دمشق – «القدس العربي»: توضح النتائج الأولية للمعارك الطاحنة شمال غربي سوريا، والإنجاز الميداني لفصائل المعارضة حجم التنسيق العالي المستوى بين التشكيلات المنتشرة هناك على مختلف تياراتها «القاعدية والإسلامية والمعتدلة» ما مكنها من استرجاع 34 كم مربعاً من المناطق التي خسرتها، بالرغم من التغطية النارية الكثيفة على المحاور القتالية المتعددة والتحالف البري والجوي لقوات النظام السوري وسلاح الجو الروسي، ما قدم قوساً دفاعياً متيناً، امتد من بلدة كفرنبودة الاستراتيجية مروراً بقلعة المضيق، ووصولاً إلى قرية الكركات بجبل شحشبو غربي حماة.
ووفق خريطة أصدرها مركز جسور للدراسات يتضح تراجع المساحة التي سيطرت عليها قوات النظام، من 87 كم مربّعاً إلى 53 كم مربّعاً، وذلك بعد ان استعادت فصائل المعارضة السورية السيطرة عليها في المنطقة العازلة الواقعة ضمن منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب ومحيطها.
نبذ الأجندات
ومن الملاحظ، حسب ما يقول الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي لـ «القدس العربي»، القدرة العالية للفصائل في احتواء أكبر هجوم عسكري على الشمال السوري منذ وقف العمليات القتالية الواسعة في نهاية العام الماضي، حيث كان لافتاً استخدام الأسلحة المضادة للدروع بكثافة عالية وهو عامل مهم ساهم في قلب ميزان المعركة، إلى جانب مشاركة فصائل من الجيش الوطني السوري للمرّة الأولى منذ سنوات في الدفاع والهجوم بعد إرسال تعزيزات من ريف حلب باتجاه ريفي إدلب وحماة، دون أن يحصل اعتراض من قبل هيئة تحرير الشام والتي بدورها زجّت بقوتها العسكرية بشكل ملحوظ في الهجوم الأخير.
استرجع أكثر من ثلث المساحة التي سيطر عليها النظام أخيراً
وحول التنسيق العالي المستوى بين الفصائل على مختلف تياراتها «القاعدية والمعتدلة» في ادلب، وتحقيق انجاز يحسب لها بعدما استرجعت عشرات الكيلو مترات، يبقى السؤال الأكثر مشروعية، هل أضر هذا التحالف بالسوريين في إدلب أم هو لصالحهم كونه لزاماً على الفصائل المتواجدة هناك في معركة الحصن الأخير.
ويجمع مراقبون وخبراء عرب وسوريون على ان التحالف بين هذه الفصائل على اختلاف توجهاتها الآيديولوجية، ضروري للدفاع عن الأمتار الأخيرة المتبقية من سوريا، فهي كانت تقاتل صفاً واحداً كلما دعت الحاجة، بحكم مواجهة عدو مشترك، بعد نبذ الأجندات الدولية والإقليمية، فهي مضطرة لذلك دون ان تلتفت إلى المجتمع الدولي، لان ميزان القوة هو من يفرض نفسه، فالمجتمع الدولي لم يتحرك ازاء ما يجري في ادلب ولم يتحرك سابقاً في المناطق الجنوبية من سوريا والتي كانت خالية من داعش ولا النصرة.
الباحث السياسي ابراهيم العلبي، يقول من وجهة نظره ان الإنجاز الميداني الحاصل في ريف حماة من قبل الفصائل كان لافتاً ويمكن أن يقرأ على انه منعطف على الرغم من ضآلة حجمه كونه قد جاء عكس التيار العام الذي كان يسير لصالح النظام، وحلفائه منذ سقوط حلب. مضيفاً لـ «القدس العربي»، أنه بكل تأكيد تحالف الفصائل في الهجوم المعاكس في كفرنبودة أدى لنتيجة إيجابية ملموسة وبالتالي هو مفيد رغم كل ما يمكن أن يقال بشأن هيئة تحرير الشام، لكن العبرة حسب العلبي، تكمن دوماً في النتيجة النهائية وليس في النتيجة التكتيكية، بمعنى، أن القدرة على الاستمرار في الإمساك بالأرض ومواصلة التقدم حتى لا تبقى الفصائل في موقف الدفاع الضعيف، مرتبط بسلسلة من الأسباب بينها بدون شك حل معضلة هيئة تحرير الشام وإجبارها على الذوبان في فصائل الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الحر وإلا ستبقى سيفاً مسلطاً على رقابهم بفعل آيديولوجيتها العدمية وآفاقها الضيقة وكذلك بوصفها ذريعة مفضلة من قبل الروس والإيرانيين للاستمرار في حشد الحشود وقصف المدنيين وشن الهجمات على المنطقة.
تحالف ضروري
وقرأ المعارض والخبير السياسي سمير نشار التحالف بين تيارات المعارضة بالتحالف «الضروري» للدفاع عن الوجود والبقاء بالنسبة لكافة الفصائل على اختلاف انتماءاتهم وولائهم، مضيفاً لـ «القدس العربي» بأن هذا التحالف، مع الفصائل المتطرفة من هيئة تحرير الشام إلى التركستان او حراس الدين، لا شك مؤذٍ لصورة الفصائل المعارضة، امام المجتمع الدولي ولكن فصائل جبهة التحرير الوطنية او الجيش الوطني معروفة أيضاً بارتباطها بتـركيا.
