يا له من رجل قديم، من زمن «وردة الحب الصافي»، التي غنى لها موسيقار الأجيال في مرحلة النشأة والتكوين، وفي مرحلة الجيل الأول، في زمن المصريين القدماء.
لقد ظهر عبد الفتاح السيسي تلفزيونياً، وهو يحمل باقة من الورد الأحمر، فاقع لونها، في زيارته للفتاة المتحرش بها، فأيقنت ساعتها أن الرجل «دقة قديمة»، فقد تجاوز الزمن مرحلة الوردة الحمراء التي تعبر عن الحب، وصارت باقات الورود متنوعة. وان كنت «كانسان علمي» لم أؤمن يوماً بأهمية الورد في المناسبات، واعتقد أن دخول الزائر بطبق «بسبوسبة»، أو بكيس فاكهة، أو بنصف كيلو مشكل كباب على كفتة، أفضل من باقة ورد ستذبل حتماً، وستلقى حتماً حيث تلقى القمامة.
الفتاة، التي زارها السيسي، وأقامت فضائيات الثورة المضادة، لزيارته «زفة»، كانت واحدة من ست فتيات في قول، ومن ثماني في قول آخر، جرى اغتصابهن في ميدان التحرير، عندما احتشد حوالي ثلاثمائة شخص للاحتفال بتنصيب المذكور رئيساً للبلاد، وكانت النهاية فضيحة. وفي الواقع فان عمليات التحرش الجنسي جرت في كل تجليات الثورة المضادة، لكن جرى التستر عليها.
الفضائيات التي نقلت وقائع ما جرى يوم 30 يونيه، لم تنقل للناس خطب الخطباء على المنصة، ولا يوجد في مكتبة أي فضائية فيديو لخطبة واحدة، لسبب معلوم وهو أن الخطب كان يتم قطعها بفواصل تنبه النساء بعدم الذهاب إلى المكان الفلاني في ميدان التحرير لأن هناك شبابا يتحرش بالنساء، والمناداة بالابتعاد عن ذاك المكان لذهاب المتحرشين إليه.
وإذا كانت مذيعة قناة «التحرير»، قد بررت حفلة الاغتصاب الجماعي، بأنها تأتي تعبيراً عن الفرح، ومن حق الناس أن يفرحوا بتنصيب السيسي رئيساً، فان الفضائيات الأخرى ذهبت تبحث أسباب هذه الظاهرة المفزعة، ولم تتوصل إلى شيء. وان كان البعض أطلق أحكاماً تبدو من حيث الشكل متماسكة، ثم سرعان ما تتهاوى عند المناقشة الجادة. وهناك من قال إن الأمر راجع للجهل، أو للفقر، أو لتأخر سن الزواج. وانطلق صوت كاره لكل ما له علاقة بالدين فأرجع الأمر إلى تأجيج المشاعر بالحديث عن الحور العين في الجنة.
في مصر بعد الانقلاب هناك من يسارعون في الكفر، وقد استضافت بعض البرامج من يطلقون على أنفسهم ملحدين. ولقد قالوا كلمة الكفر. وهذا الجهر له علاقة وثيقة بالمجاهرة بالاغتصاب، باعتبار أن الخروج على الدين والقيم هو عنوان مرحلة الخيانة، عندما حنث وزير الدفاع بالقسم، وخان رئيسه المنتخب.
في برنامج لميس الحديدي قالت صديقة لمتحرش بها، إنها عندما سألت من تحرش بصديقتها: لماذا فعلت هذا؟!كان جوابه: لقد قالوا إنها من الإخوان. وادعت لميس انشغالها بالأوراق التي أمامها، لتفلت من التعقيب على ما تقوله وعلى نمط السلوك المنحط الذي أوصلنا إليه الانقلاب. الذي يقول قائده إنه حامي حمى القيم، والأخلاق، والدين، مع أنه جعل من مواطنين مستباحين استباحة كاملة لمجرد أنهم من الإخوان!
السيسي موحد القطرين
عبد الفتاح السيسي ليس هو قائد الانقلاب، لكنه مجرد منفذ لخطة الانقلاب، تماماً كما بدا مجرد قارئ للخطاب الذي ألقاه عشية تنصيبه رئيساً، فكان يتلوه بدون حماس، وكأنه يطالعه لأول مرة، والتفاعل الوحيد منه كان عندما وصل إلى الحديث عن أولياء أمور الانقلاب في دول الخليج.
السيسي ليس هو قائد الانقلاب، وعندما أساير الدعاية وأطلق عليه هذا الوصف فان ما افعله هو تطبيقاً لنظرية «الموظف الفعلي» في القانون الإداري.
«سلفة»، لميس الحديدي السابقة الدكتور هالة سرحان، من «السلاليف»، كانت الأكثر موضوعية عندما أمنت على كلام ضيفتها، والضيفة تتساءل عن السر وراء عدم وجود التحرش في فاعليات الإخوان، وفي اعتصام رابعة العدوية؟ في حين وجوده في فاعليات الطرف المناهض لهم. وكانت هذه الطلة سبباً في وقوفي على أن هالة عادت للشاشة الصغيرة من جديد. وكانت قد عادت إليها بعد الثورة بعد توقف استمر طويلاً بسبب حلقة من برنامجها على قناة «روتانا» كانت وزارة الداخلية في عهد حبيب العادلي قد حذرتها من بثها بعد التنويهات عنها، فبدت كما لو كانت استجابت للتعليمات ثم بثتها. ولم تكن العين لتعلو على الحاجب، وكان تحدي مبارك نفسه أهون بكثير من تحدي العادلي.
