التحديث الثقافي والتغيير السياسي في العالم العربي

لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع فيه عن تفجير في إحدى العواصم العربية يؤدي إلى قتل العشرات وجرح المئات، وهذه ظاهرة لم تكن معروفة منذ عدة عقود، ذلك أنه في الماضي كان إذا قتل فرد من الأفراد فإن قتله يصبح قضية يتداولها الناس دون انقطاع، أما الآن فتتواصل عمليات القتل ويمر بها الناس دون أن تثير فيهم شيئا،
والغريب هو أن عمليات القتل والتفجير هذه لا تكون ذات أهداف محددة، فهي أقرب إلى الإرهاب منها إلى العمل الذي يحقق غاية بعينها، ذلك أن الذين ينفذون هذه العمليات لا يعبرون عن هوياتهم كما أن الاستهداف العشوائي لا يحدد قضية بعينها، إذ ما معنى أن يفجر شخص نفسه أو سيارته في مقهى لا يعرف من يجلس فيه؟ لكن يبدو أن هذه الظاهرة أصبحت ثقافة في مجتمعاتنا العربية يمارسها البعض دون التوقف للتساؤل عن أسباب أو أهداف ممارساتهم، والسؤال المهم هو لماذا حدث هذا التحول المهم، ولماذا أصبحت كثير من المجتمعات غير آمنة ؟
كنت قبل عدة أيام أتابع في شبكة الانترنت مقابلة أجرتها إحدى المحطات التلفزيونية مع صديق قديم تعرفت عليه خلال إقامتي في العاصمة البريطانية لندن، وهو الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه الليبي الجنسية، وكان يتكلم فيها عن التحولات التي حدثت في ليبيا قبل وأثناء وبعد حكم القذافي، وأعجبني في ما قاله تمييزه للمراحل بصورة يمكن إسقاطها على العالم العربي بأسره، ذلك أن العالم العربي عاش قبل ثورة يوليو عام 1952 في مصر مرحلة لها سماتها الخاصة، فقد انتشرت الأنظمة الملكية في هذا العالم كما هو الشأن في مصر والعراق وليبيا والمغرب واليمن، وكانت تلك مرحلة هدوء حقيقي، ذلك أن العالم العربي في تلك المرحلة لم يكن مشغولا بالتوجهات السياسية العالمية، وكان المناخ السياسي يقوم على حالة صراع بين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي المكون من دول كثيرة، ولكن العرب لم يكونوا مشغولين بهذا الصراع، لأن ثقافتهم الإسلامية لم تكن تقربهم من الفكر الشيوعي السائد في الاتحاد السوفييتي كما أن الانحياز الغربي لدولة إسرائيل جعل كثيرا من العرب يتشككون في النوايا الغربية، ولكن هذا الأمر تغير بعد أن بدأت مرحلة الانقلابات في سوريا ومصر والعراق وليبيا واليمن، وكما قال الدكتور أحمد الفقيه لم يكن التغيير الانقلابي يمثل في مراحله الأولى صدمة في المجتمعات العربية لأن الكثيرين صدقوا الشعارات التي رفعتها الحركات الانقلابية وظنوا أنهم مقبلون على مرحلة جديدة في الواقع العربي، وهي مرحلة نحو التقدم. ولكن لم يمض وقت طويل حتى أدركت الجماهير العربية أن التغيير لم يكن إلى الأفضل بل أتى ومعه أنظمة قمعية تتستر بشعارات كبيرة ولكنها تحمل في الداخل مفاهيم وشعارات تتعارض مع تطلعات الجماهير العربية، وذلك ما جعل معظم الأنظمة تدخل في صراعات مع بعضها بعضا وفي داخلها بحيث ظهرت ثقافة القتل والإعدامات التي أصبحت هي الوسيلة التي يعتقد الكثيرون أنها وحدها القادرة على تصفية الأجواء من أجل ممارسة الحكم بالطريقة التي يريدها الانقلابيون.
ووصلت هذه المرحلة إلى ذروتها إلى أن ظهرت ثورات الربيع العربي، وهي ثورات قادتها الشعوب دون أن تحدد الأغراض التي تسعى إلى تحقيقها، لأن إسقاط الأنظمة كان هو الهدف الأول ثم يأتي بعد ذلك التفكير في ما يريده الناس، وحدث ذلك في تونس وليبيا ومصر ويحدث الآن في سوريا واليمن ومواقع كثيرة في العالم العربي. ونرى على الرغم من سقوط نظام العقيد القذافي بشكل كامل، فلم تستطع ليبيا حتى الآن أن تقيم النظام الذي يمكن أن يكون بديلا، ذلك أن الأمر أصبح مجرد صراع بين مليشيات ساعدت في إسقاط نظام القذافي، ولكنها لا تعرف حتى الآن كيف تسهم في بناء مرحلة جديدة من الحكم في ليبيا.
