مطاع صفدي
المعركة الجديدة المفروضة علي العرب ما فوق أنواع المعارك والأزمات القديمة والطارئة، والتي أمست مزمنة في معظمها، قد تبلغ ذروة دولية تتخطي في شدتها وتداعياتها التاريخ المعاصر لمسلسل الحروب الإقليمية والأهلية والعالمية علي الأرض العربية. انها معركة النقلة من الأسلحة التقليدية إلي أسلحة الدمار الشامل، وهذه المرة ستكون هي المدمرة الشاملة فعلياً، وليس دعاوياً أو تسويغاً لغزو مقرر مسبقاً، كما كان شعار الاجتياح الأمريكي للعراق. ها هم صقور البنتاغون يتنافسون فيما بينهم علي اجتراح المبررات التي تتيح انتهاز الفرصة الذهبية المنتظرة لجعل السلاح النووي موضع استخدام فعلي، وليس وسيلة تهديد نفسي أو دعاوي فحسب، كما كان شأنه منذ أيام الحرب الباردة. فالمتابع لأوركسترا التصريحات والتحليلات وما يسمي بالتسريبات المنهالة علي وسائل الإعلام المحلية بل الدولية لا يمكنه إلا الجزم بأن ثمة اتحاداً جهنمياً بين أمريكا والحرب، وأنه لم يعد فهم الأولي أو إعطاء تفسير لسلوكها إلا بإحالتها إلي رديفها الآخر الذي هو صناعة العنف والتصعيد بأدواته وآلاته إلي أشدها هولاً وفتكاً بالإنسانية، وتنقيلها من شعب إلي آخر. لكن الساحة المفضلة لآلهة الحرب العصريين ستظل محدودة بأوطان العرب والاسلام الضعفاء، ولكن إلي متي.. فإذا ما ظهرت بعض ملامح الممانعة في تصرف هذا الشعب أو ذاك، كأنما يتبرع للجلاد بالسكين التي ستذبحه. فأمريكا هذه الأيام تعد نفسها والرأي العام الدولي، لضرب إيران بالسلاح عينه الطامحة هي عبثاً إلي امتلاكه. أي أن الجلاد قد يمنح الضحية فرصة تقديم الذريعة المسوغة لنهايتها. والمحزن حقاً أن تمعن الضحية في ابتكار رقصة الموت التي تنتظرها.
ذلك هو الرمز الأسطوري الذي أمست تنطوي عليه إشكالية الصراع (النووي)، بين أمريكا وإيران. حتي أنه لا يمكن وصفه بالصراع حقاً لكون المعادلة الاستراتيجية بينهما هي مجرد علاقة القطب المتملك كلياً من أسباب تفوقه المطلق بالقطب الذي لا يكاد يملك سوي أسباب العدوان عليه، كما يقدرها خصمه أو يدعيها بالأحري. غير أن المسألة في قرارات الحروب الأمريكية هي أنها لا تنتظر عادة مواقف القبول أو الرفض من قبل الآخرين، أو ما يسمي بالرأي العام لدي مجتمعها أو المجتمع الدولي، وإن كان الأمر سوف يختلف قليلاً هذه المرة فيما يخص الشأن الإيراني. إذ يبدو أن الغرب بمعناه التقليدي، الأوروبي الأمريكي معاً، هو الذي يظهر تماسكه إزاء ما يعتبره خطراً قد ينال من استراتيجيته الكونية فيما يدعي بحظر الانتشار النووي، وخاصة في نطاق العالم الثالث.
وفي هذا الظرف الراهن الذي تبلغ فيه حدة المواجهة مع الاسلام ذروة غير مسبوقة، يتم تصوير إيران أنها المصدّرة الأولي لنوع ذلك الاسلام الآخر الموصوف بالسياسي، ثم بالإرهابي فقط. وخاصة أن بعض عواصم أوروبا الغربية قد تلقت قبل غيرها أولي تمارين العنف الخميني عبر تفجيرات بعض مرافقها العامة خلال عقد الثمانينات. فكيف يكون رد فعلها إذا ما نجحت طهران في اقتحام النادي النووي، وتحول (إرهابها) السري إلي إرهاب علني تشهره دولة إسلامية كبري تحت يافطة الحق في التقنية النووية السلمية.. وماذا سيكون عليه موقف الدول الإقليمية نفسها بدءاً من المشرق العربي كله، وصولاً إلي إسرائيل المعنية الأولي كما تعتقد، بهذا التطور الحاسم الذي سينهي أسطورة التفوق العسكري باحتكارها السلاح النووي، علي المحيط العربي والاسلامي مجتمعاً حولها وضدها.
اذا كانت اسرائيل غير مترددة للحظة واحدة في مساندة أية ضربة توجهها واشنطن إلي طهران، بل كانت هي المحرضة دائماً والعاملة بكل نفوذها من أجل ألا يأتي أبداً ذلك الوقت الذي تبرز فيه قوة عربية أو إسلامية تضاهيها بأية مكتسبات عسكرية تقليدية فكيف الأمر بالنووية. نقول إذا كان ذلك هو الموقف الاسرائيلي المعروف دائماً والذي يبلغ ذروته حالياً، فهل سينساق عرب الأنظمة تلقائياً مع هذه الاندفاعة الإسرائيلية الأمريكية، ودونما أي تمحيص للضار والنافع فيما هم مقبلون عليه، وبذات الطريقة التي اصطفوا فيها الي جانب الغزو الأمريكي للعراق، وساهموا كل بأسلوبه، في تحقيق واحد من أهم أهداف إسرائيل في القضاء علي آخر حصن عربي في المشرق كان اسمه عراق الرشيد.
ما يطرحه التحدي الإيراني في هذه اللحظة من مسيرة الانكسار السياسي والدفاعي الذي انحدرت إليه مجمل قوة الصمود والممانعة القومية والوطنية، ليس من السهل التسرع في تحليله والحكم عليه. ما لا يناقش فيه حتي الغريب عن المنطقة، شرط التمتع بشيء من الحيادية، هو أن أحوج ما يحتاجه الوضع العربي العام، قيام رافعة ما تنشله من حكم الانهيار التام بفقدانه لبقية عوامل استقلاله وسيادة شعوبه ودوله، لكن السؤال حقاً هو فيما إذا كانت هذه الرافعة إيرانية، وأنها تتخذ شكل التحدي النووي فيما قد يفسر بكونه نازعاً الي فرض الالتزام به علي جيرانه بكل وقائعه ونتائجه وتداعياته، المصنفة جميعاً تقريباً في خانة الأخطار الكيانية الكبري، والتي سوف تضاعف من عدمية الحالة الإقليمية وسوالبها التقليدية والمستحدثة مع وقوع المحظور شبه المحتم.
لو لم يكن العراق أمسي يتعرض لغزوين أمريكي وإيراني (قوموي) معاً، لكان ثمة اتجاه عفوي لدي غالبية العرب نحو تأييد القوة الجديدة لإيران، ولكان من السهل علي أهل المشرق اعتبار أن هذه القوة سوف تصطف في مكانها الطبيعي من الصراع مع إسرائيل ومقاومة عودة الاستعمار الغربي بشكله الأمريكي. لكن مصير العراق الذي تفككه المذهبية بوسيلة الاقتتال الأهلي المدعوم صراحة وعلناً بتدخل أجهزة إيران، بما يعبر عن سياسة مرسومة من أعلي مستويات الدولة والمؤسسة الدينية، هذا المصير وإلي أين هو مدفوع ومندفع بتصميم إجرامي فذ هو الذي يؤرق الضمير العربي والإسلامي وحتي الإنساني. وهو مبعث كل الانشقاقات المتمادية الراهنة والآتية ما بين ضلعي الحضارة العربية الاسلامية. لقد بلغ مخطط التفكيك المذهبي في العراق حدود تقسيم العرب عربين داخله مهدداً بتحوله الي وباء جارف يعم أقطار الخليج التي يسودها تعايش وتماثل مجتمعي وتاريخي بين سنتها وشيعتها بالرغم من تناقضات ثانوية يمكن تلافيها بالنوايا الحسنة. لكن وباء التفكيك المذهبي لن يتوقف للأسف عند حدود المحيط العربي المجاور لإيران، بل يتعداها إلي سورية ولبنان. وفي هذا القطر اللبناني خاصة حيثما كان الانقسام الطائفي بين الدينين الاسلامي والمسيحي محركاً مرضياً ومغذياً لمختلف العلل والبلايا الوطنية التي عاناها شعبه ولا يزال. وكان تاريخه الحديث والمعاصر مسرحاً مميزاً لنماذج دامية رهيبة تنتهي اليها كل المصالحات الاضطرارية والمؤقتة بين قطبيه الأكبرين. إلا أن تجاربه الرهيبة الفئوية الانقسامية تلك موشكة اليوم علي نقلة نوعية أشد مفعولاً تقسيمياً وشرذمة، من مراحل التطويف الديني الي التفكيك المذهبي. فالاسلام اللبناني هو المرشح راهناً لاستقبال العدوي العراقية لينشق الي إسلامين. وكل رهان التفكيك المنظم اليوم هو في إعداد الفتن المصطنعة المفجرة للكوارث الكبري، في ظل الوصاية الأمريكية التي تكاد تمسك بجميع الخطوط الرئيسية لإدارة الأزمة من صفحة إلي أخري، وصولاً إلي قعر الهاوية المفتوحة لابتلاع كل الأطراف سوية، بشرط ألا يخرج منها منتصر واحد أياً كان.
