التايمز: لماذا نغلق أعيننا عن رعب غزة؟ ومتى سنصل إلى مرحلة نقول فيها لإسرائيل كفى لهذه الوحشية؟

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:

تساءل المعلق في صحيفة “التايمز” على غير عادة المعلقين والصحيفة المعروفة بتأييدها لإسرائيل عن فظائع غزة وقال في مقال “لماذا نغمض أعيننا عن رعب غزة؟”. وقال إننا وصلنا نقطة يجب أن يقول فيها حلفاء إسرائيل الغربيون “كفى لهذه الوحشية” ونحن نعني هذا الكلام.

 وتساءل قائلا: لماذا يشيح العالم بنظره بعيدا؟ هل لأننا نشعر بالملل، أم لأننا نخاف من النظر للدمار والمجاعة والدماء في غزة؟ هل تتجاوز هذه الأهوال حدود بريطانيا الحديثة ونحن نثرثر عن معاناة الأمير هاري أو فقدان مخصصات التدفئة، ونغرق في نصر عسكري لا يكاد أحد يتذكره اليوم؟ أي يوم النصر في أوروبا عام 1945.

وقال: “هذا العام هو 2025، ونحن نتحدث هناك مليونا شخص يواجهون الجوع على يد حليفتنا القريبة، إسرائيل. ونحن نتحدث، فإن الجحيم تمطر عليهم وهي تمطر الآن. وفي خلال أيام، قد ترتكب فظائع جديدة في هجوم جديد وعدت به إسرائيل. ومع ذلك، فقد اختفى هذا الجحيم الأرضي من عناويننا الرئيسية، ونواصل نحن البريطانيين توريد المعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية وأكثر، لماذا؟”.

 وقال إنه بات مألوفا في أي مقال يكتب وينشر عن غزة أن يتضمن فقرة شاجبة تشير إلى هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تبعه من قتل واختطاف. و”عليك أن تأخذ هذا على محمل الجد، لكنني سئمت من الكلام الفارغ”، يقول باريس.

ماذا عن 7 تشرين الأول/أكتوبر وماذا عن السودان، وماذا عن أوكرانيا… كما لو أن المزيد من الأهوال يمكن أن تخفف من وطأة رعب يحدق بنا.

كاتب بريطاني: المعتدي هو واحد من حلفائنا، وهي إسرائيل التي تقدم نفسها على أنها منارة للديمقراطية في الشرق الأوسط. دولة نتورط نحن البريطانيين تورطا عميقا في تأسيسها، تفعل هذا بالشعب الفلسطيني

وقال باريس صراحة إن المعتدي هنا هو واحد من حلفائنا، وهي إسرائيل التي تقدم نفسها على أنها منارة للديمقراطية في الشرق الأوسط. دولة نتورط نحن البريطانيين تورطا عميقا في تأسيسها، تفعل هذا بالشعب الفلسطيني. فنحن كما يقول نختبئ وراء أكتاف الولايات المتحدة ونتمتم بعبارات دبلوماسية مبتذلة حول ضرورة “ضبط النفس” و”سيادة القانون الدولي”، ونواصل تسليح إسرائيل بأعظم سلاح على الإطلاق: صمتنا.

وقال إن هناك شعبا كاملا بات عالقا وسط أنقاض ما كان يوما وطنا لهم ويلاحقه المرض والمجاعة والخراب.

وتم منع دخول الأدوية والطعام، وأي وحشية أخرى يجب ارتكابها قبل أن نقول نحن الغربيين حلفاء إسرائيل “كفى” ونعني ما نقول؟

حسنا، قد تقول، إننا لا نستطيع وقفها، هل هذا صحيح؟ ويجيب من كلام المسيح اليهودي: “لا بد أن تطال الإساءات والويل لمن كان وسيطا فيها، وإذا حجبنا أعيننا وتوقفنا عن التدخل، ألا يعني هذا نحن؟”.

وكيف سيشعر حلفاؤنا عندما يتعلم أطفال بريطانيا في المدارس يوما ما أن أبناء وطنهم، غضوا في زمنهم الطرف فيما كان الفلسطينيون يواجهون وابلا من الصواريخ والقنابل، وسقط عشرات الآلاف قتلى في الهجمات؟ وكيف سيشعرون أن هؤلاء المعذبين البائسين سيقوا كقطيع، يائسين ومرتبكين إلى زاوية تلو الأخرى؟ وكانوا يحرمون من الطعام والمساعدات الطبية، بينما كانت عناصر نافذة في الحكومة الائتلافية الإسرائيلية تلمح، في تصريحات مبطنة لـ “التهجير”، أي التطهير العرقي، بينما كان رئيس حليفتنا الأكبر يدلي بتصريحات متغطرسة حول تحويل غزة بأكملها إلى نوع من العقارات المطلة على البحر؟

