وظيفة رئيس الأركان
حسب القانون، فإن رئيس الأركان هو المستوى القيادي الأعلى في الجيش الإسرائيلي، يخضع لإمرة الحكومة ويتبع لوزير الدفاع. ولكن هذا التعريف الموجز والغامض لا يعكس الحجم الهائل للوظيفة وتعقيداتها. فرئيس الأركان الإسرائيلي هو شخصية وطنية ذات وظيفة مميزة، ومشكوك في أن يكون له مواز في دول أخرى. يتميز المنصب برؤية استراتيجية واسعة ـ إقليمية وعالمية ـ لساحة الحرب، وكذا لرؤية عملية، فوق الذراعية، للساحات المختلفة. ومعانيه في الأساس هي استخدام الجيش في مواجهة تحديات فترة ولايته وبناء القوة العسكرية لضمان جاهزية الجيش الإسرائيلي وملاءمته لتحديات المستقبل. كل هذا، في ظل إدارة النزاعات الكبرى التي ينطوي عليها ذلك والحفاظ على ثقة الجمهور في الجيش الإسرائيلي.
ينبغي أن يضاف إلى التعقيدات الأساسية لمنصب رئيس الأركان مزايا السياسة والمجتمع في إسرائيل في الوقت الحالي، قبيل الانتخابات القادمة التي ستعقد في نيسان 2019. فالواقع السياسي لفترة الانتخابات من شأنه أن يمس أكثر بكثير بشرعية قرارات القيادة السياسية في مواضيع الأمن في أوساط قسم من الجمهور، وأن يحمل على القيادة العسكرية، ولا سيما على رئيس الأركان، مسؤولية زائدة في تحليل موضوعي ومهني للوضع. وذلك سواء حيال القيادة السياسية نفسها أم حيال الجمهور. ومن شأن الاستقطاب السياسي في إسرائيل أن يصعد الجدال الجماهيري حول السياسة التي ينبغي اتخاذها بالنسبة للتحديات الأمنية والتسبب بالتشكيك في الدوافع التي في أساس القرارات السياسية ـ الأمنية.
تحديات الفترة
مواجهة التهديد الإيراني ــــ النووي والتقليدي
في السنوات الأخيرة يتصمم في إسرائيل المفهوم الذين تشكل إيران بموجبه التهديد الأهم على أمن إسرائيل. حتى السنة الأخيرة امتنعت إسرائيل عن العمل مباشرة تجاه إيران، ولكنها عملت ضدها بشكل سري وأعدت خياراً هجومياً تجاه البرنامج النووي الإيراني.
وحرك انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار 2018 موجات صدى من شأنها أن تؤدي إلى تغيير في سياسة إيران في كل ما يتعلق ببرنامجها النووي. وبالتالي فهي تستوجب عودة إلى بحث مبدئي حول غاية الخيار العسكري والسبيل السليم لتحقيقه.
في السياق التقليدي، تبدأ ولاية رئيس الأركان الوافد، فيما أن إسرائيل وإيران توجدان، لأول مرة، في مواجهة مباشرة تضمنت أيضاً مصابين إيرانيين في ساحة ثالثة ـ سوريا. وضع الأمور هذا يستدعي بلورة استراتيجية عمل توضح الخطوط الحمراء لإسرائيل وتصر عليها، دون الوصول إلى مواجهة واسعة في الساحة الشمالية.
يمكن للمواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران أن تؤدي أيضاً إلى استخدام القوة الإيرانية، من أراضيها، ضد إسرائيل. بين إسرائيل وإيران وضع من عدم التماثل في قدرة العمل. فقد بنت إيران قدرة صاروخية هامة تسمح لها بأن تضرب إسرائيل سواء من محيط إسرائيل أم من أراضيها. أما حملة هجومية إسرائيلية في إيران، بالمقابل، فهي عملية مركبة وكثيرة المخاطر.
لقد كانت لاستراتيجية الحرب ما بين الحروب التي تنفذها إسرائيل بنجاح في الساحة الشمالية منذ العام 2013 إنجازات هامة، سواء في تأخير التموضع الإيراني في سوريا أم في تقليص نقل الوسائل القتالية إلى حزب الله. ومع ذلك، ومع مرور ست سنوات، يجدر البحث أيضاً في إمكانية أن تكون جملة من العناصر تستدعي اعتبار صيغة العمل هذه في الساحة الشمالية قد وصلت إلى نقطة الذروة في النجاح وباتت تواجه «عبئاً زائداً» من المخاطر وتقترب من استنفاد قدرتها على تحقيق الإنجازات دون أثمان باهظة.