أحداث ماسبيرو
مرة وحيدة، استضافتني هالة سرحان، وكانت بعد عودتها للشاشة بفضل ثورة يناير، وكانت عبر الهاتف النقال، ولمناقشة ما كتبته في يومها في هذه الزاوية المباركة «فضائيات وأرضيات»، وكان المقال يدور حول ما تدور حوله حلقتها يومها وهو أحداث ماسبيرو. الذي قال المسيحيون إن الجيش قتل منهم فيها أكثر من عشرين شاباً كانوا يتظاهرون سلمياً. وكان رأيي أن المظاهرات لم تكن سلمية، وقد نالنا من الحب جانباً، عندما قامت مسيرة من الشباب المسيحي بتهشيم زجاج مدخل نقابة الصحافيين، بلا مبرر، وكنت حينها قريباً من المبنى.
لا بأس، فقد شاءت إرادة الله، أن يجعل الخير كامناً في الشر، وأن تأتي أحداث وقائع الاغتصاب، التي تسمى تخفيفاً من وقعها تحرشاً، لترد الاعتبار لاعتصام رابعة، الذي قامت دعاية الثورة المضادة، على تشويهه. وكان الحديث لا ينقطع في برامج «التوك شو» عن «نكاح الجهاد» هناك. فإذا بالتحرش يصبح عنواناً لفاعليات القوم، كلما دعا الداعي لحشد جماهيري من شعبه، الذي أثبتت الانتخابات الرئاسية أنه يمثل أقلية الأقلية من الشعب المصري، وهي في أحسن الأحوال بحجم شعبية مبارك، الذي لم تحول شرعيته دون أن تعصف به ثورة يناير.
الإخوان من فعلوها
عندما وقع الاغتصاب الجماعي، هممت بالكتابة على صفحتي على «الفيس بوك»، أن الإخوان هم من فعلوها، وذلك تماشياً مع السياسة الإعلامية المتبعة باتهام الإخوان بالشيء ونقيضه. وقد صدر حكم فضائي مؤخراً بحبس قيادات اخوانية بتهمة قتل متظاهرين، والمتظاهرين القتلى من الإخوان.
لكني وجدت أن الحادث جلل وان وقع في المعسكر الآخر، على نحو لا تجوز فيه السخرية، ولا تصلح له الفكاهة. فلما جن الليل التالي وجدت مقدمي البرامج في فضائيات الثورة المضادة، في حكم «الملبوسين»، ومن قبل أطلقت على لميس الحديدي وصف «الملبوسة».
انثروبولوجياً، فان «الملبوس» يكون نائماً ثم يستيقظ وهو يصرخ، وتجده يتحدث بكلام غير مفهوم، والمفهوم منه غير منطقي. و»الملبوس» هو من يركبه عفريت من الجن. وأنا هنا أتحدث بمنطق أنثربولوجي، فبعض العلماء لا يؤمن بنظرية العفريت الذي يركب البني أدم. وقد قال الشيخ الغزالي ساخراً لمن جاء إليه يشكو من أن عفريتاً يركبه: «ولماذا لا تركبه أنت»؟!
«الملبوسون» هبوا وفي أكثر من برنامج على أكثر من قناة يتهمون الإخوان بأنهم من قاموا بالتحرش. وهو أمر عندما يتواتر فانه ينفي المصادفة ويؤكد على أن هناك جهازا يقود برامج «التوك شو»، ليعيدنا إلى مرحلة إعلام التعبئة، وما يحدث فيها من جرائم سيتحمله تاريخياً الإعلام وحده، ولن يذكر احد هذه الجهة. فأحمد سعيد صار عنواناً لإعلام الإفك، مع أن كل ما كان يفعله في حرب يونيو 1967 أنه كان ينقل، عبر «صوت العرب»، ما يمده به قادة الجيش، الذين أوهموا الشعب المصري أنهم على أعتاب تل أبيب، قبل أن يكتشف الشعب حجم التضليل والأكاذيب.
لقد فكر السيسي، في توظيف أحداث التحرش لصالحه، فكانت لقطة «الورد الأحمر»، وكانت هي مانشيت كل الصحف الصادرة في القاهرة في اليوم التالي. وأقامت لها برامج «التوك شو» ، «زفة بلدي»، عن الرجل الإنسان، والرئيس المنحاز لبنات شعبه. مع أن البنات جرى اعتقالهن في عهده والتحرش بهن في أقسام الشرطة. وفي ذات اللحظة التي كان فيها السيسي في مستشفى المعادي العسكري يزور ضحية التحرش، كانت فتيات يتعرض للاعتداء في سجن القناطر، كل جريمتهن أنهن خرجن في مظاهرات سلمية ضد الانقلاب.
ما علينا، فلا يهنأ السيسي بمشهد، ففي اليوم التالي كانت الناقدة السينمائية، ماجدة خير الله، تكتب أن التي التقى بها السيسي ليست هي فتاة التحرير. وماجدة ليست مع عودة الشرعية، وليست ضد حكم العسكر، ومؤكد أنها مع عبد الفتاح السيسي.
صحافي من مصر
[email protected]
سليم عزوز