نواكشوط ـ «القدس العربي»:شهدت التجارة البينية داخل القارة الأفريقية قفزة ملموسة خلال عام 2024، إذ بلغت قيمتها 208 مليارات دولار، مسجِلةً نمواً بنسبة 7.7 في المئة مقارنة بسنة 2023. ذلك ما أكده تقرير صدر مؤخرا عن البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، تحت عنوان «الآفاق التجارية والاقتصادية لأفريقيا 2025: الصمود الأفريقي في ظل نظام عالمي متغير».
وأعاد تحليل معمق تضمنه التقرير هذا النمو إلى مواصلة تنفيذ البرامج والآليات الخاصة بمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وهي مبادرة استراتيجية أقرها الاتحاد الأفريقي من أجل تعزيز التكامل الإقليمي وتقليل اعتماد القارة على الأسواق الخارجية من خلال تنويع الصادرات والوجهات التجارية داخل القارة.
لكن، وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التقرير ينبه إلى وجود تفاوتات صارخة بين الأقاليم الأفريقية من حيث حجم التجارة البينية؛ فقد جاءت أفريقيا الجنوبية في الصدارة بـ58.1 مليار دولار من المبادلات التجارية مع بقية الأقاليم، تلتها أفريقيا الغربية بـ52.8 مليار، ثم أفريقيا الشرقية بـ46.8 مليار، فأفريقيا الشمالية بـ31 مليار، وأخيراً أفريقيا الوسطى بـ19.4 مليار دولار فقط، مما يعكس ضعف الاندماج التجاري في بعض المناطق.
وتبرز، من خلال المقارنات التي تضمنها التقرير، ثلاث دول تعتبر المحركات الأساسية للتجارة داخل أفريقيا، وهي جنوب أفريقيا بنسبة تمثل 25 في المئة من مجمل الصادرات البينية الأفريقية، ثم مصر ونيجيريا كقوتين اقتصاديتين رئيسيتين تسهمان بشكل معتبر في المبادلات البينية.
أما على مستوى المبادلات التجارية العامة (البينية والخارجية)، فقد بلغت قيمتها الإجمالية في سنة 2024، حوالي 1401 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 5.8 في المئة عن العام السابق.
وعلى الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي في الشركاء التجاريين الرئيسيين لأفريقيا، خاصة الصين وأوروبا بسبب الصراعات الجيوسياسية كالحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط، فإن صادرات السلع الأفريقية ارتفعت بنسبة 9.8 في المئة لتصل إلى 682 مليار دولار، في حين ارتفعت الواردات بنسبة 2.4 في المئة لتبلغ 719 مليار دولار، ما أدى إلى تقليص العجز التجاري للقارة إلى 37 مليار دولار مقارنة بالعجز البالغ 80 ملياراً والذي تم تسجيله سنة 2023.
ومن أبرز العوامل التي ساهمت في زيادة الصادرات الأفريقية هو الاستقرار النسبي في أسعار المواد الأولية، التي لم تتجاوز تقلباتها 2 في المئة خلال الفصول الأربعة لسنة 2024، ما وفر بيئة أكثر استقراراً لتخطيط الصادرات.
ورغم هذه النتائج المشجعة، فقد حذر التقرير من أن أفريقيا لا تزال معرضة بشدة للتقلبات في الأسواق العالمية والصدمات الخارجية، ما يبرز الحاجة الملحة إلى تسريع عملية التصنيع المحلي، وتعزيز إنتاج السلع ذات القيمة المضافة، إضافة لتنويع الاقتصادات الوطنية من أجل تقوية المرونة الاقتصادية والتجارية للقارة، وفتح آفاق جديدة للنمو المستدام.
وتوقف التقرير أمام تحديد الشركاء التجاريين الرئيسيين للقارة ليؤكد «أن الاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك التجاري الأول لأفريقيا، حيث يستحوذ على 31 في المئة من الصادرات الأفريقية وعلى 29 في المئة من وارداتها، يليه الصين بـ 18.3 في المئة من الواردات و12.6 في المئة من الصادرات».
وتوصل التقرير في استخلاصاته إلى إن أرقام 2024 تعكس بداية ملموسة لما كانت تطمح إليه الاتفاقية التجارية القارية الأفريقية، إذ باتت القارة تسلك مساراً أكثر استقلالية في مبادلاتها التجارية.
غير أن التقرير أشار إلى أن تحقيق تكامل اقتصادي فعلي يتطلب التغلب على عدة تحديات، من أبرزها ضعف البنية التحتية للنقل واللوجستيات في بعض المناطق، والعوائق الجمركية وغير الجمركية التي لا تزال تعيق حرية تنقل البضائع، والافتقار إلى التصنيع المحلي القادر على الاستجابة للطلب الداخلي بدلاً من الاعتماد المفرط على الاستيراد.
وبهذه الاستخلاصات يكون تقرير البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد قد بعث برسالة واضحة مفادها أن أفريقيا قادرة على الصمود والنمو في ظل المتغيرات العالمية، لكنها بحاجة لتسريع الإصلاحات الهيكلية وتحقيق مزيد من التكامل الإقليمي الشامل.