يبدو أنه مطلوب أيضاً بحث مبدئي أكثر حول المنفعة العامة في المسعى لمنع (أو تقليص) سياقات التعاظم التقليدية للعدو، مثل «مشروع الدقة» لحزب الله.
فنقل مركز الثقل للمشروع من سوريا إلى لبنان سيؤكد التحدي الذي تقف أمامه إسرائيل، ومن شأنه أن يؤدي إلى مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، الذي أوضح من جهته بأن سياسة رده على الهجمات في لبنان ستكون مختلفة عما كانت في الماضي.
الاستعداد لـ«حرب الشمال الأولى»
المواجهة متعددة الساحات
يوجد بين إسرائيل وحزب الله، منذ حرب لبنان الثانية، ردع متبادل في كل ما يتعلق بمواجهة واسعة النطاق. ومع ذلك، تفيد التجربة بأنه حتى في مثل هذه الوضع يحتملأن يكون هناك تدهور قد يؤدي إلى «حرب لبنان الثالثة» وتكون أقوى بكثير من الاثنتين اللتين سبقتاها.
تؤدي نتائج الحرب الأهلية إلى أن مثل هذه المواجهة يمكن أن تقع أيضاً في أوصاف أخرى تختلف عن تلك التي ميزت المواجهات في هذه الساحة في العقود الأخيرة. فتعبير «حرب الشمال الأولى» يصف سيناريو مواجهة عسكرية مع لبنان قد يتسع إلى سوريا، بل وإلى إيران والعراق (وفي السيناريو المتطرف إلى الساحة الفلسطينية أيضاً)، بمشاركة قوات مختلفة.
لا يدور الحديث عن وصف يمد مقدرات إسرائيل إلى عدد من الجبهات، بل عن تقويض تام لفكرة استخدام القوة الإسرائيلية في الساحة الشمالية. والمعنى هو أن آليات الإنهاء المعروفة من شأنها ألا تكون ذات صلة بمثل هذه المواجهات المركبة.. هذا الوصف يستوجب إذن فكرة مختلفة لاستخدام القوة العسكرية.
بناء القوة لتحقيق «الحسم» و «الانتصار»
المناورة البرية
يدير الجيش الإسرائيلي منذ بضعة عقود بحثاً في المسائل المتعلقة بآخر معاني مفاهيم «الحسم» و«النصر» واحتمال تحققها في الزمن الحالي بواسطة فكرة استخدام محدثة. وفي أساس المداولات ثمة سؤال: هل الحسم الواضح الذي لا لبس له والذي ميز الحروب الماضي ممكن في حروب من النوع الحالي؟ تشير استراتيجية الجيش الإسرائيلي (2018) عن هذا السؤال بالإيجاب. هي تصف فكرة استخدام محدثة للحرب كقائمة على أساس ضربة متعددة الأبعاد، تدمج في الوقت نفسه النار الدقيقة (ضد آلاف الأهداف المخطط واللائحة) ومناورة برية سريعة، فتاكة ومرنة. ترى الفكرة في المناورة عنصراً حيوياً وتولي لها دوراً مهمًا: التسلل إلى أرض العدو وإلى أهداف يعتبرها ذات قيمة.
نصوص مشابهة كتبت في الماضي أيضاً. أما عملياً ففي كل المواجهات الأخيرة فضلت إسرائيل استخدام قوتها النارية من خلال سلاح الجو والمدفعية، وكانت مترددة وحذرة جداً في استخدام القوات البرية. وبالتالي فإن على رئيس الأركان أن يتأكد من أنه لدى الجيش الإسرائيلي قدرة عملية للمناورة البرية بحجم واسع ذات صلة بأعداء مثل حزب الله وحماس، ويمكنها أن تتصدى لعملية طويلة السنين من تغلب الاضطرارات الاجتماعية والسياسية على استخدام القوة العسكرية. في هذا السياق سيكون من الصواب مواصلة البحث باهتمام شديد بأداء اللواء احتياط اسحق بريك بشأن أهلية الجيش البري. في ضوء الإنتقاد سيكون مطالباً من رئيس الأركان الوافد أن يحدد ما الذي يتوقعه من الجيش البري، وكيف ينبغي فحص أهليته، وكيف ينبغي بناؤه، ولا سيما في مواجهة أهداف المناورة وفي ضوء قيود المقدرات.
التصدي لحماس في غزة
مثل عوامل القوة الأخرى في المجال، حماس هي الأخرى غير معنية بمواجهة واسعة مع إسرائيل. ومع ذلك، فبعد أكثر من أربع سنوات من حملة «الجرف الصامد» تضعف جوانب معينة من الردع الإسرائيلي. فحماس مثلاً مستعدة اليوم بقدر أكبر لاستخدام قوتها في ظروف ملائمة لها (التعبير الأكثر أهمية لذلك كان في جولة التصعيد التي وقعت بين 12 و 13 تشرين الثاني 2018، وفي أثنائها أطلق نحو الأراضي الإسرائيلية أكثرة من 500 صاروخ.
فضلاً عن ذلك فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة تعاني من حمل زائد من الأهداف عقب الخصائص الأساسية في المنطقة (احتكاك دائم بين الجيش الإسرائيلي والمتظاهريين الغزيين على طول الجدار، والوضع الاقتصادي السيء في المنطقة، وكثرة الأساس المنطقي في عمل السكان المدنيين، حماس وفصائل أخرى نشطة في الميدان) تزيد الاحتمال لآلية التصعيد، وفي نهاية المطاف للمواجهة. وضع الأمور هذا يستوجب أن يكون لدى الجيش الإسرائيلي خطة عملية تبرر منفعتها أثمانها بحيث تؤدي ـ في حالة المواجهة ـ إلى ردع حماس لفترة طويلة والمس بالمنظمة، مع التشديد على ذراعها العسكري.
الحفاظ على ثقة الجمهور في الجيش الإسرائيلي
إدارة توقعات الجمهور
يثبت مقياس الأمن القومي، بحث الرأي العام لمعهد بحوث الأمن القومي، بأن الجمهور في إسرائيل يكنّ ثقة عظيمة جداً بالجيش الإسرائيلي. فثقة الجمهور الإسرائيلي بالجيش عالية على نحو خاص في سياق المواضيع التي تعتبر مهنية وعملياتية (الاستعداد للمواجهات العسكرية).
بالمقابل، تصبح الصورة أكثر تعقيداً عند الحديث عن موقف الجمهور من الجوانب الاجتماعية والقيمية التي يلبسها الجيش. في هذا السياق تظهر خلافات في أوساط الجمهور في مواضيع مثل خدمة النساء، ومسائل الدين والجيش، وحتى تعليمات فتح النار. وضع الأمور هذا هو إشارة تحذير لمصاعب متزايدة في التمييز بين المسائل المهنية ـ العملياتية وبين المسائل القيمية، الأيديولوجية بل وحتى السياسية.
تحد آخر لثقة الجمهور بالجيش من شأنه أن يرتبط بنتائج مواجهة عسكرية واسعة النطاق. فصورة انتصار واضحة ولا لبس فيها في حرب سريعة قصيرة نجت في البعد الزمني ولا تزال تؤثر جداً على حكم الجمهور الإسرائيلي على الحروب ونتائجها. وعليه، فإنه يضاف إلى التحديات التي تتميز بها المواجهات الحالية التي يشارك فيها الجيش الإسرائيلي أيضاً إحباط متواصل من الفجوة الواضحة التي بين الصورة والنتائج عملياً.
هذا الموضوع يستوجب إعداداً مناسباً للجمهور من أجل تقليص هذه الفجوة التي بين التوقع والنتيجة. إن مزايا المواجهات المستقبلية من شأنها أن تفاقم هذه الفجوة. فالجمهور الإسرائيلي يتفهم احتمال وجود مصابين في أوساط الجنود في الحرب بل وفي الجبهة الداخلية. ولكن مشكوك في أن يكون الجمهور جاهزاً نفسياً ومن حيث الوعي، لواقع دمار واسع النطاق في المدن. في هذا السياق، يبدو أن سقوط عدد كبير من الصواريخ مع رؤوس متفجرة ثقيلة في المراكز السكانية سيؤدي أيضاً إلى مس شديد وبعيد المدى بإحساس الأمن لدى الجمهور.
علاقات رئيس الأركان مع القيادة السياسية
في كتابه «القيادة العليا» (2003) كتب اليوت كوهن بأن «رجال الجيش والسياسيين يجدون أنفسهم في شبكة علاقات من التعاون مفعمة بالتوتر بل وبالكدية». تدعم التجربة الإسرائيلية هذا الاستنتاج بالتأكيد، فسلسلة من رؤساء الأركان وصلوا إلى مواجهات حادة مع القيادة السياسية التي كانوا يخضعون لإمرتها (بدءاً من المواجهات بين يغئال يدين ودافيد بن غوريون وحتى المواجهات بين غابي اشكنازي وايهود باراك، وعلى ما يبدو أيضاً بين غادي آيزنكوت وافيغدور ليبرمان. تحدٍ مهم لرئيس الأركان هو إذن الحاجة إلى الإيضاح والترتيب لشبكة العلاقات المركبة هذه. نعم ينبغي السير على الخط بالنسبة للتعبير الغامض «القيادة السياسية» والوصول إلى تفاهم مسبق بالنسبة لجوهر علاقات رئيس الأركان مع كل واحد من عناصر «القيادة السياسية»: رئيس الوزراء (الذي لا يذكر على الإطلاق في القانون الأساس: الجيش)؛ ووزير الدفاع (الذي يتبع رئيس الأركان له)؛ والحكومة كلها (التي بإمرتها يخضع رئيس الأركان)؛ والكابنت السياسي الأمني. ثمة فجوة واسعة بين المكانة العملية لرئيس الوزراء ومكانته القانونية.