ونلحظ بصفة عامة في هذه المرحلة صعود التيارات الإسلامية بشكل واضح في سائر البيئات العربية، والسبب في ذلك هو التنظيم النسبي لهذه التيارات، ولأنها صاحبة فكرة أكثر وضوحا مما يريده الآخرون، ولكن ذلك لا يعني أنها ستتمكن من أن تكون البديل، وخير شاهد على ذلك ما يحدث في مصر الآن، ذلك أن الصراع الحادث في هذا البلد ليس صراعا كما يظن الكثيرون بين ما يطلقون عليه الانقلاب وما يطلقون عليها الشرعية، لأنه لو كان الأمر كذلك لأمكن حله بسهولة، ولكن الصراع القائم في مصر سببه سيطرة قوة عسكرية تتبنى المفاهيم المدنية في مواجهة قوة أخرى تتبنى المفاهيم الدينية، ولكن الكثيرين يحاولون التمويه بالقول إنه صراع بين الشرعية والانقلابية. ودون الدخول في تفاصيل هذا الصراع نرى أن المشكلة في أصلها في العالم العربي ليست في نوع الأيديولوجيا التي يتبناها المجتمع، ذلك أن المدنيين الذين يرفضون التيارات الدينية لا يملكون في الواقع الصيغ البديلة التي يمكن بها تبرير مواقفهم من الإسلاميين، كما أن الإسلاميين أنفسهم لم يقدموا التصور الذي يبنون عليه الدولة وكيف يمكنهم أن يتعايشوا مع اتجاهات مخالفة لهم في وجهات النظر، ذلك أن كثيرا من الذين يدعون إلى هذا الاتجاه يرون أن كل من يخالفهم لا يحق له أن يمارس نشاطه في المجتمع.
ومهما يكن من أمر فإن المسألة لا تتعلق أيضا بإيجاد صورة توافقية تتعايش في إطارها سائر الأطراف بل تستوجب المسألة بداية البحث الذي يكون عليه بناء المجتمع الحديث، وهذه مسألة غائبة حتى الآن، ذلك أن معظم الذين يتصارعون في داخل المجتمعات العربية لا هم لهم سوى الوصول إلى الحكم، ولكن الوصول إلى الحكم في ظل غياب نظام صحيح للدولة لا يحقق الأهداف، وذلك ما نلمحه الآن في ليبيا حيث إن الصراع قائم بين مليشيات تعتقد أنه كان لها دور فاعل في إسقاط نظام العقيد وهي تنتظر المكافأة بأخذ نصيبها في الحكم، ولكن هل وصول أية جماعة إلى سدة الحكم يعني تحقيق الأهداف؟ الإجابة بكل تأكيد لا، لأن الحكم هو الوسيلة التي تساعد أصحاب النفوذ في تحقيق البرامج التي توظف من أجل صالح المجتمع، وليس من أجل صالح القوى والجماعات التي تتطلع إلى الحكم لتصبح ذات نفوذ أو سيطرة على أقدار الناس.
ويبدو في ضوء ذلك أن المجتمعات العربية تحتاج إلى مرحلة طويلة وعصية من أجل إعادة البناء، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال تغيير شامل لنمط الثقافات التي تتحكم في هذه المجتمعات، ذلك أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها العالم العربي هي من وجهة نظري مشكلة ثقافية، وهي تتمثل في الواقع القبلي والطائفي الذي تعاني منه كثير من المجتمعات العربية، والغريب هو أنه على الرغم من أن الكثيرين لا يعيشون هذا الواقع في حياتهم العملية فإنهم يلجأون إليه من أجل اكتساب الدعم، إذ ما معنى أن يلجأ فرد إلى أصوله القبلية أو الطائفية من أجل تحقيق أغراض ذاتية؟
ولا شك أن تغيير هذا الواقع يحتاج إلى تغيير ثقافي شامل في العالم العربي يهيئ المواطنين للعيش في مجتمعات ذات طبيعة حضارية تسمو فوق المنازعات القبلية والطائفية وتهيئ لقيام مجتمع معاصر. وهنا لا بد أن نقول إن التفكير يجب أن يبدأ من الأسس الأولية لبناء المجتمع الحديث وهذه الأسس موجودة في مجتمعات معاصرة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، ولا بد من النظر إليها من أجل التعلم إذ بدون هذا التعلم فإن التغيير لن يحدث في طبيعة المجتمعات العربية، كما أن الناس لن يتوقفوا عن ممارساتهم القديمة التي نتيجتها هي الواقع العربي الراهن.
والغريب أنه في حين أن هناك الكثير الذي يمكن أن تتعلمه المجتمعات العربية من مجتمع مثل المجتمع البريطاني الحديث، فإن الكثيرين يضعون سدا بينهم وبين هذا التعلم لمجرد أنهم يحملون مفاهيم لا تنتمي إلى هذه الحقبة الزمنية بل إلى حقبة لم يعد لها وجود في العلاقات الدولية المعاصرة.

‘ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية