متظاهر تونسي يرفع شعار إسقاط النظام عام 2011
لندن- “القدس العربي”:
بعد عشرة أعوام على رحيل نظام زين العابدين بن علي، تقف تونس مهد الربيع العربي على مفترق طرق وتعاني من اضطرابات سياسية ومدنية.
وتحت عنوان “ثورة أم قمع: بلد منقسم يكافح للمضي أماما”، نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا أعدته ليلى فارودي من مدينة قابس. وقالت فيه إن الباحثين عن العمل أمام المجمع الكيميائي الذي يعالج مادة الفوسفات نصبوا الخيام وركنوا دراجاتهم “سكوترز” أمام كل المداخل لمكاتب المنطقة الصناعية في الميناء.
وقال رضوان حجيج، 30 عاما: “لا خيارات لدينا وعقدنا اتفاقا بعد اتفاق ولا شيء حدث”. وحتى لو دخل العمال إلى مكاتب العمل فلن يجدوا ما يمكن عمله لأن العمال في منجم قفصة للفوسفات أوقفوا الإنتاج.
وتشير هذه للاحتجاجات التي انتشرت تقريبا في كل مكان بتونس. فمعدلات البطالة لا تزال عالية وكلفة الحياة مرتفعة ويتخبط من هم في السلطة. ويقول طارق حداد، 37 عاما: “عليهم (الحكومة) معرفة أنهم لو لم يستطيعوا الوفاء بدورهم فسأغلق البلاد ولو لم تتحركوا فستحدث ثورة”، وكان حداد واحدا من الذين أغلقوا خط وقود في الصحراء لمدة 115 يوما في بداية العام.
يرى الكثيرون أن ما أطلق عليه الربيع العربي لم يحقق أهدافه
وتشير الصحيفة إلى أن الدعوة للثورة تأتي بعد مضي عشرة أعوام على الثورة التي أطاحت ببن علي وانتقلت إلى دول عدة في الشرق الأوسط. ويرى الكثيرون أن ما أطلق عليه الربيع العربي لم يحقق أهدافه، فلم يفتح المجال أمام الفرص للناس بالمنطقة، وحتى في تونس التي قادت الثورة لعملية ديمقراطية دائمة فالناس فيها غير راضين.
وفي كل أنحاء الشرق الأوسط، عادت المشاهد القديمة في الدول التي شهدت انتفاضات وتراجعت الحريات المدنية وفي بعض الأحيان عانت حروبا مستمرة. وفي مصر اختفت الحريات في ظل عبد الفتاح السيسي، الذي اختطف السلطة بعد محاولة في الانتخابات الديمقراطية التي قادت لتولي الإخوان المسلمين السلطة. وفي ليبيا التي أطيح فيها بالعقيد معمر القذافي لا تزال الحرب الأهلية تلوث البلد فيما يبدو نظام بشار الأسد قويا أكثر من أي وقت مضى في الحرب التي مضى عليها تسعة أعوام وأدت لمقتل أكثر من نصف مليون شخص.
وفي تونس لم تترافق الثقافة الجديدة للانتخابات النزيهة وحرية التعبير بتحسن الحياة اليومية خاصة في المناطق المحرومة في داخل البلاد والتي انطلقت منها شرارة الثورة. وكان أهم شعار في الثورة التونسية هو “العمل” لكن البطالة ارتفعت من 13% في 2010 إلى 16.2% عام 2020. وارتفعت بين الشباب الذين وفروا الطاقة للتظاهرات إلى 35.7%. وتضاعف عدد العاطلين عن العمل بين المتخرجين من الجامعات من 130.000 عام 2010 إلى 300.000 عاطل في الوقت الحالي.
وكان الحصول على الكرامة من مطالب الثورة لكن الغضب والسخط ارتفعا بين كل قطاعات المجتمع بسبب زيادة كلفة المعيشة ومظاهر الإهمال الحكومي. وفي الأسبوع الماضي نظم عمال الصحة “يوم الغضب” بعد سقوط طبيب عمره 26 عاما من مصعد مستشفى متداع. في بداية هذا العام قتل رجل في سبيطلة عندما كان نائما في كوخ بعدما جرفته جرافة كانت تزيل بناية أقيمت بطريقة غير شرعية في الساعات الأولى من الصباح وبدون أن تتأكد من عدم وجود شخص في المكان.
وفاقم فيروس كورونا من المصاعب، حيث يرى الاقتصادي التونسي حكيم بن حمودة أن الموجة الأولى منه أدت لانكماش بنسبة 7% من الناتج المحلي العام. ويرى أن الموجة الثانية قد تكون أسوأ: “لم نخطط لموجة على هذه القاعدة وربما انخفض إلى نسبة 10%”.
وبحسب تقرير صدر هذا الشهر عن المعهد الوطني التونسي للإحصاء فنسبة 37% من الشركات الخاصة تواجه خطر الإغلاق الدائم. وفي الوقت الذي خرج فيه عدد كبير من السكان إلى الشوارع احتجاجا على الأوضاع طالب آخرون بفرض النظام ولو بالقوة. وهناك من يطالب بثورة ثانية مع أن هناك من يتحسر على حدوث الثورة الأولى. وكانت هذه قد بدأت في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 عندما أشعل بائع فواكه اسمه محمد بوعزيزي من بلدة سيدي بوزيد النار في نفسه، بعدما أساءت إليه شرطية. وتوفي متأثرا بحروقه بعد أسابيع. وأصبح اسمه مرادفا للثورة لكن أقاربه يرون أن الحادث أصبح “لعنة” فيما هاجرت عائلته إلى كندا.
وقال زيد بوعزيزي ابن عم محمد: “بدأ الناس بلعننا ويقولون إن كل شيء نعيشه بسببكم”. ويسخر منه زملاؤه ويقولون إن “عائلة بوعزيزي خربت البلد”.
قريب بوعزيزي: بدأ الناس بلعننا ويقولون إن كل شيء نعيشه بسببكم
ولا حيلة لبوعزيزي الذي شارك في الثورة وفقد أسنانه الأمامية بعد اعتداء الشرطة عليه: “أردنا العيش بكرامة. وليس لدينا الآن لا كرامة أو سبل للحياة”. وهو يعمل وزوجته لكن ليس باستطاعتهما شراء بيت.
ولا يزال شقيقه قيس، 34 عاما، يعيش في سيدي بوزيد وحضر إلى المحكمة الشهر الماضي بعدما تهكم على النائبة عبير موسي التي زارت البلدة. وقال: “إنها إهانة، فهي من الحرس القديم وجاءت وأهانت الثورة ومهدها”. وتقول الكاتبة إن موسي استقبلت بحفاوة وتقدم نفسها كمعادية للنظام. والبرلمان التونسي متشرذم ويتعارك نوابه مع بعضهم البعض. وشهدت البلاد ثلاثة رؤساء وزراء منذ الانتخابات الأخيرة. وفي ظل رئيس الوزراء الحالي هشام مشيشي فشلت حكومته بتمرير أي قانون.
وقال غازي الشواشي، السكرتير العام لحزب التيار الديمقراطي: “لا نعرف من يحكم، ولدينا حكومة تكنوقراط لا أحد راض عنها وهم بدون برنامج أو رؤية”.
وهذا محبط لمعنويات التونسيين العاديين فكما يقول أحمد الصيادي، محاضر الجامعة: “لا أتابع الأخبار ولا أهتم بما يفعله النواب، كتبوا قوانين، سرقوا البلد، اقتتلوا فالوضع ميؤوس منه. ويرى الشباب أن مغادرة البلد هو ضوء الأمل الوحيد”.