علي اسرائيل الحفاظ علي قوتها وتقليص نزاعاتها عن طريق تسويات سياسية
التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية تبشر بالسوء، ليس فقط لمنطقة شمال آسيا، فسلاح نووي لدي كوريا الشمالية ليس أمرا داخليا لهذه الدولة فقط، بل وليس للمنطقة المحيطة بها وحدها، لان هذه المسألة قد تكون لها أبعاد وتأثيرات خطيرة وفورية علي اسرائيل. فهو يوجب بذل جهود اضافية لتوطيد التنسيق الاسرائيلي مع الجهات الدولية، ومع واشنطن ومع الدول المعتدلة في المنطقة.
ان الحرب الكورية، في الثلث الاول من سنوات الخمسين، كانت هي الحرب الاولي والأكثر عنفا في فترة العداء الامريكي ـ السوفييتي. ونزع السلاح الذي أعلن عنه لدي انتهاء تلك الحرب لم يؤد الي السلام أو الي اعادة الوحدة بين الدولتين الكوريتين كما كانت من قبل. فالنظام الشمالي أصبح أكثر تطرفا وانحصارا، ودخل الي نفسه وانحصر دون انفراج مع غيره، مفضلا الفقر والفاقة بدلا من الانفتاح علي الغرب، وكذلك الأمر بالنسبة للانظمة التي أيدتها، مثل الصين، وروسيا، التي لم تكن أكثر من أدوات ضغط بسيطة حاولت تخفيف حدة مواقفها فقط. وفي الوقت الذي تشهد فيه كوريا الجنوبية انفتاحا وتطورا وازدهارا، بقي الشمال مجرد جزيرة من الضائقة الاقتصادية والاجتماعية، ولكن من خلال إصرار علي التوصل الي صنع الاسلحة المتطورة جدا، وخصوصا صواريخ ارض ـ ارض ورؤوس حربية نووية. وهذا الاصرار كان يقلق دائما حكومات سيؤول وطوكيو بالاعتماد في علاقتهما الأمنية مع واشنطن والامتناع عن تحقيق قدرات ذاتية في هذه المجالات ودون الدخول في عملية تطوير اسلحة نووية خاصة بهما من اجل ردع حكومة بيونغ يانغ.
منذ منتصف العقد الماضي انتقلت كوريا الشمالية من سياسة الردع والتخويف من الدخول في مواجهات نووية الي التلميحات الشفافة بذلك، بل بدت في بعض الأحيان علي صورة تحديات وتحرش وكأنها باتت تملك السلاح النووي والقدرة العسكرية النووية.
وهذه المسألة فُسرت في حينه علي أنها مناورة محكمة وجيدة، هدفها اقناع الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية ودول اخري بقبول فكرة امتلاك كوريا الشمالية القدرة النووية وبذلك الرضوخ الي الدخول في مفاوضات حول تقديم مساعدات اقتصادية مقابل المهادنة والتروي الكوري الشمالي. والي حد ما، فان هذا الاسلوب لاقي نجاحا معينا: الامريكيون توجهوا الي غزو العراق، وذلك بهدف منعه من الوصول الي انجاز نووي، ولكن لم يتوجهوا الي نظيرته في محور الشر، الذي أعلن عنه الرئيس بوش، كوريا الشمالية، وغزوها.
في هذه التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية هذا الاسبوع، تكون قد خطت خطوة جديدة الي الأمام، خطوة بعيدة وخطيرة للغاية، فالتهديد الفوري، بحق، هو الموجه الي كوريا الجنوبية واليابان، وهو الأمر الذي يتطلب جهدا امريكيا كبيرا لمحاصرته والوقوف بوجه المزيد من التوصل الي امتلاك قدرات نووية في المنطقة كرد علي ذلك، وبناء علي ذلك، فان المعني الضمني هو المحاولة الجادة لمنع المزيد من امتلاك القدرات النووية في كل أرجاء العالم. فاذا امتلكت كل من اليابان وكوريا الجنوبية قدرات نووية، فان استراليا لن تظل، بدورها، خارج هذا السياق. واذا كانت كوريا الشمالية تستطيع تحدي أي نظام والبقاء دون نيل أي عقوبة علي هذا العمل، فلا يمكن الاعتقاد بأن الدولة الثالثة في محور الشر (ايران) سوف تخاف وترتدع وتوقف نشاطاتها الجادة في تطوير القدرة النووية، بل انها قد تسعي الي تحفيز مساعيها والعمل بجدية أكثر من اجل ذلك بما فيها امكانية ارتباطها بحلف، باعتبارها واحدة من أهم الدول التي تزودها بالصواريخ، وأن يكون ذلك تحالفا استراتيجيا يشمل بيعها سلاحا نوويا من مخزونها. إن سلاحا نوويا ايرانيا يعتبر تهديدا مباشرا علي اسرائيل وعلي السعودية والدول الخليجية، بل ان ذلك سيكون حافزا لمصر وتركيا لامتلاك هذه القدرة النووية.
إن تفسير التجربة النووية الكورية الشمالية هو فشل للدبلوماسية، وخوف من اندلاع ازمات قد تنذر بالحروب. وهذا تذكير لاسرائيل بخصوص الأفضليات الصحيحة عندها: قبل كل شيء، ضمان وجودها، بواسطة الحفاظ علي قوتها، وتقليص نزاعاتها عن طريق تسويات سياسية وارتباطها بتحالفات مع دول عظمي عالمية في المنطقة.
أسرة التحرير(هآرتس) 10/10/2006