لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا أعدته لويز كالاغان عما وصفته بصراع الأجنحة داخل العائلة الحاكمة في الأردن.
وبدأت كالاغان تقريرها بحوار مع عاملة في محل لبيع الأدوات الموسيقية في عمّان التي تخلت عن الحذر وشجبت الحكومة الأردنية والعائلة المالكة. وقالت أروى: “هل يعتقدون أننا أغبياء، وأنهم عندما يقولون إن كل شيء على ما يرام سنصدقهم؟ فالوضع سيئ جدا جدا”.
وتعلق الصحافية أن ما تعرفه أروى يعرفه آلاف غيرها، وهو أن البلاط الملكي يحاول التستر على نزاع السلطة الذي وضع أخاً ضد أخيه وملكة ضد أخرى، مما قاد إلى سلسلة من الاعتقالات لمسؤولين كبار في هذه المملكة غير السعيدة. وظل الأردن على مدى عدة عقود ساحة استقرار في منطقة غير مستقرة تعيش حروبا أهلية وعنفا. وكان الملك الحسين الذي حكم الأردن لنصف قرن تقريبا، معروفا حول العالم بنسائه وسياراته الرياضية رغم حكمته وكونه رجل دولة ناجحا. والآن يتهم ابن من أبنائه، الملك عبد الله الثاني بأنه يقود المملكة نحو الغرق بسبب الفساد.
وتضرب الاتهامات على وتر حساس للأردنيين مثل أروى، الذين يعانون من انهيار اقتصادي وفيروس كورونا، والقبائل الأردنية التي كانت تمثل عصب المملكة منذ إنشائها. وفي الوقت الذي يتعثر فيه الملك عبد الله أمام هذه الأزمة، فإن حرب الزوجات قسّمت العائلة المالكة، وأدت إلى تشكل أجنحة خلف ملكات متنافسات. وفي العاصمة عمّان التي يغلفها الغموض، تنتشر الشائعات في شوارعها التي تفرغ بعد الساعة السابعة بسبب إغلاق كوفيد-19، يخشى الكثير من السكان، سواء كانوا مواطنين عاديين أو سياسيين، الحديث مع الصحافيين أو التعبير عن قلقهم بشكل عام خشية من تنصت الحكومة على هواتفهم. وأدت الفضيحة لخروج الانقسامات إلى العلن في هذه العائلة الفاتنة، وأثارت السخط تجاه الحكومة والملك الذي يُنظر إليه على أنه بعيد عن قضايا الأمة أو يعاملهم بفوقية.
وأثار انقسام العائلة المالكة غضب الناس المحرومين الذين تدهورت أوضاعهم في السنوات الأخيرة. ففي بلد فقير بالمصادر، ويعتمد على الدعم الخارجي، أدى عدم الاستقرار الإقليمي والفساد وسوء الإدارة إلى بطء النمو وزيادة الديْن. وربع البالغين في الأردن بدون عمل، وهناك مليون أردني يعيشون على خط الفقر، أي عشر السكان.
وفاقم الوضع إغلاق البلد لعدة شهور بسبب فيروس كورونا من سوء الأوضاع، بحيث لم يتمكن السكان العاديون من الحصول العمل وتوفير ما يحتاجونه. وشيئا فشيئا بدأ البعض يجوع، وتخلى عن اللحم ويعيش على الخبز والشاي.
وأشارت الصحافية إلى ما جرى بداية الشهر، عندما نشرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تسجيلي فيديو قصيرين للأمير حمزة عبر محاميه، بعد ساعات من إعلان الجيش عن محاولة لنشر “الفتنة” في البلاد، وتحدث الأمير فيهما عن وضعه تحت الإقامة الجبرية ومنعه من إجراء الاتصالات.
وتحدث الأمير حمزة، الذي درس في هارو، ومثل أخيه عبد الله تلقى تعليمه العسكري في أكاديمية ساندهيرست البريطانية عن سلسلة من الاتهامات شجب فيها سوء الإدارة وسوء الحكم على أعلى المستويات في البلد. ووصف الملك الأحداث بأنها الأكثر إيلاما، وأنه “مصدوم وغاضب”. ولكنّ أمرا منع نشر أي معلومات عن قضية حمزة في الإعلام، مما أثار ريبة السكان من أن الحكام يريدون منهم عدم طرح أسئلة حول تسجيلات الأمير حمزة.
وقالت أروى: “نريد أجوبة. أين الأمير حمزة؟”. مضيفة: “قبل هذا لم أكن أعرف عنه الكثير، وهناك الآن الكثير من الأسئلة”.
وتقول أروى إن محاولة إسكات الأمير ارتدت عكسا وجعلت منه -رغم أنه لم يكن معروفا كثيرا لدى الرأي العام- شخصية مشهورة بين الأردنيين الذين يريدون بقاء العائلة الهاشمية، لكنهم ساخطون منذ سنين بسبب سوء إدارة وفساد الملك وزوجته الملكة رانيا، بحسب الصحيفة.
ولكن الأزمة أدت لخروج السخط ضد رانيا إلى العلن، وهي معروفة في الغرب بزيّها وظهورها على برنامج أوبرا وينفري، ولكنها أصبحت غير شعبية بين الأردنيين الذي يكافحون لدفع فاتورة الكهرباء.
وعلقت بسمة مومني، الأستاذة بجامعة واترلو في كندا: “أي شخص يعرف في الأزياء يكتشف روعة الملابس التي ترتديها الملكة والأشياء الشيك التي تستخدمها”. ولكن في بلد لا يزيد معدل دخل الفرد فيه عن ألف دولار، فمن الصعب “هضم” هذا. ومنحت أزمة حمزة نقاد الملكة الفرصة للرد سريعا وتصويرها كشخصية ميكافيلية، وأنها كانت وراء عزل الأمير حمزة من ولاية العرش، وتعيين ابنها الأمير حسين ولياً لعهد والده الملك عبد الله الثاني.
ونقلت الكاتبة عن مسؤول في المنطقة، قوله إن الملكة دعمت تعيين حليف لها مديرا للأمن وأجهزة الاستخبارات، مما وسّع من تأثيرها على مؤسسات البلد. وتشير الكاتبة إلى الخلافات بين الملك وأخيه في طريقة السلوك والنظرة والنسب، فوالدة الملك هي الأمير منى التي ولدت باسم أنطوانيت غاردنر، ونشأت في تشيلموندستون، بمقاطعة سافوك، والتقت مع الملك حسين كما قيل أثناء عملها في تصوير فيلم “لورانس العرب”، وكانت زوجته الثانية.
أما والدة حمزة، فهي الملكة نور، الأمريكية المولد والمتخرجة من جامعة برنستون ولديها حساب على تويتر، ولهذا سارعت بتوجيه نقد مبطن لاعتقال ابنها.
وتحدثت الصحافية عن جاذبية حمزة النابعة من شبهه بوالده الملك حسين، فهو يحرص على تقليد صورة الملك الراحل بطريقة قص شاربه وارتداء الكوفية التقليدية، والتحدث بالعربية الفصحى، مما يذكّر الأردنيين بوالده. فكل أردني يحمل قصة عن الملك الراحل. وكما قال صحافي: “الناس يحنّون إليه، ولهذا يرون صفاته في الأمير حمزة”.
في المقابل، يُنظر للملك عبد الله على أنه بعيد عن الناس، ويركّز على العالم الخارجي، ولم تكن لغته العربية قوية عند توليه العرش، ولكنها تحسنت الآن. ويرى المحللون أن سبب استهداف الأمير حمزة جاء بسبب علاقاته مع قبائل شرق الأردن. ويقول دبلوماسي: “الناس يعانون، وهو (حمزة) جاء لزيارتهم، وكان معهم، ولا أعرف إن كانت هناك مؤامرة، ولكني أتخيل أن شعبيته بين العشائر أثارت شكوك الملك حول نواياه”.
ولكن الجيش والعشائر لا يزالون تحت قيادة الملك، ولو كانت هناك مؤامرة، فلم تكن مثيرة للإعجاب. وفي الوقت الحالي تم احتواء مخاطر تعرض البلد للاضطرابات، إذا افترضنا أن هناك خطراً. لكنّ الأردنيين يطالبون بأجوبة.
ونقلت كالاغان عن الصحافي والمعلق السياسي أسامة الشريف قوله: “أعتقد أن الأزمة الأخيرة خرجت عن السيطرة ولم تدر بشكل جيد، وهم يركزون على تقليل الأضرار” و”أعتقد أنه يجب أن يكون هناك تصحيح سياسي قريب، خلال أسابيع أو أشهر. يجب أن يحدث هذا، لأن الضغط من القاع سيتواصل”.
ولا يزال الأردنيون يدعمون العائلة المالكة، إلا أن الصدع هزّ استقرار النخبة الحاكمة. وقال المحلل السياسي عامر السبايلة: “لا أعتقد أن الناس في الأردن سيعارضون الهاشميين، ولكنّك لو قسّمت الهاشميين فتكون بذلك قد خرقت محرما”.