الصورة العامة للفصائل حسب المعارض السوري، لم تعد مقنعة لأحد من الجهات الإقليمية والدولية لأنها لم تعد صاحبة قرار مستقل إذ تخضع للتوجهات التركية، ورغم كل ذلك، يجد المتحدث ان قتال قوات النظام مع الدعم الجوي الروسي وإيقاع اكبر الخسائر البشرية والمادية بهم هو «عنصر إيجابي وعمل مهم في المحصلة» عازياً السبب إلى احباطه مخطط النظام وروسيا وايران في اعادة احتلال محافظة ادلب، خاصة بوجود ثلاثة ملايين مدني من كافة المحافظات السورية.
وعموما ان أي خسارة للنظام السوري وداعميه، حسب ما يراه المعارض السوري، هي نتيجة إيجابية وتلقى دعماً مطلقاً من السوريين وبغض النظر عن التفاصيل التي تحيط بعمل الفصائل وتحالفاتها، وتمنع روسيا وايران والنظام من تحقيق انتصار مزعوم لتحقيق اهدافهم وعدم تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالحل السياسي من خلال محاولة اعادة احتلال محافظة ادلب.
الخبير في الحركات الإسلامية والتنظيمات الجهادية حسن أبو هنية، عبر عن اعتقاده بأن التحالف والتنسيق بين فصائل المعارضة كان متوقعاً، وهي سمة معروفة على مدار الثورة السورية منذ انطلاقها، مشيراً لـ»القدس العربي» إلى ان الفصائل دائما عندما كانت تدخل في صدامات داخلية، كان ذلك استجابة لمتطلبات اقليمية او دولية، وبالتالي فإن ديناميكية الصراعات داخل فصائل الثورة سواء كانت معتدلة او اسلامية او راديكالية – جهادية، كانت تتم دائماً بأجندة خارجية، وليست نابعة من خلافات».
الملاذ الأخير
وفي النهاية هذه الفصائل على اختلاف توجهاتها الآيديولوجية او حتى المناطقية، كانت حسب متابعة الخبير في هذا الملف، «تقاتل جنباً إلى جنب، بحكم مواجهة عدو مشترك وتلازم الجبهات، وهو ما يحصل اليوم في منطقة إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية، اذ انه الملاذ الاخير لفصائل المعارضة المسلحة وهي مضطرة ويجب عليها ان تتعاون بطريقة او بأخرى».
والمجتمع الدولي، وان كان لا يأبه بتحالف فصائل المعارضة، من فصائل الجبهة الوطنية او التحرير او غيرها مع هيئة تحرير الشام المصنفة على قائمة الإرهاب، لأن ميزان القوة هو من يفرض نفسه، فالمجتمع الدولي لم يتحرك ولم يفعل شيئاً إزاء ما يجري في ادلب ولم يتحرك سابقاً حيال الجبهة الجنوبية التي كانت تدار من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وحلفائها في غرفة الموك، ولم يكن هناك لا داعش ولا النصرة، وكذلك في ارياف دمشق، حيث اعرب أبو هنية عن ثقته بوجوب «عدم الالتفات إلى ما يقوله المجتمع الدولي كونه حقيقة لا يريد حلاً»، مضيفاً «المجتمع الدولي منافق ولا يعترف الا بلغة القوة ونرجو ان يكون درساً للفصائل لمحاولة الدفاع عن الامتار الاخيرة، العشرة في المئة الاخيرة من سوريا، وتضم 4 ملايين شخص، وبالتالي فهي الملاذ الاخير ان تم القضاء عليه سنعود إلى مرحلة ما قبل الصفر».
وقال الخبير في الحركات الإسلامية والجهادية، ان ثلاثي «أستانة» برعاية «روسيا وتركيا وايران» معطل، كما هو حال ومسار العملية السياسية، ومسار جنيف، وعندما كانت روسيا وحلفاؤها من النظام وايران يفرضون وقائع جديدة، كان المجتمع الدولي يبارك مثل هذه الخطوات دون إظهار الضرر.
وفي رأيه فإن هذه الفصائل اذا اعتمدت ذاتياً على نفسها دون الاستجابة إلى مطالب الإقليمية والدولية، فهي ممكن ان تحقق تقدم على الصعيد الملف العسكري وحتى السياسي ايضا، لكن المشكلة حسب ما يقول انه «كلما ذهبوا إلى اجتماع سياسي توضع ملفات محاربة الارهاب على رأس القائمة، وكأن المطلوب من فصائل المعارضة التي ابتليت بنظام قاتل وكذلك احتلال وجرائم روسية وايرانية، عليها ان تستجيب ايضا لمتطلبات قاتليها».
وأكد الخبير فك ارتباط هيئة تحرير الشام فعلياً عن تنظيم القاعدة «فهي لم تتبن أي عمل خارجي على الإطلاق ودخلت في صدامات مع التنظيمات القاعدية وتحاول ان تتكيف مع الشأن المحلي، ومع ذلك فإن هذا العمل لم يجدي نفعاً» متسائلاً عما هو المطلوب أكثر من ذلك؟ وانتهى إلى القول بأن هذه الفصائل، دائماً عندما كانت تنسق بكل التواريخ كانت تحقق تقدماً، أما عندما كانت تتدخل القوى الدولية والإقليمية، تحت ذرائع مكافحة الارهاب او غيرها فإن الامر ينتهي بفشل الفصائل.