لندن – “القدس العربي”: نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية افتتاحية حول الخطوة المقبلة للغرب في كابول، “الحوار مع طالبان” وهي الحركة التي تطمح لحكم أفغانستان ويجب الحكم عليها من خلال أفعالها وليس عبر وعودها الرخيصة بحماية حقوق الإنسان. وقالت إن القوات البريطانية والموظفين المدنيين غادروا كابول يوم الأحد.
وكان السفير البريطاني سير لوري بريستو الذي أشرف على أوراق المغادرين في المطار واحدا من آخر المغادرين على آخر رحلة من مطار كابول، وستعمل سفارته بشكل مؤقت من قطر.
وتقول إن بريطانيا وحلفاءها لا يزال لديهم مصالح في أفغانستان رغم خروجهم منها، بما في ذلك تأمين ممر آمن لمن ساعدوهم ولم يستطيعوا الخروج.
وفي ظل خروج القوات البريطانية من البلد على الحكومة أن تقرر ماذا بقي لديها من أوراق تأثير لحماية وتحقيق مصالحها. وقال أنطونيو غويتريش، الأمين العام للأمم المتحدة إن آخر ورقة يحتفظ بها المجتمع الدولي هي الاعتراف بطالبان، كحكومة أفغانستان. وفي يوم الأحد لمح رئيس الوزراء بوريس جونسون بإمكانية الاعتراف لو تم تحقيق عدد من الشروط “لو أراد النظام الجديد في كابول اعترافا دبلوماسيا”، “فعليهم التأكد من فتح ممر آمن لمن يرغب بمغادرة البلد واحترام حقوق المرأة والبنات ومنع أفغانستان من التحول مرة ثانية إلى حاضنة للإرهاب الدولي لأن هذا سيكون كارثة على أفغانستان”.
ويعتبر الغرب الاعتراف ورقة نفوذ لأن طالبان تتعامل معه كأولوية، فقد عبر المتحدث باسم الجماعة عن رغبة الحركة العيش “بسلام بدون أعداء في الداخل والخارج”. وليس من الصعب رؤية المنافع التي ستحصل عليها طالبان من العلاقات الخارجية، فمن الاعتراف الرسمي قد يتدفق الدعم والتجارة وتخفيف العقوبات، وإذا بقيت طالبان في السلطة فهي بحاجة للمال كي تبقي النور وتمنع الطرق من الانهيار.
وترى طالبان منافع من الاعتراف: فالشرعية في الخارج ستساعدها على تسويق شرعيتها في الداخل، وستحرك عجلة الحكومة وتخفف من شهية المعارضة لها.
ففي آخر مرة سيطرت فيها طالبان على السلطة لم تعترف بها سوى باكستان والإمارات والسعودية. وتأمل هذه المرة بأن تحقق أحسن، فقد أخبر قادة طالبان الإعلام الغربي بما يريد أن يسمعه، وأعطوا تطمينات حول عمل الصحافة بحرية في داخل البلد ومنح النساء الحقوق (في إطار الشريعة). وربما حافظوا على وعودهم، لكن طالبان لم تظهر حتى الآن ما يدعو للثقة بها. فهناك تقارير موثوقة عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ارتكبها جنودها، بما في ذلك القتل بدون محاكمة وعمليات انتقامية ضد من ساعدوا قوات التحالف وهجمات وحشية ضد النساء والبنات.
وسيكون من السذاجة بمكان أن تسارع أي حكومة للاعتراف بالحكومة على اعتبار أن هذه التصرفات ارتكبتها عناصر مارقة ومتهورة. وحتى تثبت طالبان استحقاقها لجزرة الاعتراف، فيجب الاعتماد على “عصا” الضغط الاقتصادي.
وقامت إدارة جوزيف بايدن بوقف الحسابات التابعة للحكومة الأفغانية والتي تديرها البنوك الأمريكية وتعمل على تقييد وصولها إلى الاحتياطات الأفغانية من العملة الأجنبية. ومع ذلك فوقف الاتصال وبشكل كامل مع طالبان ستكون له مخاطره، وبخاصة أن المنافسين للغرب بدأوا بتقديم عروضهم. ففي الشهر الماضي جلس قادة طالبان مع السفير الروسي ووزير الخارجية الصيني، وستحاول الدول التي تتباين مصالحها مع الغرب ملء الفراغ الذي تركته قوات الحلفاء وبسرعة. ويجب أن تكون هناك طرق للاعتراف بمن يسيطرون على أفغانستان ويجب أن يعبد بالعمل لا بالكلام.
هذا وأشار محرر شؤون الحكومة في الصحيفة كريس سميث ومراسلها في واشنطن اليستر داوبر وتشارلي فولكنر، مراسلها في كابول إلى تحذيرات جونسون بشأن التهديد الإرهابي وأنه “الأسوأ منذ سنوات” في وقت عرض فيه على طالبان الاعتراف بطالبان لو منعت الهجمات من داخل أفغانستان.
وحذر قادة عسكريون ودبلوماسيون سابقون ونواب في البرلمان من أن بريطانيا باتت أقل أمنا مع وصول طالبان إلى الحكم في كابول. واقترح جونسون استخدام الاعتراف الدبلوماسي كورقة ضغط “لو أراد النظام الجديد في كابول اعترافا دبلوماسيا” فيجب “منع تحول أفغانستان مرة أخرى لحاضنة إرهاب”. وقال إن تدمير شبكة أسامة بن لادن يعني أن التضحية بأرواح 457 جنديا بريطانيا في أفغانستان خلال 20 عاما لم تذهب سدى.
وفي رسالة مسجلة على الفيديو قال فيها “لم يكن من قبيل المصادفة عدم شن أي هجوم إرهابي على بريطانيا أو دولة غربية من أفغانستان خلال 20 عاما الماضية”. وقال إن الخروج من كابول يوم الأحد هو “نهاية مهمة لا تشبه أي شيء رأيناه في حياتنا”.
وقالت الصحيفة إن كلام جونسون الذي احتوى على إمكانية تقديم اعتراف مشروط زادت من منظور فتح سفارة لطالبان في لندن، مع أنه أكد أن هذا لن يحدث إلا من خلال عمل جماعي من مجموعة الدول السبع بعد تشكيل الحكومة الجديدة في كابول.
وتعترف الحكومة أنه يجب التعامل مع حكومة أفغانية جديدة يسيطر عليها متشددون ولهذا تبنت نهج العصا والجزرة. وأهم مطلب في الوقت الحالي هو فتح ممر آمن لمن يريد المغادرة، إلا أن الاهتمام سيتحول نحو منع تحول البلد إلى قاعدة إرهاب جديدة، وسيتم استخدام المساعدات لتشجيع السلوك الجيد. ويرى المسؤولون أن أفغانستان هي أول امتحان بعد إلغاء وزارة التنمية الدولية حيث يتم ربط الدعم بأهداف السياسة الخارجية.
ويرى المسؤولون أن الأزمة الإنسانية التي تلوح بالأفق تمثل تهديدا لطالبان وشرعية حكمها. ويرى قادتها أن الدعم الخارجي مهم في تخفيفها. وستواصل الدول الغربية منح تأشيرات خروج للأفغان الراغبين بالمغادرة بعد انتهاء الوجود الأجنبي في البلاد يوم 31 آب/أغسطس. وكانت بريطانيا من ضمن 90 حكومة وقعت على بيان عبرت فيه عن توقعاتها من طالبان والتزامها بالسماح “للحلفاء الأفغان” الخروج إلى أراضي هذه الحكومات المعنية.
ووعد السفير البريطاني سير لوري بريستو بفتح السفارة بكابول في أقرب وقت ممكن، ولكن “علينا حماية مكاسب 20 عاما”. وحذر العقيد ريتشاد كيمب، القائد السابق للقوات البريطانية في أفغانستان من أن الخطر الإرهابي بات “عظيما كما كان في ذروة تنظيم الدولة”. واعتبر سير نيكولاس كي، السفير السابق في أفغانستان أن انسحاب الناتو كان “متعجلا”، مؤكدا أن “التهديد الإرهابي لا يزال موجودا”.