إنه المصير عينه الذي ما فتئت سورية تدفعه عنها تحت شتي الشعارات الثورية. وقد دفعت البلاد كلها أثماناً باهظة لإخفاء صيغة معينة من سيطرة حكم أقلية علي أكثرية، واستمراريته بمختلف آليات الطغيان المعروفة والمبتكرة الآيلة الي اعتقال المجتمع كله، وتصحير حضارته، وعزله التام عن اختيار أبسط شؤونه الحياتية، أو المساهمة في تقرير مصير المنطقة عبر كل انعطافاتها الكارثية ما يقرب من نصف قرن في ممارسة إجهاض النهضة العربية الثانية وتجريدها حتي من أضعف شروط تنميتها ودفاعاتها. فأمراض التطويف والمذهبة والعنصرة لم تكن لتنمو وتستولي علي بوصلة التوجيه والقيادة لو لم تفقد النهضة أهم ثروة إنسانية تتمتع بها المجتمعات المعاصرة وهي حرياتها الأولية المدنية. هذه الحريات التي استهدفها الطغيان الفئوي باعتبارها هي عدوه المركزي.
إن التصحير النهضوي يدمر مكونات الوحدة المجتمعية ويحرمها من نسيجها الأولي المتماسك، ومن ثم يعرضها لشتي آفات التفتيت العضوي كالشجرة الخريفية التي تتساقط أوراقها وأغصانها متيبسة ميتة. وهكذا فالنسيج الوطني، بعد القومي، أمسي أرضاً مستباحة لكل غزو تفكيكي من الجار ومن العدو في وقت واحد. فلا عجب إن لم يستقبل العرب أخبار التفوق الإيراني بتفاؤل ما بل بشكوك غالبة وصريحة، إذ اعتبروه تفوقاً علي إمكانياتهم بالذات، قبل أن يكون تحدياً للعدو المشترك أمريكا. وهو التحدي الذي سيلزم سكان المنطقة بنتائجه المدمرة شاؤوا أم أبوا.
ليس هناك من مخرج حقيقي لهذه الأزمة الشاملة المفروضة سوي في العودة إلي مفهوم الصفقة التي يطالب بها العرب دائماً بتجريد المنطقة من أية أنشطة، نووية غير سلمية، وشرطها الأساسي هو تخلي إسرائيل عن خزينها من السلاح الشامل الذري والكيماوي، مقابل اكتفاء إيران بالجانب السلمي من الملف النووي. إنه الأسلوب الإنساني الذي يمكن أن يترجم إليه ما يوصف بالتحدي الإيراني. وقد تنجح دبلوماسية عربية ذكية بالتوسط الفعال بعد إقناع الطرف الإيراني، وتأسيس موقف عربي إسلامي شامل يوقف التصعيد الأمريكي ويحرمه من انتهاز فرصة حرب جديدة بأسلحة التدمير الشامل، وتكون ضحيتها هذه المرة جغرافية إسلامية وعربية شاملة للمشرق كله، وإلي ما هو أبعد وأخطر.