياه الجوفية، لكن الجودة كانت سيئة للغاية بالنسبة لمحاصيله. “إنها تزداد سوءا كل يوم. إذا أتيت إلى هنا، فسترى أطفالا ينامون بالقرب من المخابز حتى يتمكنوا من الوقوف في طوابير في الصباح الباكر، لأن الخبز أصبح نادرا جدا”.
وذكر تقرير صادر عن تحالف من وكالات الإغاثة في آب/ أغسطس أن خمسة ملايين شخص في سوريا وسبعة ملايين في العراق “يفقدون الوصول” إلى المياه. في كلا البلدين. ينهار إنتاج القمح، وهو جوهر الزراعة بالنسبة للسكان الذين يشكل الخبز غذاءهم الأساسي. وحذرت الوكالات من أن مغادرة المزارعين لأراضيهم سيؤدي في النهاية إلى أزمة لاجئين جديدة، حيث يبحث السكان عن فرص في أماكن أخرى، ليصبحوا أمثلة حية للهجرة الناتجة عن تغير المناخ.
وبحسب كارستن هانسن، المدير الإقليمي لمجلس اللاجئين النرويجي: “مع استمرار نزوح مئات الآلاف من العراقيين وما زال الكثيرون يفرون للنجاة بحياتهم من سوريا، ستصبح أزمة المياه التي تتكشف قريبا كارثة غير مسبوقة تدفع المزيد من النزوح”.
خمسة ملايين شخص في سوريا وسبعة ملايين في العراق يفقدون الوصول إلى المياه. كما ينهار إنتاج القمح، وهو جوهر الزراعة بالنسبة للسكان الذين يشكل الخبز غذاءهم الأساسي
كانت الظروف بالتأكيد متطرفة، حيث وصلت درجات الحرارة في بلاد الرافدين بانتظام إلى 50 درجة مئوية لأيام متتالية في الصيف في السنوات القليلة الماضية. وهناك اختلافات كبيرة في هطول الأمطار، حيث انخفض من 430 ملم في شمال شرق سوريا في عام 2019 إلى 217 ملم في عام 2020. وكان هذا العام جافا أيضا.
كما وتساعد الحروب في سوريا والعراق، مع تضرر البنية التحتية الحيوية مثل محطات الضخ على تفاقم الأزمة. اتهمت القوات المدعومة من تركيا في شمال سوريا بعرقلة عمليات الضخ في محطة علوك التي تزود معظم محافظة الحسكة بمياه الشرب. تركيا نفسها متهمة بتقليص تدفق نهري دجلة والفرات عبر السدود المقامة على أراضيها. ويعود الاستخدام المفرط للمياه الجوفية من قبل المزارعين السوريين إلى عقود منصرمة، عندما حاول حافظ الأسد، والد رئيس النظام السوري بشار الأسد، تعزيز الإنتاج الزراعي من خلال تشجيع الري الجماعي من خلال مضخات المياه باستخدام الوقود المدعوم. انخفض منسوب المياه الجوفية بما يصل إلى 100 متر في بعض الأماكن.
وبحسب منظمة ميرسي كوربس، وهي منظمة إغاثة أخرى، فإن نقص مياه الشرب النظيفة أدى إلى عشرات الآلاف من حالات الإسهال الحاد هذا الصيف. كما سجلت سبع وفيات جراء الغرق بين من سقطوا في قنوات الري أثناء محاولتهم العثور على المياه. وقال مدير مشروع للمنظمة رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية: “الكثير من مضخات المياه خارج الخدمة ولا يوجد مصدر موثوق للمياه”. وفقد ما يقرب من نصف مليون شخص في المنطقة إمكانية الوصول المنتظم إلى المياه النظيفة.
ويتوقع حدوث الأسوأ من ذلك: هناك مخاوف من أن الطبقة وتشرين، السدان اللذان يشغلان محطتا توليد الطاقة الكهرومائية اللتان توفران كل كهرباء شرق سوريا تقريبا، سيتوقفان عن العمل، مما يتسبب في انهيار أوسع للبنية التحتية.
هناك مخاوف من أن يتوقف سدا الطبقة وتشرين عن العمل، مما يتسبب في انهيار أوسع للبنية التحتية
هناك القليل من المؤشرات على حل سياسي شامل يمكنه تنفيذ سياسات لتخفيف الأزمة. أقامت قوات سوريا الديمقراطية سلسلة من المجالس المحلية، لكن شمال شرق سوريا ككل ليس لديه حكومة معترف بها دوليا. فصيلها السياسي المسيطر، حزب الاتحاد الديمقراطي، هو فرع من حزب العمال الكردستاني، جماعة حرب العصابات المتمركزة في تركيا والمحظور في الغرب باعتباره منظمة إرهابية. وتتعاون أمريكا وبريطانيا عسكريا مع قوات سوريا الديمقراطية. لكن ليس لديهم ولا أي شخص آخر فكرة كبيرة عن الشكل السياسي الذي ستتخذه المنطقة في نهاية المطاف. ما إذا كان سيتم دمجها مع ما تبقى من أجزاء سوريا التي لا تزال تحت سيطرة نظام الأسد، أو ستبقى كيانا منفصلا، مثل الحكومة الإقليمية الكردية في العراق. وقلة من الشركات أو الحكومات مستعدة للاستثمار على المدى الطويل على مثل هذا الأساس المهتز.
ودعت منظمة باكس المجتمع الدولي إلى إيجاد حلول “عبر الحدود”. لكن في ظل مواجهة تركيا والنظام السوري وروسيا وأمريكا وإيران ومجموعة كاملة من الميليشيات المحلية ضد بعضها البعض داخل البلاد – ناهيك عن الحدود – فإن هذه الحلول تبدو بعيدة المنال كما كانت دائما.