علاقات رئيس الأركان مع قادة المناطق
توجد مشكلة تتكرر في علاقات رئيس الأركان مع قادة المناطق. وتجربة الماضي تفيد بفجوات فكرية بين رئيس الأركان وقادة المناطق، سواء في سياقات التخطيط أم في أثناء إدارة القتال. وأحياناً تصل هذه الفجوات إلى مواجهات مباشرة بين رئيس الأركان وقائد المنطقة، بشكل يمس بقدرة إدارة المعركة بنجاعة. يفيد تكرار هذه الحالات إلى أن الحديث لا يدور عن موضوع شخصي فقط، بل عن مشكلة بنيوية تكمن في العلاقة بين رئيس الأركان وقادة المناطق، وأساساً في أعقاب زوايا الرؤيا المختلفة لأصحاب المناصب. على رئيس الأركان الوافد أن يجد السبيل لتطوير أساس معرفي شامل مشترك وإدارة حوار لاستيضاح الفجوة سواء في الأوضاع العادية أم في الطوارئ.
التحدي المالي
مهامة مركزية لرئيس الأركان الوافد هي مواصلة بناء قوة الجيش الإسرائيلي في إطار خطة متعددة السنين مغطاة بالميزانية، تحل ابتداء من العام 2020 محل خطة «جدعون». على مثل هذه الخطة أن تقر الحكومة وأن تشمل ميزانية متعددة السنوات. ويتعلق استقرار الميزانية، ويبدو أن الظروف ناضجة لاتخاذ قرار بشأن تعريف ميزانية الدفاع كنيسة من الناتج المحلي الخام، بحيث يتوفر أساس حسابي بسيط يمنع الجدالات.
الخلاصة
الاختبار الأعلى لرئيس الأركان هو في الحرب أو في الحملة العسكرية الكبيرة. وتفيد التجربة التاريخية بأن إمكانية حرب أو حملة عسكرية واسعة النطاق في فترة ولاية رئيس الأركان معقولة للغاية. منذ عهد رئيس الأركان اسحق رابين (حرب الأيام الستة)، وقعت حروب أو حملات عسكرية كبيرة نسبياً في عهد ولاية كل رؤساء الأركان تقريبًا.
من هذه الناحية وفي نظرة مقارنة، فإن فترة رئيس الأركان المنصرف، الفريق غادي آيزنكوت كانت استثنائية، فقد كانت هذه فترة نشاط عملياتي مكثف جداً، ولكن إسرائيل نجحت في الامتناع في أثنائها عن الخروج إلى حملية عسكرية واسعة، مما اعتبر متعارضاً مع مصالحها.
ما سمح بفترة الهدوء النسبي كان أيضاً الردع المتبادل الذي نشأ بين إسرائيل وحزب الله بعد حرب لبنانية الثانية وبين إسرائيل وحماس بعد حملة «الجرف الصامد». لقد استخدمت إسرائيل قوتها تجاه هاتين المنظمتين في السنوات الأخيرة أيضاً. ولكن هؤلاء فضلوا عدم التدهور إلى وضع من المواجهة الشاملة. حزب الله نفذ عمليته الأخيرة قبل قليل من دخول رئيس الأركان غادي آيزنكوت إلى منصبه (في كانون الثاني 2015، جنديان قتيلان). أما حماس حين قررت تصعيد المواجهة مع إسرائيل، في تشرين الثاني 2018، كانت إسرائيل هي التي فضلت عدم تدهور الوضع. يدخل رئيس الأركان الـ 22 إلى منصبه في فترة متفجرة، فيما أن عناصر التصميم المركزية لفترة الهدوء الطويلة نسبياً آخذة في الضعف. ومشكوك في أن تكون هناك وظيفة مركزية ومسؤولة أكثر من هذه في الواقع الإسرائيلي الحالي.
عاموس يدلين وايتي برون واودي ديكل
نظرة عليا ـ 17/1/2019