ثم سيسأل الناس: ألم يكن في بريطانيا، أثناء الوحشية هذه حكومة وسطية ميالة لليسار، وألم يصر اليسار البريطاني على البعد الأخلاقي في السياسة الخارجية؟ لماذا سكتوا؟ ولماذا سكت المحافظون؟ ولماذا نواصل صمتنا ودعمنا الخفي ونعطي الغطاء لهذه المذبحة؟

وأشار الكاتب إلى فكرة تتعلق بالمصلحة وأن الكثير من اليهود لديهم اقتناع أن إسرائيل ظلت وحيدة في العالم، ولهذا يجب أن تدافع عن نفسها بنفسها، لأن أحدا لن يفعل هذا. ولكن هذا الكلام غير صحيح، لأن إسرائيل طوال وجودها تعتمد على الدعم والتعاطف الخارجي.

من السهل تبرير الدعم المادي وقياسه، لكن الدعم المعنوي هو ما يولد إمدادات الأسلحة والأموال والفيتو في مجلس الأمن الدولي

وقال إن من السهل تبرير الدعم المادي وقياسه، لكن الدعم المعنوي هو ما يولد إمدادات الأسلحة والأموال والفيتو في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.

ولماذا هذا الدعم المعنوي؟ بسبب الهولوكوست، الذي يجب أن يكون دائما، ماثلا في ضمير العالم الغربي. فقد كان الشعور بالذنب دافعا لتعاطف العالم الحر وإعجابه بمعركة إسرائيل من أجل البقاء والازدهار. وعليه فنتيجة الشعور بالذنب هي البراءة: البراءة الجوهرية لحلم شعب مظلوم بإقامة دولة إسرائيل، إنهم الأخيار، أليس كذلك؟

وذكر باريس أنه كان طالبا يعمل في برنامج بكيبوتس إسرائيلي وفرح عندما انتصر الإسرائيليون في حرب الأيام الستة ضد العرب المعتدين. و”سأقول هذا بصراحة: لقد كان عار التاريخ وندم الغرب موردا خفيا هائلا لدولة صغيرة شجاعة ومتفوقة عددا. لقد كان الشعور بالضحية سلاحا هائلا في ترسانة إسرائيل”.

و”بينما أكتب هذه الكلمات، ينضب هذا المورد. فمن الممكن، بل من المرجح أن تبرز إسرائيل دولة أكبر وأقوى من ذي قبل. ومن الممكن ألا يوقف أي شيء السعي وراء إسرائيل الكبرى، بضم الضفة الغربية بعد غزة، حيث يستمر ترسيخ الاستيلاء على الأراضي من قبل المستوطنين تدريجيا وبدون توقف وبموافقة ضمنية من الحكومة”. ويرى أن هذه هي الصورة الحقيقية التي كانت دائما حاضرة للكثير من الإسرائيليين، ولم تكن غزة إلا عرضا جانبيا. فهذه اللطخة الأخلاقية تنساب بشكل يكاد يكون غير مرئي، عبر السياسات المدنية والعسكرية، إلى أن يستيقظ الإسرائيليون يوما ما ليجدوا أنفسهم ضمن عشرات الدول الشرق أوسطية البغيضة: مثل جيرانهم، مجرد نظام آخر بغيض نوعا ما.

وقد كتب الشاعر روبرت براوننغ: “لن يشرق صباح سعيد وواثق مرة أخرى!”، و”سأكون بسيطا في كلامي وأقول: هناك ثمن لفقدان البراءة، ثمن ينبغي أن يقلق شعبا قد يحتاج يوما ما إلى طلب النوايا الحسنة من الخارج”.

وتساءل قائلا: “هل عرضت صورة مفرطة عن اليقين الأخلاقي، تبدو فيها الحقائق أكثر ضبابية؟ ربما. فقد تحدثت عن “حكومة” إسرائيل كما لو أن الائتلاف ليس تشكيلة مضطربة من أحزاب وأشخاص مختلفين، غالبا ما تكون أهدافهم متناقضة بشكل صارخ. ولم أُشر إلى أن الرد على فظاعة 7 تشرين الأول/أكتوبر كان يمكن أن يحدث بطريقةٍ أخرى غير الهجوم المضاد، أو رد يتم فيه تجاوز خط التناسب. ولكن مهما طمسنا الصورة، فإننا إذا أغفلنا من خلال هذا التشويش خطأ فادحا وكارثيا، فإننا نحاول تجاهل الفروق الدقيقة”.

وقال: “أعلم جيدا أن بريطانيا لن تغير شيئا من مستقبل غزة الكئيب. أنا، مثلك ربما، غير متأكد كيف سيكون المستقبل أفضل. ربما، لا بد أن تأتي الشرور. ولكن هل يجب علينا، برضانا أو غفلتنا، أن نحسب من بين أولئك الذين تأتيهم؟ مهما يكن، علينا أولا أن نصرخ: “كفى!”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية