التحام الدولة بـ”حزب الله” يرفع مخاطر الاستهداف الواسع للبنان

رلى موفّق
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:  الضربات الإسرائيلية في سوريا والعراق ولبنان مترابطة الهدف، والجهة المستهدفة واحدة في مشروعها السياسي وقراراتها وغرفة عملياتها المركزية. إيران وأذرعها العسكرية المنتشرة والمؤثرة في هذه الساحات وفي الساحة اليمنية وغيرها أمام مفصل دقيق سيرسم معالم مستقبلها ونفوذها في المنطقة وفي أماكن تمددها، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية. الحرب الدائرة بين إيران وأمريكا على أشدها. إدارة دونالد ترامب تذهب إلى استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية كسلاح فعَّال وفتَّاك دون إطلاق رصاصة، وطهران لا ترى في سُبل الرد سوى تحريك أذرعها العسكرية.

في الكباش الدائر، يؤكد الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله دوماً على وحدة الجبهات، وأنه إذا شُنَّت الحرب الأمريكية على إيران، فإن إسرائيل ستكون في مرمى الاستهداف حتى لو عملت على تحييد نفسها. إسرائيل هي مفتاح البيت الأمريكي. وكما يُشكَّل الجنوب اللبناني جبهة جاهزة للاشتعال رغم تدويل جنوب الليطاني، فإن السعي متواصل من قبل “حزب الله” لاستنساخ التجربة ذاتها في الجولان في الجنوب السوري، وللتزوّد بأسلحة صاروخية متطوِّرة كاسرة للتوازن، سواء في الأراضي اللبنانية أو الأراضي السورية. والأهم العمل على تطوير سلاح “الدرون” الذي دخل إلى المعادلة العسكرية بقوة، بحيث تُشكِّل حرب التحالف مع الحوثيين في اليمن مسرح اختبار لقدرة الطائرات من دون طيار وللصواريخ البالستية التي تستهدف المملكة العربية السعودية.

في القمة الثلاثية لمستشاري الأمن القومي الأمريكي والروسي والإسرائيلي التي عُقدت في يونيو/حزيران الماضي في القدس المحتلة، تحدَّث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن أن إسرائيل تحركت مئات المرات من أجل حرمان إيران من التموضع عسكرياً في سوريا، ومنعها من تزويد “حزب الله” بأسلحة متطورة أكثر وأكثر، ومِن فتح جبهة أخرى في الجولان، واستخدام أراضي الدول المجاورة كمنصات لشن اعتداءات عليها.

ولا يُخفي محللون لصيقون بـ”حزب الله” أن إسرائيل كانت تضرب في سوريا حين تُخرق قواعد الاشتباك، وإلا كيف يَأتمِن “حزب الله” على الانتشار العسكري في سوريا المكشوف بشكل كلي، لولا أن ثمة تفاهمات ضامنة هنا وهناك، حتى أنه حين يتم توجيه ضربات جوية لمخازن وناقلات أسلحة وما شابه، يتم إرسال تحذير أولاً لإخلاء العناصر. هذا في وقت يعتبر متابعون أمريكيون للأوضاع في المنطقة أن الضربات الإسرائيلية هي جزء من التفاهم الأمريكي – الإسرائيلي – الروسي الأخير، وهي تالياً مغطاة دولياً لجهة أنها تأتي في سياق حماية أمن إسرائيل من التهديدات الصاروخية من الجماعات المسلحة في دول الجوار التي تُقلق تل أبيب.

ففي زيارة نتنياهو إلى سلطنة عُمان، كان ملف الصواريخ الدقيقة هو المحور الرئيسي. يومها اعتبر نتنياهو أن الملف النووي الإيراني هو من مسؤولية الولايات المتحدة، وأن ما يهمه هو صواريخ “حزب الله” الموجهة إلى إسرائيل. سلاح “الدرون” أصبح تحدِّياً آخر بعد النتائج التي يُحققها في الحرب بين الحوثيين والسعودية. فالاستهداف لعناصر من “الحزب” في عقربا السورية يتعلق بهذا الملف، والمعلومات المتوافرة حول اختراق الضاحية الجنوبية لبيروت تشي بأن الهدف يرتبط بتدمير أجهزة تقنية، تذهب التكهنات إلى أن لها وظيفة ضمن منظومة الطائرات المُسيَّرة.

تكمن المعضلة في لبنان، أن هناك تماهياً غير مسبوق بين الدولة و”حزب الله”. هو تماهٍ إلى حد الالتحام والالتصاق. تقف الدولة وراء “حزب الله” وتؤمِّن له الغطاء السياسي للرد. أمين عام “حزب الله” الذي وصف ما جرى من استهداف لعناصره في سوريا وفي الضاحية الجنوبية بأنه أمر خطير، جزم بأن الرد آتٍ. والخطورة بالنسبة له، أنه جرى كسر قواعد الاشتباك، وعدم الردّ يعني تمادي إسرائيل. هذا الموقف أدخل لبنان الرسمي والشعبي في حال من الانتظار القاتل والمخاوف من انزلاق نحو حرب مدمرة.

ما يزيد من المخاوف تبدُّل الظروف بين 2006 و2019. في حرب تموز 2006، كان لبنان منقسماً بين فريقي “8 آذار” و”14 آذار”. صحيح أن قرار السلم والحرب كان بيد نصرالله، لكن القوى الأخرى كانت تُشكِّل نوعاً من التوازن، نظراً إلى موقعها المناهض لمحور إيران، وانفتاحها على الغرب. وكانت حكومة فؤاد السنيورة يومها تتعامل برؤية الفصل بين الدولة و”الحزب”. الصورة راهناً مختلفة، حتى أن رئيس الحكومة سعد الحريري لم يُظهر تمايزاً أو انحيازاً للدولة يمكن من خلاله تجيير علاقاته مع العرب والغرب في خدمة حماية لبنان، في وقت يتم اعتبار أن رئيس الجمهورية ميشال عون يدور استراتيجياً في الفلك الإيراني، ويُعاني إلى حد كبير عزلتين عربية ودولية.

من الطبيعي أن يقف لبنان الرسمي والشعبي ضد أي اعتداء إسرائيلي، ولكن من واجب لبنان أن يحرص بمؤسساته السياسية والعسكرية على احترام القرارات الدولية التي تُشكِّل مظلة حماية له، ومن ضمنها القرار 1701 الذي أَوقف الحرب الإسرائيلية وزاد من عديد القوة الدولية وأَمَّن انتشار الجيش اللبناني في جنوب الليطاني، وأَكَّد على بسط سيادته على كل الأراضي اللبنانية.

الصورة اليوم مختلفة، فموازين القوى مختلَّة في لبنان. “حزب الله” لا يُمسك بقرار السلم والحرب الخارج عن نطاق الدولة فحسب، بل هو حاصل على تغطية سياسية شبه كاملة بفعل تأثيره الواسع على الغالبية السياسية حكومياً وبرلمانياً. ثمَّة أصوات قليلة ارتفعت لتقول أن حماية لبنان مسؤولية الدولة فقط، ولكن هذه الأصوات لم تعد مؤثرة في المعادلة اللبنانية، ما دامت لا تُعبِّر عن ثقل سياسي في إطار التسوية المرتكزة على أضلع ثلاثة هي: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة و”الثنائي الشيعي” المؤلَّف من “حزب الله” وحركة أمل التي يحتل زعيمها نبيه بري موقع رئاسة السلطة التشريعية في البلاد.

ما هو أكيد، أن لبنان يمرّ راهناً بأدق مرحلة من تاريخه السياسي، وسط خواء فاضح على مستوى قياداته السياسية، ووسط اهتزاز في قناعات بعض مكوناته حول طبيعة الحكم والدستور و”اتفاق الطائف” ومفهوم العيش المشترك، ورغبة هؤلاء في الالتحاق بمشروع “تحالف الأقليات” في وجه مفهوم الانتماء العربي والحاضنة العربية.

والمُقلق أن التحوّلات الكبرى تحصل، بينما مخاطر الإفلاس تُحيق بلبنان الغارق في أزمة اقتصادية خانقة والواقع تحت سيف العقوبات الأمريكية التي أَدرجت بالأمس القريب أحد البنوك اللبنانية، “جمَّال ترست بنك”، على لائحة العقوبات، والذي ضرب بعمق البيئة الشيعية كون أن هذا المصرف يمتلكه رجل أعمال شيعي وغالبية مُوْدِعيه هُم من هذه البيئة، فيما يجري الحديث بقوة بأن الدفعة الثانية من العقوبات سوف تطال حلفاء “حزب الله” من بيئات مختلفة، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من إرباك الساحة الداخلية شعبياً وسياسياً، ذلك أن دوائر القرار الرسمي تبدو في حالة من الغيبوبة رغم تبلُّغها أن الرهان على مقولة “الرد المدروس” محفوف بكثير من المجازفة ويمكن أن يؤدي إلى انفلات الأمور في لحظة احتدام المواجهة في المنطقة وفي الحسابات الإسرائيلية على أبواب الانتخابات!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية